قد صنف غير واحد من١ المتكلمين من المعتزلة والكرامية في فضائح الأشعرية، والكلابية، كما صنف هؤلاء في فضائح الآخرين أيضًا.
ولكل مخالف للسنة وطريقة أهل الأثر ما يفتضح به عند التأمل. وأهل الأثر لا فضيحة عليهم عند محصل. لأنهم لم يحدثوا شيئًا وإنما تبعوا الأثر، ومن ادعى في الأثر فضيحة بعد الحكم بصحته، لم يكن مسلمًا٢.
ونحن لا نذكر من فضائح الأشعري ومن وافقه ما ذكره من لا يرضى مذهبه من (معتزلي وكرامي) ٣ بل ما لا يمكنهم إنكاره، وتنطق به كتبهم، فمنها:
(١) أن الأمر عند الفقهاء على الوجوب إلا أن يقترن به ما يدل أن
_________________
(١) ١ في الأصل: (عن) وهو تحريف. ٢ وقد كفر بعض السلف من جحد ما ثبت بخبر الواحد، فكيف بمن يدعي أن في إثباته فضيحة. والتكفير منقول عن إسحاق بن راهويه. انظر: (آل تيمية: المسودة ص ٢٤٥) . ٣ في الأصل: (معزلي وكرمي) وهو تحريف.
[ ٢٩٥ ]
المراد به الندب، أو الإباحة١.
وعند أكثر المتكلمين صيغة الأمر للندب والإباحة، إلا أن يدل دليل على أن المراد به الوجوب٢.
وعند الأشعري: أن الأمر لا صيغة له. إذا قال الله سبحانه افعلوا كذا لا يفهم منه وجوب ولا ندب ولا غيرذلك، ولا يفيد بمجرده شيئًا حتى يقترن به دليل على المراد به٣.
_________________
(١) ١ وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي وعامة المالكية وجمهور الفقهاء، وبه قال جماعة من المتكلمين أيضا كأبي الحسن البصري -كذا عند الآمدي، ولعله أبو الحسين البصري صاحب (المعتمد في أصول الفقه) - والجبائي في أحد قوليه. وانظر هذا المبحث في: (المسودة: لآل تيمية ص ٥) والآمدي: في الإحكام ٢/١٤٤) و(السرخسي: الأصول ١/١٥) و(ابن قدامة: روضة الناظر ١٠٠) و(الجويني: البرهان ١/٢١٦ وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا) . انظر: (ابن حزم: الإحكام٣/٣٢٩) . ٢ وهو مذهب كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، وهو قول بعض الشافعية انظر: المسودة: ٥) و(الآمدي: الإحكام ٢/١٤٤) و(ابن قدامة: الروضة ١٠٠) وانظر أيضا: (إمام الحرمين: ١/٢١٥) وذكر لهم قولا آخر، وأشار إلى أن الأول أقرب إلى حقيقة مذهب القوم. (البرهان) . ٣ لأن: صيغة (افعل) للوجوب عند التجرد عن القرائن عند جمهور الفقهاء. وعند الأشاعرة: لا تدل عليه وإنما يتوقف فيها لأن قول القائل (افعل) متردد بين الأمر والنهي والإباحة والندب.. فوجب التوقف في ذلك، ولا يصار إلى حمله على أحد هذه المعاني إلا بقرينة. ولذا سموا الواقفة أو الواقفية. وحكى إمام الحرمين أن ذلك منقول عن الأشعري ثم قال: والذي أراه في ذلك قاطعا به: أن أبا الحسن ﵀ لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل: أوجبت والزمت، أو ما شاكل ذلك، وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل: (افعل) من حيث الفاه في وضع اللسان مترددا. ثم رجح إمام الحرمين أن صيغة (افعل) لمحض الطلب. وأسقط النهي والإباحة فقال: لكن الوجوب يستفاد من الوعيد – على المخالفة وعدم الامتثال –ثم أراد أن يوفق بين قوله هذا وقول جمهور الفقهاء والشافعي فقال: وأنا أبني على منتهى الكلام شيئا يقرب ما اخترته من مذهب الشافعي ﵀ فأقول: ثبت في وضع الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبًا. انظر: (البرهان ١/٢١٤،٢١٣، ٢٢٢-٢٢٣) وانظر: المسألة أيضا لدى: (الآمدي: في الإحكام ٢/١٤٥،١٤١) وآل تيمية في المسودة ٤.
