وأما مخالفتهم لمقتضى العقل، ونص الكتاب، قولهم: إنّ الله سبحانه أفهم موسى- عليه السلام١- كلامه بلطيفة أدرك بها موسى أنه كلامه بلا واسطة٢ والكلام قديم غير مخلوق. وقال أبو بكر بن الباقلاني٣: إنّ الله متكلم في الأزل، ولا يجوز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل٤.
_________________
(١) ١ جملة "﵇" ليست في الأصل. ٢ أوضح المؤلف في كتاب الإبانة أنّ ذلك حقيقة مذهبهم وإن كانوا يتحاشون التصريح به؛ لئلا يشنع عليهم. انظر "النص الذي اقتبسه ابن تيمية عن "الإبانة" في كتابه "درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٩٠- ا ٩". ٣ هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلاني، البصري المتكلم المشهور، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة في عصره، ولد بالبصرة وسكن بغداد وتوفي بها سنة ٤٠٣ هـ. والباقلاني: "بفتح الباء وكسر القاف بعدها لام وألف ونون": نسبة إلى الباقلى وبيعه: انظر "وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٢٦٩" وتبيين كذب المفترى ص ٢١٧، واللباب لابن الأثير ١/ ١١٢، والأعلام ٧/ ٤٦. ويقال ابن الباقلاني كما ذكر المؤلف وابن عساكر في التبيين، ويقال الباقلاني كما في وفيات الأعيان وغيره. ٤ انظر الإنصاف ص ١١٠ لكن ليس فيه الجملة الأخيرة.
[ ١٦٣ ]
وفي هذا الفصل تناقض؛ لأنّ الإِفهام من صفات الفعل، وأفعال الله تعالى محدثة ١ في غيره، فالكلام على هذا الأصل مخلوق محدث، وإذا لم يجز أن يقال: إنه مكلِّم في الأزل كان التكليم فعلًا لا غير، فيكون الكلام مخلوقًا.
وأحد٢ ما استدل به العلماء على نفي الخلق عن كلام الله سبحانه قوله عزوجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٣ فقالوا: أتى بالمصدر ليعلم
_________________
(١) ١ أي عند الكلابية والأشعرية، يريد المؤلف ﵀ إلزامهم بأن قولهم: "إن الله أفهم موسى ﵇ كلامه بلطيفة.." مؤد إلى القول بخلق القرآن، لأن من مذهبهم وقولهم أن أفعال الله الاختيارية مخلوقة في غيره، والإفهام فعل اختياري، فيكون القرآن مخلوقا بناء على قولهم هذا، أما عند السلف، فأفعال الله تعالى ليست محدثة وإنما هي صفات له ﷿ قائمة به حاصلة بمشيئته وقدرته، كالخلق والرزق والمعافاة، ونحو ذلك، والذي عليه السلف أن الخلق غير المخلوق فالخلق فعل الخالق، والمخلوق مفعوله، وأفعال الرب قائمة به، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بأفعال الرب وصفاته كما في قوله ﷺ: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك" فاستعاذ بمعافاته، وهو فعل من أفعال الرب، ولو كان محدثًا لما جاز الاستعاذة به. راجع رسالة الصفات الاختيارية / لشيخ الإسلام ابن تيميه ضمن جامع الرسائل ٢/ ١٩-٢٠. وكنت قد وهمت في الطبعة الأولى في فهم كلام المؤلف ﵀ فنبهني أخي الفاضل "ماجد بن سليمان الخليفة" إلى ذلك فجزاه الله خيرًا وجعل ذلك في موازين حسناته. ٢ في الأصل "واحدٌ" بالتنوين. ٣ سورة النساء: جزء من آية "١٦٤".
[ ١٦٤ ]
أنه كلام من مكلِّم إلى مكلَّم. وقال نوح بن أبي مريم١ في تكليمًا: (يعني المشافهة بين اثنين) ٢ وإن لم يكن هناك مشافهة، فالله تعالى قال لموسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٣ والاستماع بين الخلق لا يقع إلا إلى صوت، وهو غير الإفهام؛ لأنّ الفهم يتأخر عن السمع.
وقول الأشعري: "إنّ كلام الله شيء واحد، لا يدخله التبعيض"٤ فإذا قال إنّ الله أفهم موسى كلامه، لم يخل٥ أمر٦ من أن يكون قد أفهمه كلامه مطلقًا، فصار موسى ﵇ عالمًا بكلام الله حتى لم يبق له كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه. وفي ذلك اشتراك مع الله في علم الغيب، وذلك كفر بالاتفاق.
_________________
(١) ١ هو نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي القرشي مولاهم، مشهور بكنيته، ويعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. مات سنة ١٧٣ هـ. انظر التقريب ٢/ ٣٠٩، واسم أبيه يزيد بن جعونة. انظر "الكنى للإمام مسلم ١/ ٦٤٣ ترجمة رقم: ٢٦١٣" والكنى للدولابي ٢/ ٣١. ٢ أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ص ٦٤، وابن جرير في التفسير "٩/ ٤٠٣". ٣ سورة طه: جزء من آية "١٣". ٤ ليس ذلك في شيء من كتبه التي وصلت إلينا، وقد حكاه عنه الشهرستاني في الملل ١/ ٩٦، وهو قول الكلابية والأشعرية. انظر "المقالات ٢/ ٢٥٧" والإرشاد لإمام الحرمين ص ١٣٦. ٥ في الأصل "يخلو" بإثبات حرف العلة. والصواب حذفها "كما أثبت" لدخول أداة الجزم. ٦ كذا في الأصل بالتنكير، والتعريف أفصح.
[ ١٦٥ ]
وفيه أيضًا رد لقول الله ﷿: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١ فبيَّن أنّ الرسل ﵈ لا يعلمون ما في نفسه ﷿.
والأشعري يقول:"إنّ الكلام معنى قائم بنفس ليس بلغة ولا حرف"٢ فإذا فهمه موسى صار عالمًا لما في نفس الله، وذاك غير جائز بالاتفاق.
ثم إذا لم (يكن) ٣ الكلام حرفًا ولا صوتًا، وكان معنى قائمًا بالنفس فهو والإرادة شيء واحد٤
وإن قالوا: أفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى التبعيض الذي يكفِّرون به أهل الحق، ويخالفون فيه نص الكتاب حيث قال الله
_________________
(١) ١ سورة المائدة جزء من آية "١١٦". ٢ تقدم الكلام على أنّ هذا مذهب الكلابية والأشاعرة. ٣ في الأصل سقطت من السطر وكتبت أعلاه. وهي غير واضحة، وأثبتت في الحاشية. ٤ لأن الإرادة عند الأشاعرة: صفة أزلية قائمة بذاته تعالى وهي واحدة محيطة بجميع مراداته. انظر: "أصول الدين للبغدادي ص ١٠٢"، "والملل والنحل ١/ ٩٦". والإرادة عند محققي السلف نوعان:
(٢) إرادة قدرية كونية خلقيه.
(٣) وإرادة أمرية دينية شرعية. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى. والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات. وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية ص١١٦".
