اعلموا رحمنا وإياكم الله سبحانه، أن هذا الفصل من أولى هذه الفصول بالضبط لعموم البلاء، وما يدخل على الناس بإهماله، وذلك أن أحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عز، ومن يبيع دينه بعرض يسير، أو تحببا إلى من يراه قد كثر (والكذب على المذاهب قد انتشر فالواجب) ١ على كل مسلم يحب الخلاص (أن) ٢ لا يركن إلى كل أحد ولا يعتمد على كل كتاب، ولا يسلم عنانه إلى من أظهر له الموافقة.
فلقد وقفت على رسالة عملها رجل/ (٥٢/ب) من أهل أصبهان يعرف بابن اللبان٣ وهو حي بعد فيما بلغني، وسماها «بشرح مقالة الإمام الأوحد أبي
_________________
(١) ١ هذه العبارة في الأصل فيها اضطراب ونصها هكذا: (الكذب على المذاهب وقد فالواجب) والتصويب مستوحى من عنوان الفصل الوارد في مقدمة المؤلف، وقد أثبته في أول الفصل. (أن) ليست في الأصل والسياق يقتضيها. ٣ وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، أبو محمد الوائلي البكري الأصبهاني المعروف بابن اللبان – نسبة إلى بيع اللبن. (اللباب ٣/ ١٢٦-١٢٧) قال الخطيب: كان أحد أوعية العلم ومن أهل الدين والفضل، أخذ عن أبي بكر الباقلاني علم أصول الديانات وأصول الفقه، ودرس فقه الشافعي على ابي حامد الاسفرائيني وكان متدينًا حافظًا للقرآن حسن الصوت به، ومات بأصبهان سنة ست وأربعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: (تبيين كذب المفتري ٢٦١) و(طبقات الشافعية السبكي ٣/ ٢٠٧) و(التذكرة ٣/ ١١٢٤) و(اللباب ٣/ ١٢٧) وشذرات الذهب ٣/ ٢٧٤) و(الأعلام ٤/ ٢٦٦) .
[ ٣٥٧ ]
عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل» ١ وذكر فيها مذهب الأشعري المخالف لأحمد (أعطى) ٢ منها نسخا إلى جماعة يطوفون بها في البلاد، ويقولون هذا إمام من أئمة (أصحاب) ٣ أحمد رحمة الله عليه، قد شرح مقالته ليكتبها العوام ويظنوا صدق الناقل فيقعوا في الضلالة. وأُخرج هذا الرجل من بغداد بهذا السبب٤ وعاد إلى أصبهان، وهو من أصحاب أبي بكر بن الباقلاني٥.
وههنا بمكة معنا من٦ شغله برواية الحديث أكثر وقته
_________________
(١) ١ لم أجد من نسبها إليه ممن ترجم له، وذكر ابن عساكر عن الخطيب أن له كتبًا كثيرة. انظر: (التبيين ٢٦١) . ٢ في الأصل: (اعطا) . ٣ في الأصل: بالحاشية. ٤ لم أجد من ذكر ذلك ممن ترجم له، وذكر ابن عساكر عن الخطيب أنه أدرك شهر رمضان من سنة ٤٢٧ ببغداد، فصلى بالناس التراويح في جميع الشهر، ثم ذكر وفاته بأصبهان. انظر: (تبيين كذب المفتري ٢٦١) . ٥ أخذ عنه علم الكلام وأصول الفقه. كما هو في ترجمته. ٦ لعله يشير إلى أبي ذر عبد بن أحمد الهروي (٣٥٥ – ٤٣٤ هـ) الذي جاور بمكة واشتغل بعلم الحديث، وخرج على الصحيحين، وله مستدرك عليهما، وكان حافظًا كثير الشيوخ، لكنه التقى في بغداد بأبي بكر بن الباقلاني وتردد عليه، وأخذ عنه طريقته في الكلام، وأدخلها إلى الحرم وعنه أخذها أهل المغرب، روى أبو إسماعيل الهروي عن أبي أسامة المكي: أن أبا ذر أول من حمل الكلام إلى الحرم وأول من بثه في المغاربة. انظر: (درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٧١) . وكان قد وقع بين أبي ذر وأبي نصر السجزي – المصنف – خلاف معروف في مسألة اللفظ فكان أبو ذر ينصر القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأبو نصر ينصر القول بأن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، وصنف كتابه المشهور بالإبانة في ذلك، وإن كان الحق في مسألة اللفظ عدم إطلاق الأمرين والاكتفاء بالقول بأن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وكان الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، كما تقدم لنا ذكر ذلك. راجع (درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٦٨ – ٢٧١) . وانظر: ترجمة أبي ذر ومسألة اعتناقه مذهب الباقلاني في: (تبيين كذب المفتري ٢٥٥) و(المدارك ٢/ ٦٩٦) و(تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٠٣) لكن قول المصنف هنا (يصيح أنه ليس بأشعري) يجعلنا لا نجزم بأن المراد هو أبو ذر الهروي؛ لأن أبا ذر لم ينكر أنه أشعري، بل صرح بانتمائه لمذهب الأشعري وذكر قصة اعتناقه له. انظر: (تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٠٤ – ١١٠٥) وكذا في تبيين كذب المفتري في ترجمته.