[ ٢٩٦ ]
وهذا شيء ينفرد به الأشعري ومن وافقه وهو مؤد إلى فساد كثير. هـ
(٢) ومنها: أن الإيمان والنبوة عرضان يحلان الأجسام في حال الحياة ويزولان عنها بزوال الحياة، فالمؤمن إذا مات يدخل قبره ولا إيمان معه، والنبي ﷺ إذا مات يدفن وليس بنبي١ وعلى هذا الأصل يقتضي أن
_________________
(١) ١ وحكى ذلك أيضا ابن حزم واقتصر على مسألة نفي النبوة، ونقل عن الباجي أن ابن فورك يقول بذلك وأن السلطان محمود بن سبكتكين قتله بالسم لذلك. ثم ذكر ابن حزم أن الذي حمل الأشاعرة على القول بذلك قولهم: أن الروح عرض والعرض يفني أبدا ويحدث ولا يبقى وقتين، فروح النبي ﷺ عندهم قد فنيت وبطلت ولا روح له الآن عند الله تعالى وأما جسده ففي قبره موات فبطلت نبوته بذلك ورسالته. انظر: الفصل ١/٨٨. وأما القشيري الذي أنكر نسبة هذا القول للأشعري وأصحابه، وقال: إن ذلك بهتان عظيم وكذب محض لم ينطق به منهم أحد، ولا سمع في مجلس مناظرة عنهم، ولا وجد ذلك في كتاب لهم. فيرى أن أصل هذه المقالة هو: (أن بعض الكرامية الزم بعض الأشاعرة وقال: إذا كان عندكم الميت في حال موته لا يحس ولا يعلم فيجب أن يكون النبيّ ﷺ في قبره غير مؤمن لأن الإيمان عندكم المعرفة والتصديق والموت ينافي ذلك فإذا لم يكن له علم وتصديق لا يكون له إيمان ومن لا يكون مؤمنا لا يكون نبيا ثم قال – واعلموا رحمكم الله أن ما يلزمه الخصم بدعواه فيقول هذا على أصلكم ومقتضى علتكم يلزمكم فلا يجوز أن ينسب ذلك إلى صاحب المذهب فيقال هذا مذهب فلان) انظر: (رسالة شكاية أهل السنة (ضمن طبقات الشافعية ٢/ ٢٧٩-٢٨٢) . ونفى السبكي أن يكون ابن فورك قال بذلك وقتل لأجله، وذكر أن الكرامية دسوا عليه ذلك لدى السلطان وأن ابن فورك أنكر ذلك أمامه. فأمر بإعزازه وإكرامه وإرجاعه إلى وطنه. فسلط عليه بعض الكرامية من سمه. انظر الطبقات: ٣/٥٤. والحق أني لم أجد في كتب القوم التي اطلعت عليها من قال بذلك ولم أجد من نسب ذلك إليهم غير المصنف وابن حزم. فهذا الباقلاني وهو من أئمتهم ورؤوسهم يقول في: الإنصاف: «ويجب أن يعلم أن نبوات الأنبياء صلوات الله عليهم لا تبطل، ولا تنخرم بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم إلى دار الآخرة، بل حكمهم في الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم، إما بأكل أو شرب أو قضاء وطر ثم قال: وقد غلط من نسب إلى مذهب المحققين من الموحدين إبطال نبوة الأنبياء ﵈ بخروجهم من دار الدنيا. وليس ذلك بصحيح، لأن مذهب المحققين أنه ما استحق شرف الرسالة بتأدية الرسالة وإنما صار رسولا واستحق شرف الرسالة والنبوة بقول مرسله: وهو الله تعالى (أنت رسولي ونبي، وقول الله قديم لا يزول ولا يتغير» الإنصاف ص٦٣-٦٤. والذي أراه: أن في ثبوت نسبة هذا القول للقوم نظرًا إذ لم يقم دليل على ذلك. بل كتب أئمتهم تصرح بعكس ذلك وتفصح بإثبات نبوة الأنبياء بعد موتهم كما أشرت، ولم يقم لدينا دليل قوي ولا ضعيف على نسبة ذلك إليهم، وإنما يدان القوم من كتبهم أو النقل الصحيح الموثق عنهم، فنسبة ذلك إليهم تشنيع لا دليل عليه ولا مبرر له، والذي يظهر أنه إلزام ألزم به بعضهم كما ذكر القشيري وأومأ إليه ابن حزم كما سبق. ولازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح. والله اعلم.