[ ١٦٦ ]
سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ ١ وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٢
والكتاب عند السلف هو القرءآن باتفاق المسلمين كلام الله٣ ويقولون في الظاهر للعوام: "قد سمع موسى كلام الله على الحقيقة٤ وكلامه ليس بصوت"٥.
والعقل لا يقتضي أن يسمع بشر٦ مبقى على بنيته وعادته ما ليس
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: جزء من آية "٣٦" ٢ سورة البقرة: جزء من آية "٥٨" ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكتاب اسم للقرآن العربي بالضرورة والاتفاق" "قاعدة في صفة الكلام ضمن الرسائل المنيرية ٢/ ٥٦" وانظر: كلام الرازي: "التفسير الكبير١/ ١٤" "والنسفي في تفسير القرآن الجليل ١/ ١٩٥" و"الغزالي في المستصفى /١٢٠". ٤ انظر مثلًا قول الباقلاني في الإنصاف ص ٩٦، وإمام الحرمين: الإرشاد ص ١٣٤. ٥ تقدّم إثبات ذلك عنهم من كتبهم. ٦ في الأصل "يسمعوا" وهو تحريف. وللمؤلف زيادة إيضاح لهذه المسألة في "الإبانة" انظر: النص المقتبس عنها لدى ابن تيمية في درء التعارض ٢/ ٩٠. وفيه قال أبو نصر: "قلت له – أي لبعض الأشاعرة – أتقر بأنّ الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم – وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم – وحقيقة سماع كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال؛ لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البنية وأجروا عليه من العادة – لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت. – قال – وإذا لم يكن كذلك فالواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما كما يحصل السماع، وربما سمى ذلك سماعًا على التجوز لقربه من معناه، فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري".إهـ
[ ١٦٧ ]
بصوت على الحقيقة.
ويقولون١: " إنّ كلام الله لا يجوز وجوده بغير الله٢، ولا نزوله إلى محل٣، وهو يتلى ويقرأ، وليس بلغة ولا حرف وتلاوة بل لا وصول للخلق إليه ولا يوجد عندهم، ولا مدخل للحروف فيه"٤ (وهذا) ٥ ممتنع في العقل. واختلف قول الأشعري في كتبه٦
_________________
(١) ١ في الأصل "فيقولون" وما أثبت أظهر. ٢ في الأصل "كغيره" والظاهر أنه خطأ من الناسخ، ولعل الصواب ما أثبت. ٣ لأنه عندهم معنى قديم قائم بذات الله ﷿، ومعنى نزوله عندهم نزول الإفهام والإعلام لا غير ويقولون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ الشعراء: من آية ١٩٣-١٩٥ قالوا: يجب أن نعتقد هنا أربعة أشياء. منزل، ومنزل، ومنزول عليه، ومنزول به والمنزل على الوجه الذي بيناه من كونه نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال كلام الله تعالى القديم الأزلي القائم بذاته"والمنزول به هو اللغة العربية التي تلا بها جبريل ونحن نتلوا بها إلى يوم القيام" اهـ من الباقلاني الإِنصاف ص٩٧ بتصرف. وانظر الإرشاد ص١٣٥. ٤ لأنه قائم بذات الله ﷿ لا يفارقها. "العقيدة النظامية للجويني ص٢٩ وما بعدها". ٥ الزيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام. ٦ أي في كتبه التي تعرض فيها لمسألة النسخ وليس المقصود أنّ له كتبًا بهذا الاسم؛ إذ لم أجد من ذكر ذلك له.
[ ١٦٨ ]
(في) ١ الناسخ والمنسوخ فقال في بعضها: "الناسِخ والمنسوخ في كلام الله على الحقيقة ". فإذا كان كلام (الله) ٢ عنده شيئًا واحدًا كان الناسخ هو
المنسوخ لا فرق بينهما ولا٣ من العقل ما يقوله البتة.
وقال في بعضها: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون كلامه٤ ففرق بين كتاب الله وكلامه، ونصوص القرآن تنطق٥ بأن كتاب الله كلامه، ألا ترى أن الجن قالت في ما أخبر الله سبحانه عنها: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٦ وفي موضع آخر: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ٧ فبيَّن ﷻ أنّ الكتاب هو القرءآن لا غير بتقريره ما قالوه وتركه النكير عليهم لوجود الاتفاق على أن مسموع الجن في هذه القصة شيء واحد
_________________
(١) ١ "في" ليست في الأصل والسياق يقتضي زيادتها. ٢ ليست في الأصل، والزيادة يقتضيها السياق. ٣ في الأصل كلمة لم أتبيّن معناها ورسمها هكذا "يتمعنا". ٤ لم أجد ذلك عنه ولعله فيما لم يصل إلينا من كتبه الكثيرة التي ألفها قبل إيابه إلى مذهب السلف. ومذهب السلف: أن كتاب الله هو القرآن الذي بين دفتي المصحف وهو كلام الله ﷿ وقد تقدم بيانه. وقال البغدادي في حكاية مذهب أصحابه: "وفي أحكامه ناسخ ومنسوخ ولا ينسخ كلام الله؛ لأنه لا يجوز عدمه ورفعه". انظر: "أصول الدين ١٠٨". ٥ في الأصل "ينطق" بالياء. والصواب كما أثبت لعود الضمير على "نصوص" ٦ سورة الجن آية "١". ٧ سورة الأحقاف آية "٣٠".
[ ١٦٩ ]
في دفعة واحدة، وإنما أخبر الله سبحانه عنهم في غيرسورة فقال في بعضها: القرءآن وقال في غير ذلك: الكتاب١ والقرءآن كلام الله بالاتفاق.
واختلف قول الأشعري أيضًا في الإعجاز، فقال في موضع: الإعجاز يتعلق بهذا النظم، وليس ذلك بكلام الله ﷿، وإنما هو عبارة عنه، وأما صفة الله تعالى فلا يجوز أن يقال: إنّ الخلق يعجزون عنها كما لا يجوز أن يقال: يقدرون عليها. فجعل المعجز غير القرءآن، وإجماع الأمة حاصل على أنّ القرءآن هو المعجز للكافة٢ فمن زعم أنه ليس (بمعجز والمعجز) ٣ غيره كان رادًا لخبر الله سبحانه، وخارقًا للإِجماع، وذلك كفر.
وقال في غير ذلك الموضع: (الإعجاز متعلق بكلام الله، وكلام الله شيء واحد لا سورة فيه ولا حرف) ٤.