[ ٣٥٨ ]
و(يصيح) ١ أنه ليس بأشعري، ثم يقول: (رأيت منهم أفاضل ومن التراب تحت رجله أفضل من خلق، وإذا قدم البلد رجل منهم قصده قاضيا لحقه، وإذا دخله رجل من أصحابنا جانبه وحذر منه. وكلما ذكر بين يديه شيخ من شيوخ الحنابلة وقع فيه، وقال: أحمد نبيل لكنه بلي بمن يكذب) ٢.
_________________
(١) ١ في الأصل (يصبح) وهو تصحيف. ٢ هذه النصوص لم أهتد إلى تخريجها لا عن أبي ذر ولا عن غيره من الأشاعرة فيما وقفت عليه، سوى الجملة الأخيرة وهي قوله: (أحمد نبيل ولكنه بلي بمن يكذب) فقد رأيت في تبيين كذب المفتري كلامًا بمعناها يرويه أبو ذر الهروي عن ابن شاهين، حيث يقول أبو ذر: (سمعت ابن شاهين يقول: رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء جعفر بن محمد وأحمد بن حنبل) . انظر: تبيين كذب المفتري ١٦٤) . وابن شاهين هذا هو: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (٢٩٧ – ٣٨٥ هـ) انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٨٧) .
[ ٣٥٩ ]
وهذا مكر منه لا يحيق إلا به.
ولو جاز أن يقال: إن أصحاب أحمد كذبوا عليه قي الظاهر من مذهبه، والمنصوص له، لساغ أن يقال إن أصحاب مالك والشافعي وغيرهما كذبوا عليهم فيما نقلوه عنهم، وهذا لا / (٥٣/أ) يقوله إلا جاهل رقيق الدين قليل الحياء.
ومن الناس من يظهر الرد على الأشعرية ويقول: ما أتكلم في الحرف والصوت. ومن كان هكذا، لم يخل أمره من أحد وجهين: إما أن يكون غير خبير بمذهب أهل الأثر، وهو يريد التظاهر به تكسبًا أو تحببًا.
وإما أن يكون من القوم١ فيتظاهر بمخالفتهم، ليدلس قولهم فيما يقولونه، فيقبل منه، أو يحسن قبيحهم فيتابع عليه ظنًا أنه مخالف لهم، وكثيرًا ما يتم على أهل السنة مثل هذا.
فمن رام النجاة من هؤلاء، والسلامة من الأهواء فليكن ميزانه الكتاب، والأثر في كل ما يسمع ويرى فإن كان عالمًا بهما عرضه عليهما واتباعه للسلف٢.
_________________
(١) ١ أي من الكلابية أو الأشعرية. ٢ قوله (واتباعه للسلف، معطوف على الكتاب والأثر) وتقدير الكلام: «فليكن ميزانه الكتاب والأثر واتباعه للسلف» . والله أعلم.
[ ٣٦٠ ]
ولا يقبل من أحد قولًا إلا وطالبه على صحته بآية محكمة، أو سنة ثابتة، أو قول صحابي من طريق صحيح.
