اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة١ فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى٢ التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في "أن"٣ سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل.
فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول صلى الله عليه وسلم٤ "أو"٥ عن أصحابه ﵃ فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ / لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء٦ آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج
_________________
(١) ١ انظر: لسان العرب ١٣/٢٢٦. ٢ في الأصل: "إلي" وهو تصحيف من النساخ. ٣ ما بين القوسين ليس من الأصل، زدته لاقتضاء السياق. ٤ قال شيخ الإسلام في إطلاق لفظ أهل السنة: " شاد به من خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنّة المحضة، فلا يدخل فيه إلاّ من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل السنة". انظر: منهاج السنة ٢/١٦٣. ٥ " أو " ليست في الأصل والسياق يقتضي إثباتها. ٦ في الأصل رسم الكلمة هكذا: " باقدا " وأعلاها إشارة صحّ، ويجوز أن تكون "باقتفاء " حرفت. والمعنى: لزوم سننهم وطريقهم وفي "اللسان": تقدّت به دابته: لزمت سنن الطريق. انظر: لسان العرب ١٥/١٧٢.
[ ١٤٣ ]
فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٢ وقال رسول الله ﷺ: " عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة " ٣ وقال عبد الله بن عمر (﵄):
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٣١. ٢ سرورة الأحزاب آية: ٢١. ٣ الحديث جزء من حديث العرباض بن سارية في سياق موعظة الرسول ﷺ أخرجه. د: في كتاب السنّة/ باب لزوم السنة ٥/ ١٣ ح: ٤٦١٧ عن العرباض بن سارية بسند رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن عمرو السلمي، فقد قال فيه ابن حجر في التقريب مقبول، ١/٤٩٣، وقد توبع من قبل يحيى بن أبي المطاع عند ابن ماجة وابن أبي بلال عند أحمد ٤/١٢٦، وفيه الوليد بن مسلم قال فيه ابن حجر في التقريب: "ثقة كثير التدليس والتسوية ٢/٢٣٦ " وقد صرح بالتحديث عن ثور ابن يزيد هنا. (في رواية أبي داود) . ت: كتاب العلم/ باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٥/٤٤ من حديث العرباض أيضًا ح: ٢٦٧٦ وقال: " حديث حسن صحيح " على أن في سنده بقية ابن الوليد قال عنه ابن حجر: " كثير التدليس عن الضعفاء " ١/١٠٥، وقد عنعن هنا غير أنه صرّح بالتحديث عن بحير في رواية أحمد في المسند ٤/١٢٦. جه: المقدّمة/ باب اتباع سنّة الخلفاء الراشدين ١/١٥،من حديث العرباض ح: ٤٢دي: المقدّمة/ باب اتباع السنّة ١/٤٤. حم: ٤/١٢٦ من عدّة طرق عن العرباض، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنّة ١/١٨-١٩-٢٩، وقال الألباني: " إسناده صحيح ورجاله ثقات ".
[ ١٤٤ ]
"من خالف السنّة كفر ":١ ٢.
_________________
(١) ١ ذكره الهيثمي عن مورق قال: "سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنّة كفر، وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح " أ. هـ. مجمع الزوائد ٢/١٥٤-١٥٥، ولم أجده في المطبوع من المعجم. وأخرجه ابن عبد البرّ بسنده في جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٣٨ عن صفوان بن محرز القاري المأزري، وقال عقبه: " وقد بينا معنى قوله في هذا الحديث كفر في كتاب التمهيد فأغنى عن إعادته هنا ". قال في بيان ذلك في التمهيد: " الكفر ههنا: كفر النعمة وليس بكفر ينقل عن الملّة، كأنه قال: كفر لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبيّ ﷺ ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصه كما في امتثال عزيمته ﷺ " ١١/١٧٥-١٧٦، وذكره ابن بطة بدون إسناد. انظر: كتاب الشرح والإبانة على أصول السنّة والديانة ص: ١٢٣، وقال محقّقه: رواه عبد بن حميد في مسنده بتمامه (ق ١٠٩/٢) . وله شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم موقوفًا عليه وفيه: " ولو تركتم سنّة نبيّكم لكفرتم ". انظر: ١/٤٥٣/ كتاب المساجد باب صلاة الجماعة من سنن الهدى ح: ٦٥٤، وأخرجه أبو داود ١/٣٧٣، كتاب الصلاة: باب في التشديد في ترك الجماعة. ٢قال الخطابي في معنى كفرتم في حديث ابن مسعود: "أي يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئًا منها حتى تخرجوا من الملة" انظر: معالم السنن ١/٢٩١. والمراد هنا أن مخالفة السنة: مؤدية إلى الكفر لا سيما إذا كانت المخالفة من باب الإنكار والجحود والمعاندة لله ورسوله. أما إذا كان المخالف متأولًا، ظانا أن الحق معه فلا يعتبر كافرا وإن كان مخالفا لها. والله تعالى أعلم. وسيأتي مزيد بحث لمسألة الكفر والتكفير في الفصل الرابع.
[ ١٤٥ ]
وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مدع١ للسنّة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلِم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زأئغ وأنه لا يستحق أن يصغا٢ إليه أو (يناظر) ٣ في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم٤ لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي/ وقال الجبائي٥ فأقل ما يلزم المرء في بابهم أن يعرض ما قالوه على ما جاء عن النبي ﷺ، فإن وجده موافقًا له
_________________
(١) ١ في الأصل: " مدعى ". ٢ صغا: بالمقصورة والممدودة: مال، وأصغى إليه رأسه وسمعه: أماله، وأصغيت إلى فلان ملت بسمعك نحوه. انظر: لسان العرب ١٤/٤٦١. ٣ هكذا بالأصل: ويحتمل أنها محرفة عن (ينظر) وهو متجه. ٤ التمحين: الابتلاء والاختبار وقد تقدّم. انظر: لسان العرب ١٣/٤٠١. ٥ بضمّ الجيم وتشديد الباء الموحّدة نسبة إلى (جبى) قرية من قرى البصرة. وهو محمّد بن عبد الوهّاب الجبائي، أبو عليّ من معتزلة البصرة، وكان رأسًا في علم الكلام. وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري علم الكلام. ولد سنة: ٢٣٥هـ وتوفي سنة: ٣٠٣هـ. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٤/٦٠٧، والمنتظم ٦/١٣٧، وطبقات المعتزلة ص: ٨٠، وشذرات الذهب ٢/٢٤١، واللباب ١/٢٥٥.
[ ١٤٦ ]
ومستخرجًا منه قبله، وإن وجده مخالفًا له رمى به١.
ولا خلاف أيضًا في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ، لا يسمى محدثًا بل يسمى سنّيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولا وزعم أنه مقتضى عقله، وأنّ الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علمًا وعقله موجب للعلم، يستحقّ أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا / بتأمل هذا الفصل في أوّل وهله (ويعلم) ٢ أن أهل السنّة نحن دونهم وأنّ المبتدعة خصومنا دوننا. وبالله التوفيق هـ.
_________________
(١) ١ في الأصل: (رمي) وهو تصحيف من النساخ. ٢ في الأصل: (ويعلم) بالضم، وهو خطأ، والصواب الفتح، لأنّه معطوف على منصوب.
[ ١٤٧ ]