_________________
(١) ١ بل قال سبحانه ذلك في سورة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ سورة الاحقاف آية "٢٩، ٣٠" فبيّن سبحانه أن الكتاب هو القرآن لا غير. ٢ انظر: "ابن حزم الفصل ٣/ ١٥". ٣ في الأصل "بمعجزه والعجز" وهو تحريف. ٤ ما ذكره المؤلف ﵀ في هذه المسألة ونقله عن كتب الأشعري لم أجده في كتبه التي وقفت عليها، ولعل ذلك فيما لم يصل إلينا منها مما كتبه في سابق أحواله ورجع عنه في آخر عمره وكلاَ القولين ثابت عن الأشاعرة، والباقلاني وهو مقدمهم في عصره يصرح بأن الإعجاز يتعلق بالحروف المنظومة التي هي عبارة عن كلام الله القديم القائم بذاته تعالى عندهم، وأن التحدي واقع إلى هذه الحروف المنظومة وليس إلى الإتيان بمثل الكلام القديم الذي لا سبيل إليه، وأوضح أن هذا القول هو الذي عول عليه مشايخه. وحكى أنّ بعض أصحابه من الأشاعرة جوز القول الآخر وهو أنّ التحدي والإعجاز عائد إلى الكلام النفسي. انطر: "إعجاز القرآن ٢٦٠". وعزا هذا القول للأشعري ابن حزم في "الفصل ٣/١٥" بصيغة التمريض. ويرى الآمدي تارة: أن المعجز هو هذه العبارات والكلمات، وتارة يرىَ أنّ المعجز هو إظهار ذلك المقروء القائم بالنفس على لسان الرسول بما خلق الله من العبارات الدالة عليه. فلا يكون كلامه - أي كلام الرسول- الدال هو المعجز، ولا المدلول. بل إظهار ذلك المدلول بكلامه عند تحديه بنبوته. انظر: غاية المرام "٣٥١" وعلى هذا الرأي: يكون قد نفى الإعجاز عن العبارة وعن المعبر عنه وأثبته لما لا يتصور، فتأمل.
[ ١٧٠ ]
وفي هذا القول تكذيب للنص وإحالة: فأما التكذيب فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢.
فبيّن أنّ التحدي واقع إلى مثل كلامه القرءآن وإلى سورة منه، فقول الأشعري:
_________________
(١) ١ سورة البقرة: آية "٢٣" ٢ سورة الإسراء: آية "٨٨"
[ ١٧١ ]
(إنّ المعجز هو الكتاب١ دون القرءآن) تكذيب للنص وخبره، وقوله: (إنّ المعجز هو الكلام وليس بسورة) تكذيب للنص أيضًا.
والإِحالة هي في أنّ التحدي واقع إلى الإتيان بمثل ما يعلم ويعقل٢، ولو كان بخلاف ذلك لما صح جملة لأن العقل يقتضي أن (لا) ٣ يتحدى واحد إلى الإِتيان بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه٤، ومثل ذلك إذا سيم٥ واحد كان لعبًا وهزوًا، والله سبحانه يتعالى عن ذلك علوأً كبيرًا.
وقال الأشعري: "إنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة على الحقيقة" وأظهر الرد على من أنكرها.
وأفصح في بعض كتبه (أنه يرى بالأبصار) ٦ وقال في موضع آخر:
_________________
(١) ١ سبق أن ذكر المؤلف أنّ الأشعري فرق بين كلام الله وكتابه في مسألة النسخ. ٢ وهو كلام الله الموجود بين أيدينا الذي نتلوه ونعقله. ٣ "لا" ليست في الأصل وزيادتها يقتضيها السياق. ٤ "مثل الكلام النفسي القائم بالذات فالله ﷿ لم يكلفنا بمعرفته ولا سبيل للخلق لمعرفة ما في نفسه ﷿؛ يعلم ما في نفوس عباده ولا يعلمون ما في نفسه". ٥ سيم: أي كلف: في اللسان: سمته حاجة أي كلفته إياها من قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَاب﴾ أي يجشمونكم أشد العذاب. قال: وفي حديث علي – ﵁ – من ترك الجهاد ألبسه الله الذلة وسيم الخسف" أي كلف وألزم. إهـ ١٢/ ٣١٢ "لسان العرب". ٦ انظر: "الإبانة ٣٥" و"اللمع ٦١، ٦٣".
[ ١٧٢ ]
(لا تختص الرؤية بالبصر١ ولا تكون عن مقابلة٢ لأنّ٣ ما يرى مقابلة كان جسمًا) .
فهو إذا قال: إنه يرى بالأبصار لم يجز في العقل أن تكون عن غير مقابلة، وإن قال إنّ الرؤية لا تختص البصر عاد إلى قول المعتزلة، وصارت الرؤية في معنىالعلم الضروري٤. وقد حكي عن بعض متأخريهم أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلتُ إنّ الرؤية هي العلم لا غير٥.
وهكذا قالوا في سماع موسى ﵇ كلام الله سبحانه إنه لم يخص الأذن٦، وإذا لم يخص بزعمهم الأذن لم يكن سماعًا؛ لأن هذه البنية
_________________
(١) ١ في الأصل "البصر". ٢ لم أجد ذلك في كتبه التي وقفت عليها. وعزا هذا القول إليه أيضًا: الشهرستاني في "الملل والنحل ١/١٠٠" أما مذهبه الذي استقر عليه فهو ما صرح به في الإبانة من إثبات رؤية الله بالأبصار. وسبقت الإحالة إلى موضعه وهو مذهب السلف في هذه المسألة. ٣ في الأصل "لأنه" وهو تحريف. ٤ لأن من مذهب المعتزلة نفي رؤية الله ﷿ بالأبصار، وتأويل الرؤية في قولهصلى الله عليه وسلم: "سترون ربكم" بالعلم، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: "ثم نتناوله – أي حديث سترون ربكم – نحن على وجه يوافق دلالة العقل فنقول: المراد به سترون ربكم يوم القيامة أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر" انظر: "شرح الأصول الخمسة ٢٣٢، ٢٧٠، وراجع أيضًا المقالات ١/ ٢٨٩". ٥ لم أجده نسبة هذه الحكاية فيما اطلعت عليه من كتب القوم، ونسب شيخ الإسلام لمتأخري الأشاعرة من أتباع الجويني صاحب الإرشاد أنهم فسروا الرؤية بمزيد علم. انظر: "درء التعارض ٧/ ٢٣٧". ٦ لأنهم يقولون: السماع يطلق ويراد به الإدراك بحاسة الأذن، وقد يطلق ويراد به الانقياد والطاعة، وقد يطلق بمعنى الفهم والإحاطة، وعليه حملوا سماع موسى ﵇ كلام الله. انظر: الآمدي: غاية المرام ص ١١٠، والشهرستاني: نهاية الأقدام ص ٣٦٧. إذْ يقرر أنه يتحقق كلام في جانب المتكلم وسماع من جانب المستمع ولا حرف ولا صوت ولا لسان ولا صماخ – ثم قال: فإذا تصور مثل ذلك في الشاهد حمل استماع موسى كلام الله على ذلك.
[ ١٧٣ ]
مجبولة١ على أنها لا تسمع إلا بالأذن.
والمقابلة لا تقتضي التجسيم كما زعموا؛ لأن المرئيات في الشاهد لا تخرج عن أن تكون جسمًا أو عرضًا على أصلهم، والله سبحانه باتفاقنا مرئي. وليس بجسم٢ ولا عرض، وإذا صح ذلك، جاز أن يرى عن مقابلة، ولا يجب أن يكون جسمًا. وقد نص مالك بن أنس٣ ﵀، وغيره من الأئمة ﵏ على أنّ الله سبحانه يرى يوم القيامة بالأبصار٤.