وليكثر النظر في كتب السنن لمن تقدم مثل: أبي داود السجستاني١، وعبد الله بن أحمد بن حنبل٢، وأبي بكر الأثرم٣، وحرب بن إسماعيل السيرجاني٤، وخشيش بن أصرم
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ١٨٣ وكتابه (السنن) مطبوع مشهور، وهو أحد الكتب الستة ويتضمن (كتاب السنة) وكله فيما يتعلق بالاعتقاد. ٢ تقدمت ترجمته ص ٢٥٤. وله كتاب (السنة) مطبوع متداول. ٣ وهو الحافظ الكبير: أبو بكر أحمد بن محمد بن هانيء الإسكافي الطائي الأثرم صاحب الإمام أحمد وأحد تلامذته الكبار، قال الخلال: كان جليل القدر حافظًا، وله كتاب (السنن)، و(العلل) وذكر سزكين له (مسائل أحمد) وقال: منها مقتبسات عند ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٦٦ – ٧٤) انظر: تاريخ التراث ٢/ ٣٠٩ ولعلها (السنن) وكانت وفاته بعد الستين ومائتين. ورجح ابن حجر أن وفاته تأخرت إلى سنة ٢٧٣ نقل ذلك عن ابن قانع. انظر: التهذيب ١/ ٧٩. وانظر: ترجمته أيضًا في: (الفهرست ٣٢٠ وقال: (له كتاب السنن في الفقه على مذهب أحمد وشواهده من الحديث) وطبقات الحنابلة ١/ ٦٦ – ٧٤، والتذكرة ٢/ ٥٧٠، والعبر ٢/ ٢٢، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٦٢٣، وطبقات الحفاظ ٢٥٦، والمنهج الأحمد ١/ ٢١٨، وشذرات الذهب ٢/ ١٤١. ٤ وهو: حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وكان فقيهًا حافظًا من أصحاب الإمام أحمد، روى عنه مسائل. قال الذهبي: «مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة وهو كبير في مجلدين» قال سزكين: ومنه مقتبسات عند ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥ – ١٤٦) و(تاريخ التراث ٢/ ٢٠٥) . وكانت وفاته سنة مائتين وثمانين وقد قارب التسعين. والسيرجاني «بكسر السين وسكون الياء والراء وفتح الجيم» نسبة إلى سيرجان مدينة من بلاد كرمان مما يلي بلاد فارس. (اللباب ٢/ ١٦٥) . وانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥ – ١٤٦) و(تذكرة الحفاظ ٢/ ٦١٣) و(سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٤٥) و(المنهج الأحمد ١/ ٣٩٤) و(شذرات الذهب ٢/ ١٧٦) .
[ ٣٦١ ]
النسائي١، وعروة بن مروان الرقي٢، وعثمان بن سعيد الدارمي السجستاني٣.
_________________
(١) ١ وهو خشيش (بالتصغير) بن أصرم بن الأسود أبو عاصم النسائي، وكان حافظًا حجة صاحب سنة واتباع مات بمصر سنة ٢٥٣، وله كتاب (الاستقامة في السنة والرد على أهل الأهواء)، ولا يوجد منه إلا نص نقله الملطي في كتابه (التنبيه ص ٧٧) كما ذكر سزكين. وانظر الرسالة المستطرفة ٣٠، وانظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢/٥٥١، سير أعلام النبلاء ١٢/٢٥٠، تهذيب التهذيب ٣/١٤٢، شذرات الذهب ٢/١٢٩، معجم المؤلفين ٤/٩٩، الأعلام ٢/٣٥٣، تاريخ التراث: سزكين ٢/ ٣٦٩. ٢ لعله: عروة بن مروان العرقي، وعرقة – قرية من عمل طرابلس الشام، أبو عبد الله، كان عابدًا متقشفًا، لكنه ليس بالقوي في الحديث، قال الذهبي: «ويقال له أيضًا الرقي لسكناه الرقة مدة ومنهم من فصلهما وجعلهما اثنين بل هما واحد» ولم يذكر تاريخ وفاته. لكن ذكر أنه روى عن ابن المبارك وعبيد الله بن عمرو وطبقتهما. انظر: ميزان الاعتدال ٣/٦٤، ولسان الميزان ٤/١٦٤. ٣ وهو الإمام الحجة: أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، وكان جذعًا وقذى في أعين المعتزلة قيمًا بالسنة ثقة ثبتًا، ولد قبل المائتين بيسير، توفي سنة ثمانين ومائتين. وله تصانيف. منها: كتاب «الرد على الجهمية» وكتاب «الرد على بشر المريسي» وهما مطبوعان. وانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة ١/٢٢١، تذكرة الحفاظ ٢/٦٢١، العبر ٢/٦٤، سير أعلام النبلاء ١٣/٣١٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٥٣، البداية والنهاية ١١/٦٩، طبقات الحفاظ ص٢٧٤، شذرات الذهب ٢/١٧٦، تاريخ التراث ١/٣٧٠.