[ ٢٩٧ ]
يزول الإيمان عن الرجل إذا نام وهذا من أشنع الأقاويل. هـ
(٣) ومنها: أن وقوع الكبائر من الأنبياء ﵈ في حال النبوة جائز إلا فيما يختص بالرسالة (فإنه) ١ لا يجوز عليهم الكذب فيها ولا التغيير، ولا الكتمان٢.
_________________
(١) ١ في الأصل: (فإن) وهو تحريف. ٢ نقل ابن حزم أن هذا قول الباقلاني ومن اتبعه من الأشعرية وقال: وأما هذ الباقلاني فإنا رأينا في كتاب صاحبه أبي جعفر السمناني قاضي الموصل أنه كان يقول إن كل ذنب دق أو جل فإنه جائز على الرسل حاشى الكذب في التبليغ فقط، قال وجائز عليهم أن يكفروا، قال: وإذا نهى النبيّ ﷺ عن شيء ثم فعله فليس ذلك دليلا على أن ذلك النهي قد نسخ لأنه قد يفعله عاصيًا لله ﷿ وليس لأصحابه أن ينكروا عليه ذلك (الفصل ٤/٢) ونقل عن ابن فورك أنه: لا يجوز عليهم الكبيرة. وجوز عليهم الصغائر بالعمد. قلت: إن هذا النقل عن الباقلاني ليس فيه أكثر من أن يكون ذلك قولا له، لا يعبر بالضرورة عن مذهب جمهور الأشاعرة، فإن جمهورهم ليسوا على ذلك: يقول البغدادي: أجمع أصحابنا على وجوب كون الأنبياء معصومين بعد النبوة عن الذنوب كلها، وقال: وأما السهو والخطأ فليس من الذنوب فلذلك ساغ عليهم. (أصول الدين ١٦٧-١٦٨) ونقل الإيحبي: إجماع الأمة على عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة، وعلى عصمتهم من الكبائر عمدًا عند الجمهور، أما الصغائر فجائز عمدًا أو سهوا. (المواقف ٣٥٨-٣٥٩) . ونقل شيخ الإسلام: عن الآمدي: أن القول بعصمة الأنبياء من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر الأشعرية. انظر: الفتاوى٤/٣١٩) وذكر إمام الحرمين: أن عصمتهم من الفواحش المؤذنة بالسقوط وقلة الديانة تجب إجماعًا. انظر: (الإرشاد ٣٥٦) . فما ذكره المصنف ليس قول أكثر الأشاعرة، وإنما هو قول لبعضهم وجمهورهم يقول بقول السلف في ذلك. وسيأتي ذكر قول السلف بعد هذا.
[ ٢٩٩ ]
وعند المعتزلة: لا يجوز حصول كبيرة منهم في حال الأداء، ولا قبله١.
وعند أهل السنة: أن وجود الكبائر منهم ﵈ قبل أن يوحى إليهم جائز، فأما بعد الوحي فهم معصومون من ارتكاب الكبائر٢.
_________________
(١) ١ انظر: القاضي عبد الجبار: (شرح الأصول الخمسة ٥٧٣) والمغني: (١٥/٣٠٠-٣٠٤) و(الأشعري: المقالات ١/٢٩٦) . ٢ دون الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. (الفتاوى:٤/٣١٩) . وقال في منهاج السنة: وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها. ١/٣٣١) . ويرى ابن حزم أنهم معصومون أيضا من الصغائر عمدا (الفصل ٤/٢) وقال إن هذا مذهب جميع أهل الإسلام، ولا يخفى ما فيه من تجوز.