_________________
(١) ١ يقال: جبله على الشيء: طبعه، وجبل الإنسان على كذا: أي طبع عليه. وانظر لسان العرب مادة "جبل" ١١/ ٩٨. ٢ منهج أهل السنة: التوقف عن مثل هذه الألفاظ نفيًا أو إثباتًا، والمؤلف – ﵀ – خالف هذا المنهج. وسيأتي تحقيق القول في المسألة. ٣ والإمام الحافظ فقيه الأمة شيخ الإسلام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، كان مولده سنة ٩٣ هـ ووفاته سنة ١٧٩ هـ. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٧"، "والتقريب ٢/ ٢٢٣". ٤ أخرج الإِمام اللالكائي ﵀ بسنده إلى أشهب عبد العزيز صاحب مالك قال "قال رجل لمالك يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: لو لم ير المؤمنون – ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٤٦٨ ح ٨٠٨". وأخرج الآجري في الشريعة بسنده إلى عبد الله بن وهب قال: قال مالك – رحمه الله تعالى – "الناس ينظرون إلى الله ﷿ يوم القيامة بأعينهم". "ص٢٥٤". وممن صرح بأن الله ﷿ يرى يوم القيامة بالأبصار وأنكر على من أنكر ذلك. إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - ﵀ -. انظر: "الرد على الجهمية والزنادقة له ص ١٢٦ وما بعدها" وانظر: "الشريعة ص ٢٥٤ و٢٥٥" والإمام الشافعي – ﵀ -. انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص ٢/ ٤٦٨/ ٨٠٩" وهو مروي عن عدد من الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح. انظر: المصدر السابق ٢/ ٤٧٠ وما بعدها.
[ ١٧٤ ]
وزعموا أنّ كلام الله مكتوب في المصاحف (على) ١ الحقيقة وليس بحروف٢.
_________________
(١) ١ في الأصل الكلمة غير واضحة ورسمها هكذا "مل" وما أثبته من الإنصاف للباقلاني ص٩٣. ٢ "٣" هذا النص وارد في كثير من كتب أئمة الأشاعرة: انظر: الإنصاف للباقلاني ٩٣ و٩٩ حيث يقول في الموضع الأول: "ويجب أن يعلم أنّ كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة". ويقول في الموضع الثاني: "ويجب أن يعلم أنّ الله تعالى لا يتصف كلامه القديم بالحروف والأصوات ولاشيء من صفات الخلق". وانظر أيضًا "التمهيد ص ٢٥١" وانظر "الجويني: العقيدة النظامية: ٢٧، ٢٩" حيت يقول: "ثم معتقد أهل الحق أنّ كلام الله تعالى ليس بحروف منتظمة ولا أصوات مقطعة وإنما هو صفة قائمة بذاته تعالى". ثم يقول: "كلام الله ﵎ مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور". وهذا في كتبهم كثير يطول ذكره، وكلامهم، مؤد إلى أنّ هذا المكتوب في المصاحف ليس بكلام الله؛ لأنه مكتوب بحروف وليس كلامه سبحانه بحرف ولا صوت بزعمهم فتأمل. أما الأشعري نفسه فيقول في الإِبانة " القرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وأنكر على من قال لفظي بالقرآن مخلوق – ثم قال: "ولا يجوز أن يقال إن شيئًا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكامله غير مخلوق" انظر: "الإبانة ١٠٠/ ١٠١".
[ ١٧٥ ]
والعقل لا يقتضي وجود مكتوب عاريًا عن الحروف، وقالوا: ينبغي أن يكون كلام الله بخلاف كلام غيره. ثم قالوا: (كلامه) ١، (و) ٢ كلام غيره معنى قائم في النفس٣.
_________________
(١) ١ في الأصل بالحاشية. ٢ ليست في الأصل. ٣ هذا ثابت عنهم وهو مدون في أمهات كتبهم. انطر: "التمهيد: للباقلاني" حيث يقول فيه- في معرض الرد على خصومه: "ثم يقال لهم قد وهمتم علينا في قولكم أنا لم نعقل كلامًا إلا حرفًا وصوتًا. لأننا لم نعقل قط ذلك، لأن الكلام فيما بيننا إنما هو معنى قائم بالنفس يعبر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارة وبغيرها أخرى" ٢٥١. وقال في "الإنصاف" " فحصل من هذه الجملة أن حقيقة الكلام على الإطلاق في حق الخالق والمخلوق، إنما هو المعنى القائم بالنفس لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقًا" ١٠٨، انظر. ١٠٦، ١٠٩ منه. وانظر أيضًا: "نهاية الأقدام للشهرستانى ص٣٢٠" فقد عزاه للأشعري فقال: "وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية وبذات المتكلم وليس بحروف ولا أصوات وإنما هو القول الذي يجده العاقل من نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلامًا حقيقيًا تردد أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز" وعزاه الجويني لبعض أصحابه، الإرشاد ١٠٨. وحكَى الأشعري أنّ ابن كلاب كان يقول "إن كلام الإنسان معنى قائم بالنفس يعبر عنه بالحروف وحكى عنه أَنه حروف" انظر: المقالات ٢/٢٧٣ وحكى عنه قبل ذلك انه يقول: "إنّ كلام الله سبحانه صفة له قائمة بذاته وأنه قديم وليس بحرف ولا صوت" انظر: "٢/ ٢٥٧".
[ ١٧٦ ]
فرفعوا ما أوجبوه من الخلاف١، وهذا تناقض.
وقالوا: إثبات الحروف في كلام الله تشبيه، ثم قالوا: (كلام الله وكلام غيره لا حروف فيهما) فافصحوا بالتشبيه٢. ولو كان قولنا: إن الكلام لا يعرى عن الحروف تشبيهًا، مع كون الكتاب دالا على صحة قولنا، وكذلك الأثر، وكلاّ أن يكون كذلك، لكان تشبيهم أفظع وأشنع، فإنهم زعموا أنّ كلام الله لا حرف فيه ولا صوت، وكلام الله وذو النحل٣ وساير الحكل٤ لا حرف فيه ولا صوت فشبهوا كلام الله
_________________
(١) ١ أي بين كلام الله وكلام خلقه إذ جعلوا الكلام الحقيقي في حق الخالق والمخلوق هو الكلام النفسي. ٢ لأنهم قالوا: إنّ الجميع معنى قائم بالنفس وليس بحرف ولا صوت كما تقدم نقل ذلك عنهم. ٣ هكذا في الأصل ولعل الصواب "ودويُّ النحل" أي صوته، والدوي. صوت ليس بالعالي كصوت النحل وغيره، ويقال لصوت الرعد دوي ابن منظور: "لسان العرب ١٤/ ٢٨١" وهو وإن كان صوتًا إلا أنه ليس بحروف مفهومة. ٤ الحكل: "بضم الحاء المهملة وسكون الكاف" العجم من الطيور والبهائم. قال ابن سيده: والحكل من الحيوان ما لا يسمع له صوت كالذر والنمل. وكلام الحكل: كلام لا يفهم. انظر: "لسان العرب ١١/ ١٦٢".