[ ٣٦٢ ]
وليحذر تصانيف من تغير١ حالهم فإن فيها العقارب وربما تعذر٢ الترياقي٣.
ولقد قال بعض السلف: (سمعت مبتدعًا) ٤ في ٥ قولًا اجتهد في إخراجه من قلبي/ (٥٣/ب) وسمعي، ولا يتم لي ذلك) ٦.
_________________
(١) ١ في الأصل (تخير) . ٢ صعب وتعسر. (اللسان ٤/ ٥٤٩) . ٣ الترياق: «بكسر التاء» هو: (دواء السموم، يقال: ترياق ودرياق، وهو فارسي معرب. انظر: (لسان العرب ١٠/ ٣٢) . ٤ في الأصل (مبتدع) وهو خطأ. ٥ في الأصل كلمة لم أتبينها. ٦ هذا الأثر يبدو أنه وقع فيه سقط، ولم أجد تخريجه بهذا اللفظ. لكن ورد بنحوه عن محمد بن سيرين أخرجه الخلال في مسائله عن أحمد ولفظه: أن رجلا دخل على محمد بن سيرين في بيته فذكر له شيئا من القدر فقال محمد: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عنى الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون» . قال: وأخذ بأصبعيه في أذنيه فقال لتخرجن من عندي أو لأخرجن عنك فخرج الرجل فقالوا يا أبا بكر لو سمعت من الرجل، فقال محمد إن قلبي ليس بيدي وإني خفت أن ينفث في قلبي شيئًا لا أستطيع أن أخرجه من قلبي، فكان أحب إلي أن لا أسمع كلامه» . (مسائل أحمد برواية الخلال ١٧٨ – آ) مخطوط، وانظر المطبوع: ٧/٩ برقم ١٩٦٧. وأخرج نحوه: اللالكائي (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٣٣ ح ٢٤٢) وليس فيه الآية، وفيه أن الداخل رجلان. وكذا (ابن بطة في الإبانة ١/ ٤٠ – ب) وابن وضاح: (البدع والنهي عنها ٥٣) .
[ ٣٦٣ ]
وكان (ابن) ١ طاووس٢ يسد أذنه إذا سمع مبتدعًا يتكلم ويقول: القلب ضعيف٣.
وليكن من قصد من تكلم في السنة اتباعها وقبولها لا مغالبة الخصوم، فإنه يعان بذلك عليهم، وإذا أراد المغالبة ربما غلب.
_________________
(١) (ابن) ليست في الأصل، والتصويب من مراجع التخريج؛ لأن الأثر إنما رووه عن ابن طاووس. ٢ وهو: عبد الله بن طاووس بن كيسان اليماني، يروي عن أبيه وعطاء، وكان ثقة مأمونًا، وكانت وفاته سنة ١٣٢، وقيل: ١٣١ هـ. انظر ترجمته في: المعرفة والتاريخ ١/ ٧٠٩، وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٠٣، والتهذيب ٥/ ٢٦٧. ٣ أخرجه عبد الرزاق عن معمر – بلفظ أتم منه – قال: «كنت عند ابن طاووس وعنده ابن له، إذ أتاه رجل يقال له صالح يتكلم في القدر فتكلم بشيء فتنبه فأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه وقال لابنه أدخل أصابعك في أذنيك واشدد فلا تسمع من قوله شيئًا فإن القلب ضعيف» المصنف ١١/ ١٢٥ ح ٢٠٠٩٩. وأخرجه: اللالكائي من طريق عبد الرزاق. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٣٥) . وأخرجه: ابن بطة في الإبانة (١/ ٤٠ – ب) . وذكره عبد الله بن أحمد في (السنة ١٨) وبلفظ أخصر منه.