[ ٣٠٠ ]
(٤) ومنها: أن عوام المسلمين الذين لا يعرفون الله تعالى بالأدلة العقلية ليسوا بالمؤمنين في الحقيقة وإنما تجرى عليهم أحكام الشريعة١ وهو
_________________
(١) ١ وقد نقل عنهم ابن حزم أيضا مثل ذلك فقال: (ذهب محمد بن جرير الطبري، والأشعرية كلها حاشا السمناني، إلى أنه لا يكون مسلما إلا من استدل وإلا فليس مسلما، وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال والنساء، أو بلغ المحيض من النساء ولم يعرف الله ﷿ بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال فهو كافر حلال الدم والمال. الفصل ٤/ ٣٥. قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبًا على ذلك: هذا القول: هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم، ولهذا قال أبو جعفر السمناني: القول بإيجاب النظر: بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة ثم قال – وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم، بل هم متنازعون في ذلك. فقال الأشعري في بعض كتبه: قال بعض أصحابنا: أول الواجبات الإقرار بالله تعالى وبرسله وكتبه ودين الإسلام. وقال أيضا: لو سأل سائل عمن ورد من الصين ورأى الاختلاف ماذا يلزمه؟ فقال عنه جوابان: أحدهما: أنه يلزمه النظر ليعرف الحق فيتبعه. والثاني: يلزمه إتباع الحق وقبول الإسلام ثم تصحيح المعرفة بالنظر والاستدلال على أقل ما يجزئه. (درء التعارض ٧/٤٠٧) وقد أنكر: القشيري أن يكون الأشعري قال: بتكفير العوام – فقال: وأما ما قالوا: أن الأشعري يقول بتكفير العوام فهو أيضا كذب وزور ثم قال فنحن نحكم لجميع عوام المسلمين بأنهم مؤمنون مسلمون في الظاهر ونحسن الظن بهم ونعتقد أن لهم نظرا واستدلالا في أفعال الله وأنهم يعرفونه سبحانه والله أعلم بما في قلوبهم وقال- فإن قالوا: فالأشعري يقول إن العوام إذا لم يعلموا علم الكلام فهم أصحاب التقليد، فليسوا بمؤمنين قيل هذا تلبيس، ونقول: إن الأشعري: لا يشترط في صحة الإيمان ما قالوا من علم الكلام بل هو وجميع أهل التحصيل من أهل القبلة يقولون يجب على المكلف أن يعرف الصانع المعبود بدلائله التي نصبها على توحيده واستحقاق نعوت الربوبية، وليس المقصود استعمال ألفاظ المتكلمين من الجوهر والعرض. انظر: (شكاية أهل السنة ضمن طبقات الشافعية ٢/٢٨٥-٢٨٦) . وهذه المسألة تعرف بمسألة وجوب الاستدلال على معرفة الله، ووجوب النظر والاستدلال مع أنه قول المعتزلة وكثير من الأشاعرة، فهو أيضا قول كثير من أتباع الأئمة الأربعة: كأبي الفرج المقدسي الحنبلي. انظر: (درء التعارض ٨/٤) و(أبي الفرج البغداي صاحب محجة الساري إلى معرفة الباري (المصدر السابق ص٢٥) وأبي يعلى (المصدر السابق ٧/٤٤٢) و(ابن الزاغوني نفس المصدر ٤٤٣) وغيرهم، مع اختلافهم في كيفية الاستدلال. والواقع أننا إذا نظرنا في النصوص الواردة عن الرسول ﷺ في هذا الباب نجد أنه ﷺ: ما كان يأمر أحدًا بالنظر والاستدلال ابتداء، ليدخل في الإسلام، وما كان يدعوا الناس إلى ذلك عندما يغزوهم ويدعوهم للإسلام، بل كان أول ما يدعوهم إليه: الشهادتان، وبذلك أمر معاذ بن جبل في الحديث الصحيح لما بعثه إلى اليمن فقال له: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات.." م / كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين ١/٥٠حـ٢٩. وبين ﷺ انه يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.. " خـ ١/ ٧٥حـ٢٥، ولم يقل حتى يستدلوا على معرفة الله. فإذا قالوها كف عن قتالهم وقبل إسلامهم، ولم يؤمر بمطالبتهم بالاستدلال على معرفة معبودهم، ومِنْ ثَمَّ أنكر ﷺ على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قتله الرجل بعد تلفظه بالشهادة وقال له ﷺ: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال- أسامة قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " خـ ١٢/ ١٩١ كتاب الديات حـ ٢/٦٨٧. فدل ذلك على أن من تلفظ بكلمة التوحيد دخل في الإسلام، وحرم دمه، وإن لم يستدل. قال شيخ الإسلام: (وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلًا أو مشركا أو كتابيًا بذلك يصير الكافر مسلما ولا يصير مسلما بدون ذلك. وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام – وهو بالغ صحيح يعقل – أنه مسلم ) انظر الإجماع لابن المنذر ١٥٤. ودرء التعارض ٨/٧. قلت: وهذا هو المذهب الحق في هذه المسالة الذي ندين الله به؛ لأنه هو الثابت المأثور عن النبيّ ﷺ وسائر أصحابه الذين فتحوا البلدان بعده وفي عهده، لم يؤثر عنهم انهم كانوا يدعون الناس إلى النظر والاستدلال وإنما كانوا يدعونهم إلى الشهادتين أولًا ويكتفون منهم بها، ويكفون عن قتال من قالها.