[ ١٧٧ ]
بكلام الحكل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقد اتفقت الأئمة على أنّ الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف.
فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل أو حملها
على تأويل مخالف للظاهر ضلال. ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه (إلا) ١ بما وصف به نفسه أو وصفه٢ به رسوله صلى الله عليه وسلم٣ وذلك إذا
_________________
(١) ١ في الأصل بالحاشية. ٢ في الأصل "وصف" وهو تحريف. ٣هذه هي القاعدة التي اتفق عليها السلف في باب أسماء الله وصفاته، وهي أنّ أسماء الله ﷾ وصفاته توقيفية لا تعرف إلا من طريق الشرع فلا يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ﷺ كما أشار المصنف ﵀. والنقول عن أئمة السلف في ذلك متكاثرة كلها تدل على هذا المعنى: قال الإمام أحمد بن حنبل: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث" عن ابن تيمية في الحموية ص ١٠٠١. ويقول الإمام الدارمي ت ٢٨٠: " نصفه بما وصف به نفسه أو وصفه به الرسول، ثم ذكر طرفًا من أسماء الله وصفاته الواردة في الشرع ثم قال: "فبهذا الرب نؤمن وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله" الرد على الجهمية ٣- ٤. وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإِقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنّ من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله ". التمهيد: "٧/ ١٤٥" فتدبر هذا الكلام فإن عليه من الله برهان. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان مذهب السلف: "فمن سبيلهم – أي السلف – في الاعتقاد الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها " الفتاوى ٤/ ٢.، وخالف في هذا الباب فريقان:
(٢) الجهمية والمعتزلة: ومذهبهم قائم على النفي والتعطيل: فنفوا صفات الله ﷿ وقالوا: هو عالم بذاته، وقادر بذاته، وحي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. ونفوا كلامه وقالوا إنه محدث مخلوق. انظر: "الشهرستاني: في الملل والنحل ١/ ٤٤". وقال الأشعري: وزعمت الجهمية أنّ الله تعالى لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أنّ الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم – قال – وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل – انظر: "الإبانة: ١٤٣"
(٣) الأشاعرة والكلابية: الذين أولوا بعض صفات الله جل وعلا وأخرجوها عن ظاهرها ومفهومها فأولوا: الاستواء بالاستيلاء، وعلو المرتبة، واليدين. حملوها على القدرة، والعينين على البصر، والوجه على الوجودالخ. ومن أئمة هؤلاء إمام الحرمين الجويني: انظر "الإرشاد ١٥٥" والغزالي: انظر: الاقتصاد ٣١، وابن فورك: انظر مشكل الحديث ١٩٣، ١٠٨، ١٨٥، وكلا الفريقين قد ضل في هذا الباب.
[ ١٧٨ ]
ثبت الحديث١ ولم يبق شبهة في صحته.
_________________
(١) ١ قال الإمام أحمد في أحاديث الرؤية: "أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكلما روي عن النبي ﷺ بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر" اللالكائي: شرح أصول السنة رقم: ٨٨٩، وقال ابن عيينة في أحاديث الرؤية أيضًا: حق نرويها على ما سمعنا ممن نثق به ونرضاه. الدارقطني الصفات: ٤١، وعبد الله بن أحمد في السنة ٤٠، وفي هذا بيان منهج السلف في الاستدلال بالسنة الثابتة والإذعان لها والقبول.
[ ١٧٩ ]
فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها١ باتفاق العلماء للأثر٢.
ومخالفة الأشعري وأضرابه للعقليات، ومناقضتهم تكثر ولعل الله سبحانه يسهل لنا جمع ذلك في كتاب بمنه، وإنما أشرنا هاهنا إلى يسير منه وفيه مقنع إن شاء الله تعالى.
وأما تظاهرهم بخلاف ما يعتقدونه كفعل الزنادقة ففي إثبات أن الله سبحانه استوى على العرش، ومن عقدهم: أنّ الله سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه في سماء ولا في أرض، ولا على عرش ولا فوق٣.
_________________
(١) ١ في الحاشية زيادة "إلا" بعد كلمة "فيها" والسياق يأبى ذلك. لأن في إثباتها عكس المعنى المراد. لأنه ليس للعلماء ولا لغيرهم أن يجتهدوا في إثبات صفة لله ﷿ لم يرد بها نص من الكتاب والسنة. ٢ هكذا في الأصل والتركيب غير سليم ولو قال: "باتفاق علماء الأثر" لكان أولى. ٣ ويؤولون آيات وأحاديث الاستواء والفوقية: بأنّ المراد الاستيلاء وعلو القدر والمرتبة وليس المراد فوقية الذات والمكان. انظر: "ابن فورك: مشكل الحديث ٦٤ – ٦٥" و"الغزالي: الاقتصاد ٢٤، ٣١"، و"الآمدي: غاية المرام ١٤١". أما الأشعري نفسه: فقد أثبت استواء الله ﷿ على عرشه استواء يليق بجلاله، وأنكر على من أوله بالقدرة والاستيلاء واحتج عليهم. فقال ﵀: "إن قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله ﷿ يستوي على عرشه استواء يليق به. . . إلى أن يقول: " ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أنّ الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض" انظر: الإبانة ١٠٥ – ١٠٧".
[ ١٨٠ ]
وقد ذكر ابن١ الباقلاني: "أن الاستواء فعل له أحدثه في العرش"٢
وهذا مخالف لقول علماء الأمة، وقد سئل مالك بن أنس رحمة الله عليه عن هذه المسألة فأجاب: "بأن الاستواء غير مجهول، والكيفية غير معقولة، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"٣.
_________________
(١) ١ في الأصل "بن" ٢ لم أجد ذلك في كتبه التي وقفت عليها "كالتمهيد والإنصاف" وقد عزاه إليه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: "الفتاوى ١٦/ ٣٩٤" ونراه فيما وصل إلينا من كتبه يثبت استواء الله على عرشه كما أخبر في كتابه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تحديد ولا تصوير. انظر: "التمهيد: ٢٦٠" وانظر: الذهبي: العلو ١٧٣ – ١٧٤". وقد نسب هذه العبارة لأبي الحسن الأشعري البيهقي في الأسماء والصفات ٤١٠ فقال: "وذهب أبو الحسن علي بن إسماعيل إلى أنّ الله تعالى جل ثناؤه فعل في العرش فعلًا سماه استواء، كما فعل في غيره فعلًا فسماه رزقًا ونعمة " والبغدادي في أصول الدين ١١٣. وينبغي أن يحمل ذلك على مرحلة ما قبل الإبانة. والله أعلم. ٣ أخرجة الدارمي: الرد على الجهمية ٣٣ بزيادة على لفظ المصنف. واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص٣٩٨ برقم: ٦٦٤. والبيهقي: الأسماء والصفات ٤٠٨.
[ ١٨١ ]
قال الله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ﴾ الآية٥ والآية التي بعدها٦.