[ ٣٦٤ ]
وقال الحسن١: (المؤمن ينشر حكمة الله فإن قبلت منه حمد الله، وإن ردت عليه حمد الله) ٢ وموضع الحمد في الرد أنه قد وفق لأداء ما عليه.
وقال الهيثم بن جميل٣: قلت لمالك بن أنس يا أبا عبد الله الرجل يكون عالمًا بالسنة يجادل عليها؟ قال: لا. يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا أمسك) ٤ هـ.
[وقال العباس بن غالب الهمداني الوراق٥ قلت لأحمد بن حنبل
_________________
(١) ١ هو البصري تقدم. ٢ ذكره الآجري بدون إسناد. انظر: (الشريعة ٧١) بلفظ أتم من هذا وفيه: (قال الحسن: المؤمن لا يداري ولا يماري ينشر حكمة الله ﷿ فإن قبلت حمد الله ﷿ وإن ردت حمد الله ﷿ وعلا) . ٣ هو: الهيثم بن جميل أبو سهل البغدادي ثم الأنطاكي، كان ثقة صاحب سنة من أصحاب الحديث. مات سنة ٢١٣. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/ ٤٩٠، ترتيب المدارك ١/ ٢٧٦، ذكره في الرواة عن مالك، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٦٣، ميزان الاعتدال ٤/٣٢٠، سير أعلام النبلاء ١٠/٣٩٦، تهذيب التهذيب ١١/٩٠. ٤ ذكره ابن عبد البر بدون إسناد ولفظه مقارب. انظر: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٥) وذكره أيضًا القاضي عياض في (ترتيب المدارك ١/ ١٧٠) . ٥ هو: العباس بن غالب الوراق، وكان شيخًا ثقة لا بأس به، وثقه أبو زرعة وأبو داود، مات ببغداد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. ترجمته في: تاريخ بغداد ١٢/ ١٣٦، وانظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٦، والمنهج الأحمد ١/ ٤٣٣.
[ ٣٦٥ ]
﵀: يا أبا عبد الله / (٥٤/أ): أكون في المجلس ليس فيه من يعرف السنة غيري فيتكلم مبتدع فيه أرد عليه؟ فقال: لا تنصب نفسك لهذا، قال: أخبر بالسنة ولا تخاصم. فأعدت عليه القول، فقال: ما أراك إلا مخاصمًا] ١.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أراد الله بقوم شرًا ألقى بينهم الجدل وخزن العمل" ٢.
وقيل للحسن بن أبي الحسن البصري: نجادلك؟ فقال: لست في
_________________
(١) ١ ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٣٦) والعليمي في (المنهج الأحمد ١/ ٤٣٣. ٢ هو بهذا اللفظ إنما يروى من كلام الأوزاعي وليس بمرفوع. أخرجه عنه: اللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٤٥) . وابن عبد البر: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٤) . والهروي: (ذم الكلام وأهله) انظر: (صون المنطق للسيوطي ٥٨) . وقد ورد مرفوعًا بمعناه من حديث أبي أمامة ﵁ بلفظ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الزخرف ٥٨. أخرجه: ت: كتاب التفسير / باب من سورة الزخرف ٥/ ٣٧٨ حـ ٣٢٥٣ وقال: هذا حديث حسن صحيح. حم: ٥/ ٢٥٦. جه: المقدمة باب اجتناب البدع والجدل ١/ ١٩ حـ ٤٨. وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٤٧ وقال الألباني إسناده حسن وقد صححه جماعة.
[ ٣٦٦ ]
شك من ديني) ١.
وقال مالك بن أنس: (أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله) ٢ ٣.