[ ٣٠١ ]
من أفضع الأقاويل، وهو قول جهم.
(٥) ومنها: أن كل حديث ورد مخالفًا للعقل لا يمكن الجمع بينه وبين العقلِ فهو زور، وإن رواه من لا يشك في عدالته قبل ذلك، وأن من رواه مع العلم بحاله مثبتًا له، تسقط عدالته، ولا يجوز قبول خبر في باب الاعتقاد، إلا ما وافق قضية العقل فيه١. وهذا يؤدي إلى رد الأخبار
_________________
(١) ١ المعروف عن الأشاعرة أنهم يشترطون لحديث الآحاد إذا صحّ إسناده أن لا يكون متنه مخالفا للعقل. يقول البغدادي: (وأخبار الآحاد متى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها دون العلم) أصول الدين ١٢ وهذا في الأصل قول المعتزلة: فإن من مذهبهم أن أحاديث الآحاد تقبل في الاعتقاد إذا كانت متونها موافقة لعقولهم، يقول القاضي عبد الجبار وإن كان – أي حديث الآحاد – مما طريقه الاعتقاد ينظر فإن كان موافقًا لحجج العقول قبل موجبه لا لمكانه بل للحجة العقلية، وإن لم يكن موافقا لها فإن الواجب ان يرد ويحكم بأن النبيّ ﷺ لم يقله وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف) . انظر: (شرح الأصول الخمسة ص ٧٧٠) .
[ ٣٠٣ ]
الواردة في الصفات وإلى تفسيق أئمة المسلمين١ هـ.
(٦) ومنها: أن الصلاة وسائر قوانين الشريعة لا يعتد بقيام المرء بها إلا بعد معرفته ربه بدليل العقل٢ وأول الفروض عليه النظر في الأدلة ليعرفه، وإذا اشتغل٣ بالفروع قبل إحكام الأصول لم ينتفع به٤.
وشهادة أن لا إله إلا الله إذا لم يعرف قائلها صحة الأدلة شهادة
_________________
(١) ١ أما كونه مؤد إلى رد أخبار الصفات فواضح، لأنهم لا يقبلون الكثير منها بدعوى مخالفته لمقتضى عقولهم، وما قبلوه منها جنحوا فيه إلى التأويل. وأما كونه مؤد إلى تفسيق أئمة المسلمين، فلأن رواة أحاديت الصفات هم أئمة المسلمين من سلف هذه الأمة فإذا ردت أحاديثهم وقيل بإسقاط عدالتهم لأنهم رووا من الأحاديث ما يخالف عقول المعتزلة والأشاعرة، وكان ذلك تفسيقًا لهم. وحاشاهم من ذلك بل هم الأئمة العدول، الذين رووا احاديث الأصول والفروع والأحكام. فالقول بتفسيقهم وإسقاط عدالتهم، هدم للدين وإبطال لسنة سيد المرسلين. ٢ في الأصل: (العقلي) وهو تحريف.. ٣ في الأصل: (استقل) وهو تصحيف. وقد يصح على وجه. ٤ هذه المسألة متفرعة عن المسألة رقم (٤) وهي قضية إيمان العوام، ووجوب الاستدلال والنظر وقد تقدم الكلام عليها هناك.