وقال النبي ﷺ: "ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا – حتى ذكر سبع سماوات- وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال٧ كواهلهم تحت عرش الرحمن، وأقدامهم تحت الأرض السابعة السفلى، وفوق ذلك العرش، والله (سبحانه)
_________________
(١) ١ سورة النحل آية "٥٠" ٢ سورة السجدة آية "٥" وتمامها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ٣ سورة فاطر: "جزء من آية "١٠". ٤ سورة المعارج: آية "٣" وجزء من آية "٤". ٥ سورة الملك: آية "١٦" وتمامها ﴿تَمُورُ﴾ . ٦ وهي قوله تعالى ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ "١٧" الملك. ٧ قال ابن الأثير: "الوعول تيوس الجبل واحده وعل" وقال معنى قوله تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قيل: ثمانية أوعال: أي ملائكة على صورة الأوعال. انظر: "النهاية: ٥/ ٢٠٧". ٨ في الأصل بالحاشية.
[ ١٨٢ ]
فوق ذلك". (أخرجه) ١ أبو داود٢ في كتاب السنن عن أبي هريرة٣ ٤
_________________
(١) ١ ويحوز أن تكون "أخرج" فإنه مناسب لقوله "هذا المعنى" أي أخرج هذا المعنى الذي هو ذكر السموات وأن العرش فوقها والله فوق ذلك، إذ ليس كل من ذكر من الصحابة أخرج عنهم حديث الأوعال بنصه. ٢ هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني ولد لسنة ٢ ٢٠، بالبصر ة وتوفي بها سنة ٢٧٥. انظر: "الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١". ٣ وهو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر الدوسي، مشهور بكنيته، اختلف في اسمه واسم أبيه كثيرًا، أسلم عام خيبر وشهدها، لازم رسول الله ﷺ، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله، مات بالعقيق سنة سبع وقيل ثمان وقيل تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة. انظر: "ابن عبد البر: الاستيعاب: ٤/ ٢٠٢ مع الإصابة. و"ابن حجر: الإصابة: ٤/ ٢٠٢". ٤ لم يخرج أبو داود حديث الأوعال ولا ما في معناه عن أبي هريرة، وإنما أخرجه من حديث العباس بن عبد المطلب: كتاب السنة/ باب الرَّد على الجهمية ٥/ ٩٣ حـ٤٧٢٣ من عدة طرق عن إلى سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس. وأخرجه الترمذي: كتاب التفسير/ باب سورة الحاقة ٥/٤٢٤ حـ٣٣٢٠ وقال هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٩حـ ١٩٣. حم: ١/ ٢٠٦ "وفيه يحيى بن العلاء" رمي بالوضع. انظر: التقريب ٢/ ٣٥٥. ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٢٥٣ حـ٥٧٧، والآجري: الشريعة ٢٩٢. ومداره على عبد الله بن عميره متكلم فيه، قال الذهبي: في "الميزان ٢/٤٦٩": فيه جهالة، قال البخاري لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس له عن العباس حديث المزن والعنان، رواه عنه سماك بن حرب ورواه عن سماك الوليد بن ثور وجماعة، ورواه أيضًا يحيى بن العلاء وهو واه ". فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة في هذا الباب، وفي الآيات والأحاديث الصحيحة الثابتة في الباب غنية. وأخرج عن أبي هريرة- هذا المعنى "مسيرة ما بين سماء وسماء خمسمائة عام "الترمذي٢/ ٥٢٥" و"أحمد: ٢/٣٧٠" و"ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٥٤ حـ ٥٧٨" و"أبو الشيخ: العظمة: لوحة "٣٤- ب" و"البيهقي: الأسماء والصفات٤٠٠" كلهم من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة. وهو منقطع؛ إذ لم يسمع الحسن من أبي هريرة. انظر: "ابن أبي حاتم الرازي: كتاب المراسيل ٣٤" و"ابن المديني: العلل ٥٧".
[ ١٨٣ ]
وجبير بن مطعم ١ ٢ وغيرهما٣ عن النبي ﷺ هذا المعنى والطرق مقبولة٤
_________________
(١) ١ ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف كان من أكابر قريش وحلمائها وسادتها عالمًا بأنسابها، أسلم بين الحديبية والفتح، ومات في خلافة معاوية سنة سبع، وِقيل ثمان، وقيل تسع وخمسين، انظر: "ابن عبد البر: الاستيعاب ١/٢٣٠ مع الإصابة" و"ابن حجر: الإصابة ١/٢٦٦". ٢ الذي أخرجه أبو داود عنه هو حديث الأطيط ٥/ ٩٤حـ ٤٧٢٦ وفيه أتدري ما الله إنّ عرشه على سماواته هكذا وقال بأصبعية مثل القبة عليه وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب. قال الألباني: إسناده ضعيف ورجاله ثقات لكن ابن إسحاق مدلس ومثله لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه. انظر: "حاشية ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٥٢ ح ٥٧٥". ٣ منهم أبو ذر رضي الله تعالى عنه: أخرجه عنه البيهقي: الأسماء والصفات ٤٠١ وقال فيه انقطاع. وقال الألباني: وهو مع انقطاعه ضعيف لضعف أحمد بن عبد الجبار. السنة لابن أبي عاصم ١/٢٥٥. ٤ أما طرق هذا الحديث فليست كذلك، وإن كان يشير إلى أن المعنى الذي هو العلو والاستواء له طرق ثابتة مقبولة فهو كذلك كحديث الجارية، "وسيأتي قريبًا" وحديث أنس في قول زينب زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماواته البخاري/ كتاب التوحيد/ باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم ١٣/ ٤٠٣ حـ ٧٤٢٠.
[ ١٨٤ ]
محفوظة وروي عن عبد الله بن مسعود١٢ وعبد الله بن عباس٣٤ وعبد الله بن عمر٥٦ وأنس بن
_________________
(١) ١ وهو عبد الله بن مسعود بن غافل "بمعجمة وفاء" ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، أحد السابقين إلى الإسلام هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، لازم النبي ﷺ، وكان صاحب نعله، كان من كبار العلماء من الصحابة ومناقبه جمة، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وقيل: ثلاث وثلاثين. انظر "ابن حجر الإصابة ٢/ ٣٦٩" و"التقريب ١/٤٥٠". ٢ أخرجه الدارمي: الرد على الجهمية ٢٦ موقوفًا عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام.. والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه "، وابن خزيمة: كتاب التوحيد ١٠٥، ١٠٦ وأبو الشيخ: العظمة. لوحة "٣٥-١"، والبيهقي: الأسماء والصفات ٤٠١. ٣ هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي ابن عم رسول الله ﷺ، ولد قبل الهجرة، بثلاث سنين دعا له الرسول ﷺ فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، كان يسمى حبر الأمة، مات بالطائف سنة ثمان وستين وله إحدى وسبعون سنة. انظر: "ابن حجر: الإصابة ٢/٣٣٠". ٤ أخرج عنه الدارمي موقوفًا عليه قصة دخوله على عائشة وهي تموت وأنه قال لها: " وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات" الرد على الجهمية ٢٧. ٥ ترجمته في الإصابة ٢/ ٣٤٧. ٦ لم أهتد إلى تخريجه عنه.