وقال حسان بن عطية٤ لغيلان٥: إنك وإن أعطيت لسانًا / (٥٤/ب) فإنا
_________________
(١) ١ أخرجه الآجري في (الشريعة ٥٧) . واللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٢٨) باختلاف في اللفظ وأبو المظفر السمعاني: (الانتصار لأهل الحديث) عن السيوطي: صون المنطق ١٥٣) وروى نحوه عن الإمام مالك. انظر: (العلو للعلي الغفار ١٠٤) . ٢ أخرجه: الخطيب البغدادي (شرف أصحاب الحديث ص٥) بلفظ مقارب. واللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٤٤ حـ ٢٩٤، ٢٩٣ من طريق الطباع عن مالك. والهروي (ذم الكلام وأهله ٥/ ٩٤/ ١) وقال الألباني: وسنده صحيح (مختصر العلو ١٤٠) وذكر نحوه ابن عبد البر بدون إسناد: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٧)، وأخرجه البيهقي في المدخل: ١/٢١٧ برقم ٢٣٨. ٣ الكلام من قوله: وقال العباس بن غالب إلى هنا يوجد بنصه تقريبًا ونفس الترتيب، في (طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى ١/ ٢٣٦) وأحسب أنه اقتبسه عن المؤلف. والله أعلم. ٤ هو المحاربي من ثقات التابعين ومشاهيرهم. تقدم. ٥ هو غيلان بن مسلم أبو مروان الدمشقي، القدري، ثاني من تكلم في القدر بعد موت معبد الجهني كما قال الأوزاعي، صلبه هشام بن عبد الملك بباب دمشق. انظر: المعارف: ص ٤٨٤، والميزان ٣/ ٣٣٨. وانظر: الملل والنحل ١/ ٢٨ والفرق بين الفرق ١٩، واللباب ٢/ ٣٩٨، وطبقات ابن سعد ٧/ ٤٧٨، والأعلام ٥/ ٣٢٠ وجعل وفاته بعد ١٠٥ قال: لأن خلافة هشام الذي يقال إنه صلبه كانت في هذه السنة.
[ ٣٦٧ ]
نعلم أنا على حق وأنك على الباطل١.
وقال النبي (ﷺ) ٢ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والمحدثات فإن كل محدثة (بدعة) " ٣ ٤. وقال الأوزاعي٥: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول) ٦.
فليحذر كل مسلم مسئول ومناظر من الدخول فيما ينكره على غيره وليجتهد في اتباع السنة، واجتناب المحدثات، كما أمر٧، وليعلم أن
_________________
(١) ١ روى نحوه أبو نعيم بسنده إلى الأوزاعي من طريقين عن حسان مع اختلاف في اللفظ أحدهما قريب من رواية المصنف وفيه (قال حسان بن عطية لغيلان القدري: أما والله لئن أعطيت لسانًا لم نعطه، إنا لنعرف باطل ما تأتي به) الحلية ٦/ ٧٢. ٢ في الأصل: توجد كلمة (صلى) غير واضحة وباقي الجملة ليس في الأصل. ٣ ساقط من الأصل. ٤ وهو بعض من حديث العرباض بن سارية، وقد تقدم ض ١٤٤. ٥ عبد الرحمن بن عمرو تقدم ص ١٨٧. ٦ أخرجه الآجري: (الشريعة ١٠٢) وفيه: (وإن زخرفوها لك بالقول) وقال الألباني: سنده صحيح. انظر: (مختصر العلو ١٣٨) . وابن عبد البر: (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٧٧) من طريق الآجري. والهروي في ذم الكلام وأهله عن (صون المنطق ص٣٩) والخطيب البغدادي: (شرف أصحاب الحديث ص ٧) وفيه: (وإن زخرفوه بالقول فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم) . وأخرجه البيهقي في المدخل ١/٢١٣ رقم ٢٣٣. ٧ النص من قوله: وقال النبي ﷺ: عليكم بسنتي.. إلى هنا، ذكره بنص مقارب وبنفس الترتيب: ابن أبي يعلى في: (طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٦) ولعله اقتبسه عن المؤلف.
[ ٣٦٨ ]
الله سبحانه لو أراد أن يَكِل الأمر إلى الناس ويأمرهم بالاجتهاد فيه برأيهم لفعل لكنه أبى ذلك، وأمرهم ونهاههم، ثم الزمهم الاجتهاد في القيام بما أمروا به، واجتناب ما نهوا عنه.
وأنا أرجو أن من تأمل هذه الرسالة حق التأمل وجد فيها بتوفيق الله سبحانه شفاء غليله. وأسأل الله تعالى أن يجعل قيامي بها لوجهه خالصًا، وأن ينفع بها من نظر فيها. إنه ولي ذلك والقادر عليه. هـ
تمت الرسالة والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هـ١.
_________________
(١) ١ في الأصل توجد كلمة لم أتبينها.
[ ٣٦٩ ]