[ ٣٠٤ ]
عارية عن العلم غيرمنتفع بها. هـ
(٧) ومنها: أن الملحد، والمجوسي، واليهودي، والنصراني ينبغي أن يدعوا إلى المناظرة ويتعلم الكلام لجدالهم و ١ الله سبحانه قد منع من الجلوس مع الخائضين في آياته٢ واتفق أهل الحل والعقد من العلماء على أن الملحد، والمجوسي، وأهل سائر النحل لا يلزمنا جدالهم، وأجمع أكثرهم على أن الجدال منسوخ بالأمر بالقتال، وفي مناظرتهم أكبر فساد (لانتشار) ٣ شبههم بها في الناس، وجواز عدم من يصل إلى حلها في الحال.
(٨) ومنها: أن المخالف من أصحاب الحديث، وأهل الأثر، لا يبلغ عقل كثير منهم معرفة العقليات ولا يفهمونها، فإن كل واحد منهم ينبغي أن يخاطب على قدر عقله. وفي ضمن هذا إخفاء المذهب عن قوم وإظهاره لآخرين، وهذا شبيه بالزندقة.
وبهذا الفعل منهم دخل كثير من العوام والمبتدئين في مذهبهم لأنهم يظهرون له الموافقة في الأول ويكذبون بما ينسب إليهم حتى يصطادوه، فإذا وقع جروه قَليلًا قليلًا حتى ينسلخ من السنة.
وكان أبو بكر بن الباقلاني من أكثرهم استعمالًا لهذه الطريقة وقد
_________________
(١) ١ في الأصل كلمة (وقد) ولا معنى لها هنا، والكلام مستقيم بدونها. ٢ يشير إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ . النساء آية ١٤٠. ٣ في الأصل (لانتشاره) وهو تحريف.
[ ٣٠٥ ]
وشح كتبه بمدح أصحاب الحديث واستدل على الأقاويل بالأحاديث في الظاهر، وأكثر الثناء على أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وأشار في رسائل له إلى أنه كان يعرف الكلام، وأنه لا خلاف بين أحمد والأشعري١ وهذا من رقة الدين، وقلة الحياء.
(٩) ومنها: ما أظهره متأخروهم و ٢ منهم وهو أن القرآن إذا كتب بمداد فيه نجس أو رمي المصحف في الخلاء، أو طرح عليه قذر على سبيل العمد لم يجب فيه كبير نكير٣.
_________________
(١) ١ أما استدلاله بالأحاديث فملاحظ في كتبه غير أنه يؤولها حسب اعتقاده كما فعل في قوله ﷺ: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو " أوله بأن المراد: لا تسافروا بكتابة القرآن، لأنه يعتقد أن ما في المصحف كتابة القرآن وليس هو القرآن. انظر: (الإنصاف ص ١٣٧) . وأما قوله: (إن الإمام أحمد كان يعرف الكلام ) فلم أقف عليه في شيء من كتبه (التي اطلعت عليها) . ٢ في الأصل كلمة لم أتبينها. ٣ لم أجد تخريج هذا القول من كتب القوم التي وقفت عليها، لكن ذكر عنهم ابن تيمية نحوه وعزاه للجهال والغالية منهم، وليس هو قول أهل العلم بالمقالة والإيمان بالشريعة منهم، فإن هؤلاء يعظمون المصحف ويعرفون حرمته، ويوجبون له ما أوجبته الشريعة من الأحكام. ثم بين السبب الذي دعا أولئك إلى إنكار حرمة المصحف فقال: لكن جهالهم وغاليتهم إذا تدبروا حقيقة قول مقتصديهم: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنه ليس إلا معنى واحد قائم بالذات، وأصوات العباد، ومداد المصاحف يدل على ذلك المعنى، وإنه ليس لله في الأرض كلام في الحقيقة، وليس في الأرض إلا ما هو دال على كلام الله وكلام الله إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض، ولا يتكلم الرب بمشيئته وقدرته إلى أمثال ذلك من حقائق قول المقتصدين اسقطوا حرمة المصحف وربما داسوه ووطؤوه وربما كتبوه بالعذرة وغيرها. ذلك لأنهم لم يروا في المصحف أكثر من كونه دليلًا على كلام الله وليس فيه كلام الله حقيقة، فلم يوجبوا له احتراما، كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام فإن الموجودات كلها أدلة عليه ومع ذلك لا يجب احترامها. انظر: مجموع الفتاوى: ١٢/ ٣٨١-٣٨٢، ٨/٤٢٥.