[ ١٨٥ ]
مالك١٢ وغيرهم٣ مثل ذلك موقوفًا. هـ ونص أحمد بن حنبل٤رحمة الله عليه على أن الله تعالى بذاته٥ فوق العرش، وعلمه بكل مكان٦.
وروى ذلك هو وغيره عن عبد الله بن نافع٧ عن مالك بن
_________________
(١) ١ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، وأحد المكثرين من الرواية عنه، مات بالمدينة سنة ٩١، ٩٢، ٩٣، وقد جاوز المائة. انظر: "ابن عبد البر: أسد الغابة ١/ ٧١ مع الإصابة" و"ابن حجر: الإصابة ١/ ٧١" و"التقريب ١/ ٨٤". ٢ لم أهتد إلى تخريجه عنه. ٣ كعبد الله بن عمرو بن العاص. انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ٤٠٢. ٤ هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني ناقد السنة وقامع البدعة والثابت في المحنة. كانت ولادته سنة ١٦٤ هـ ووفاته سنة ٢٤١ هـ وله ٧٧ سنة. انظر في ترجمته: "الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١" و"ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ١/ ٤" و"العليمي: المنهج الأحمد ١/ ٥١". ٥ لم يؤثر عن هؤلاء الأئمة إطلاق هذه اللفظة وسيأتي الكلام عليها قريبًا. ٦ انطر: "السنة" حيت يقول ﵀ "الله ﵎ على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله. وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان " ٤٨ شذرات البلاتين، وقال في الرد على الجهمية: ١٣٧: " وهو على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان". ٧ هو عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك. كان قد لزم مالكًا لزومًا شديدًا، وكان لا يقدم عليه أحدًا. وثق، وقال البخاري: في حفظه شيء، وقال أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: هو لين في حفظه وكتابه أصح. وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة. ولد سنة نيف وعشرين ومائة، وتوفي بالمدينة في رمضان سنة ١٨٦هـ. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: توفي سنة ٢٠٦ ثم قال: فهذا الصواب في وفاته وما عداه فوهم وتصحيف. انظر ترجمته في: "ميزان الاعتدال ٣/٥١٣" و"الديباج المذهب لابن فرحون ١/ ٤٠٩ و"سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٧١".
[ ١٨٦ ]
أنس رحمة الله عليه١ وقد رواه غير وحد مع ابن نافع عن مالك بن أنس، وكذلك رواه الثقات عن سفيان بن سعيد الثوري٢٣ وروي نحوه عن/ الأوزاعي٤٥ وهؤلاء أئمة الآفاق. واعتقاد أهل
_________________
(١) ١ قال الإمام أحمد حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك: "الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان". انظر: "مسائل أحمد من رواية أبي داود ٢٦٣"، "السنة لعبد الله بن أحمد ص٦٢"، "والشريعة للآجري ٢٨٩"، "وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٦٧٣". ٢ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه، إمام حجة، قال فيه شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وكان ربما دلس. توفي سنة ١٦١هـ وله أربع وستون سنة. انظر: "ترجمته في التقريب١/ ٣١١" و"تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٢" و"ميزان الاعتدال ٢/ ٦٩". ٣ انظر: "السنة لعبد الله بن أحمد ص ٧٢" و"البخاري: خلق أفعال العباد ١٢٢" و"الآجري: الشريعة ٢٨٩" و"اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٦٧٢". ٤ هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو الفقيه ثقة جليل، قال ابن سعد: وكان ثقة مأمونًا صدوقًا فاضلًا خيرًا كثير الحديث والعلم والفقه حجة. مات ببيروت سنة ١٥٧هـ. انظر ترجمته في: "التقريب ١/ ٤٩٣" و"طبقات ابن سعد ٧/ ٤٨٨". ٥ انظر: "البيهقي: الأسماء والصفات ٤٠٨" فقد روى عنه ﵀ قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا".
[ ١٨٧ ]
الحق أنّ الله سبحانه فوق العرش بذاته ١ من غير
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة على أنّ الله ﷿ مستو على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل. نقل إجماعهم على ذلك كثير من الأئمة الأعلام، كالإمام الأوزاعي حيث يقول: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفات الله جل وعلا". روى ذلك عنه البيهقي في الأسماء والصفات ٤٠٨ كما تقدم. كما نقل ذلك ابن أبي حاتم وأبو زرعة الرازي: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء من جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وأنّ الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف أحاط بكل شيء علمًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ روى ذلك اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم ٣٢١. ومنهم الإمام أبو عمر الطلمنكني إذ يقول في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أنّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأنّ الله تعالى فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء" نقلًا عن العلو للذهبي ١٧٨. ومنهم الحافظ ابن عبد البر: "ت ٤٦٣": قال بعد إيراده لحديث النزول "وفيه دليل على أنّ الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إنّ ﷿ في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ التمهيد ٧/ ١٢٩ وقال في الرد على استدلال أهل التأويل بقول الله ﷿ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قال: فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التآويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: "هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله". المصدر السابق ٧/ ١٣٨- ١٣٩. فبان بهذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول أنّ القول باستواء الله على عرشه حقيقة هو قول سلف هذه الأمة من التابعين وأتباعهم أهل القرون المفضلة وهم القوم. والذين حكوا الإجماع على ذلك كثير. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل أقوال عدد من أهل العلم في حكاية الإجماع على استواء الله على عرشه: "وهذا باب واسع لا يحصيه إلا الله تعالى، فإن الذين نقلوا إجماع أهل السنة أو إجماع الصحابة والتابعين على أنّ الله فوق العرش بائن من خلقه لا يحصيهم إلا الله " بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٥٣١ وهو كما قال رحمة الله. وأما إطلاق لفظ "بذاته" فلم يعرف قبل القرن الثالث: وأول من نقل عنه إطلاقها فيما وقفت عليه ابن أبي شيبة "ت ٢٩٧". انظر: كتاب العرش له ص ٥١، ثم أطلق ذلك بعده ابن أبي زيد القيرواني "ت ٣٨٩" وأبو عمر الطلمنكي وأبو نصر السجزي – المؤلف – وابن عبد البر وغيرهم. وأومأ الإمام الذهبي إلى أنّ ذلك من فضول الكلام الذي يحسن تركه، وأنكر على السجزي نسبة ذلك للأئمة كسفيان الثوري والإمام مالك وغيرهما، والحق أنه لم يثبت عن سفيان وطبقته إطلاق ذلك "العلو: ١٧١، ١٨٠". ولعل السجزي نسبها إليهم بالمعنى وأنهم يثبتون الاستواء على الحقيقة. والذي دعا هؤلاء إلى إطلاق لفظ "بذاته" هو أنّ الجهمية لما قالوا إنّ الاستواء مجاز صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته مبالغة في إثبات استواء المولى ﷿ على عرشه على الحقيقة. وذلك مثل إطلاقهم في القرآن: أنه كلام الله غير مخلوق. فإن الصحابة لم يصرحوا بلفظ "غير مخلوق" وإنما كانوا يقولون القرآن كلام الله. فلما ظهر من يقول إنه مخلوق دعا ذلك الأئمة إلى أن يصرحوا بأنه غير مخلوق وأنكر الإمام أحمد على من يقول: كلام الله ويسكت فقال ولِمَ يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت ولكن حيث تكلموا لأي شيء لا يتكلمون "روى ذلك عنه أبو داود في مسائله ص ٢٦٣ – ٢٦٤" وانظر: " ابن القيم: مختصر الصواعق ٢/ ١٣٤ "، "والألباني مختصر العلو ١٨ – ١٩" ففيهما مزيد بيان.