[ ٣٠٦ ]
لأن صفة الله سبحانه ليست في الدنيا، وإنما المصحف بما فيه مخلوق وهومن جملة المثمنات١ والله تعالى يقول: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢ والنبي صلى الله عليه وسلم٣ نهى عن حمله إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو٤.
_________________
(١) ١ الثمن: ما يستحق به الشيء وهو قيمته، وشيء ثمين: أي مرتفع الثمن انظر: لسان العرب ١٣/٨٢. والمقصود هنا: أن المصحف من العروض التي تباع وتشترى بثمن. وليس هو كلام الله عندهم، لأن كلام الله عندهم كلام نفسي فلا يتأتى بيعه وتثمينه. ٢ سورة الواقعة: آية: ٧٩. ٣ ليست في الأصل. ٤ يشير إلى حديث ابن عمر ﵄- في ذلك وقد أخرجه: خ: كتاب الجهاد/ باب كراهية السفر بالمصحف إلى أرض العدو ٦/ ١٣٣، حـ٢٩٩٠، ولفظه "أن النبيّ ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو". م: الإمارة/ باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم ٣/١٤٩٠، ٩٢، ٩٣ وفيه: (مخافة أن يناله العدو) . د: الجهاد / باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ٣/ ٨٢ ح ٢٦١٠. جه: الجهاد/ باب النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ٢/ ٩٦١ حـ٢٨٧٩، ٢٨٨٠. حم: مسند ابن عمر ٢/٦، ١٠، ٥٥، ٦٣. ط: الجهاد / باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ٢/٤٤٦ حـ ٧ وفيه ان قوله (مخافة أن يناله العدو) من كلام الإمام مالك وليس من كلام النبيّ ﷺ. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عبد البر قوله: «وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه – قال ابن حجر- وأشار إلى ابن وهب تفرد برفعها- قال وليس كذلك لما قدمته من رواية ابن ماجه ثم ذكر من رفعها غير ابن وهب وقال فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ولعل مالكا كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه» . انظر فتح الباري ٦/١٣٤.
[ ٣٠٧ ]
والفقهاء مجمعون على أن مس المحدث إياه لا يجوز١.
(١٠) ومنها: ما ارتكبه أهل الوقت منهم٢، خصوصًا من كان منهم من المغاربة، وهو أن كل من (يخالفهم) ٣ نسبوه إلى سب العلماء
_________________
(١) ١ ذكر ابن قدامة أن القول بعدم جواز مسّ المحدث المصحف، مروي عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاووس، والشعبي والقاسم بن محمد - قال –وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي – ثم قال – لا نعلم لهم مخالفا إلا داود. وهؤلاء هم فقها الأمة.. انظر (المغني ١/١٤٧) . ٢ لم أتوصل إلى معرفة المقصود منهم. ٣ في الأصل: (مخالفهم) .
[ ٣٠٨ ]
لينفروا١ قلوب العوام عنه وقرفوه٢ بأقاويل لا يقول بها ولا يعتقدها بهتا منهم وكذبا؛ لأن البهتان والكذب لا قبح لهما في العقل وإنما علم قبحهما بالسمع.
والقائلون بخلاف قولهم ضلال عندهم ولا حرمة لهم.
وفي المذهب أشياء كثيرة في نهاية الشناعة لم أرد ذكرها في الحال خوفًا من الإطالة؛ لأن هذه الرسالة إنما اشتملت على نكت وإشارت، ولعلنا في غيرها نشرح بعض ما أشرنا إليه من فضائح مذهبهم إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ في الأصل (لينفر) . ٢ يقال قرفه بكذا: إذا أضافه إليه واتهمه به. انظر لسان العرب (٩/٢٨٠) .
[ ٣٠٩ ]