[ ١٨٨ ]
مماسة١ وأن الكرامية ٢ ومن تابعهم على قول المماسة ضلال ٣.
وقد أقر الأشعري بحديث النزول٤٥ ثم قال: [النزول فعل
_________________
(١) ١ الأولى عدم إطلاق لفظ المماسة نفيًا أو إثباتًا؛ لأنه لم يرد نفيه ولا إثباته عن الشارع. ٢ الكرامية: هم أصحاب وأتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني "المتوفى سنة ٢٥٥" الذي بالغ في إثبات الصفات إلى حد التجسيم، وهم فرق وطوائف بلغ عددها اثنتي عشرة فرقة. وقد أطلق ابن كرام في كتابه: "عذاب القبر" إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا. وقال بعضهم امتلأ العرش به. انظر: عن هذه الطائفة: "الشهرستاني: الملل ١/ ١٠٨ – ١٠٩" والبغدادي: "الفرق بين الفرق ٢١٦" و"ابن حزم: الفصل ٤/ ٢٠٤" و"الاسفرائيني: التبصير في الدين ٢٦٥ و"الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٦٧". ٣ الكلام من قوله: "واعتقاد أهل الحق – إلى هنا -: اقتبسه بنصه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتاب بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٦٦" وقد قابلته به هنا. ٤ حديث النزول: أخرجه البخاري: كتاب التهجد باب الدعاء والصلاة في آخر الليل ٣/ ٢٩ حـ ١١٤٥ من حديث أبي هريرة. م: كتاب صلاة المسافرين / باب الترغيب والدعاء في آخر الليل١/ ٥٢١حـ ١٦٨. ٥ انظر: الإبانة ص ٢٩ حيث صرح ﵀ بذلك فقال: "ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأنّ الرب ﷿ يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر "وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل".
[ ١٩٠ ]
له يحدثه في السماء] ١.
وقال بعض أصحابه: [المراد به نزول أمره] ٢ ونزول الأمر عندهم لا يصح٣ وعند أهل الحق الذات بلا كيفية ٤ ٥.
_________________
(١) ١ هذا القول ليس فيما بين أيدينا من كتبه، ولكن عزاه له البيهقي فقال: " وهكذا قال - أي الأشعري - في أخبار النزول أنّ المراد فعل يحدثه الله ﷿ في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نزولًا بلا حركة ولا نقله": "الأسماء والصفات ٤٤٩". وأشار ابن تيمية إلى أن هذا مذهب الأشعري وأصحابه. فقال ﵀: "ومعنى ذلك - أي معنى النزول والقرب - عنده - الأشعري - وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته أنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا كما قال: إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء. . . إلى أن قال – الأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش بذاته، لكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم نفي قيام الأفعال الاختيارية به" "شرح حديث النزول ٥١" وانظر أيضًا: "أصول الدين للبغدادي ١١٣". ٢ انظر هذا المعنى لدى ابن فورك في "مشكل الحديث" ص ٨٠ – ٨١. ٣ بناء على قولهم في كلام الله: "إنه نفسي قائم بذاته" فلا يتصور نزوله. ٤ في الأصل "لا كيفية". والمراد بلا كيفية نعلمها. ٥ هذا مذهب السلف في هذا الباب يقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀: "وينزل ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف يشاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". رسالة السنة ٣٧. ويقول شيخ الإسلام الصابوني ﵀ في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى سماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف" "مجموع الرسائل المنبرية ١/ ١١٢". ونقل الإمام ابن القيم التصريح بلفظ: "ينزل بذاته" عن جماعة من أهل العلم كنعيم ابن حماد وإن لم يصح الحديث المرفوع الذي روى من طريقه في ذلك. وعلى أي حال فقد تقدم في المسألة الاستواء قريبًا الكلام على إطلاق بعض العلماء لفظ "بذاته" فيقال هنا ما قيل هناك. والله أعلم.
[ ١٩١ ]
وزعم الأشعري: أن الله سبحانه غير ممازج للخلق وغير مباين لهم، والأمكنة غير خالية منه، وغير ممتلية به١.
وهذا كلام مسفت٢ لا معنى تحته، وتحقيقه النفي بعد الإثبات.
وبعض أصحابه وافق المعتزلة وسائر الجهمية في قولهم: إن الله بذاته في كل مكان٣ / وذكر عن بشر المريسي٤ أنه قيل له: فهو في جوف حمارك فقال نعم٥.
_________________
(١) ١ هذا مذهب متأخري الأشعرية كالرازي حيث يقول: "إنا ندعي وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات الست". انظر: أساس التقديس ص ٤ ط حلبي. ٢ في القاموس: سفت: كسمع أكثر من الشراب ولم يرو، والسفت: بالكسر: الزفت، وككتف: طعام لا بركة فيه. "١/ ١٥٥". وعليه فالكلام المسفت: هو الذي لا بركة فيه ولا معنى تحته كما أشار المؤلف ﵀. ٣ لم أقف على من قال بذلك منهم. ٤ تقدمت له ترجمة. ٥ قال ابن عبد البر: قال- أبو داود- وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: "حدثني محمد بن عمرو الكلابي، قال سمعت وكيعًا يقول: كفر بشر المريسي في صفته هذه، قال: هو في كل شيء، قيل له: وفي قلنسوتك هذه؟ قال نعم. قيل له: وفي حمارك؟ قال: نعم". انظر: "التمهيد ٧/ ١٤٣".
[ ١٩٢ ]
ومن قال هذا فهو كافر، والله سبحانه متعال عما قالوه.
وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان١.
وقد ثبت الحديث الذي في موطأ مالك٢ بن أنس ﵀ وفي
_________________
(١) ١ إطلاق لفظ المكان في حق الله ﷿ نفيًا أو إثباتًا من الأمور التي لم يرد بها كتاب ولا سنة وينبغي الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ والوقوف عند ما ورد به النص من استواء الله على عرشه فوق سماواته. لأن لفظ المكان من الأمور التي تحتمل حقًا وباطلًا ولأهل العلم تفصيل في ذلك:
(٢) فقد يراد بالمكان أمر وجودي وهو ما يحوي الشيء ويحيط به، أو ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجًا إليه. والله ﷿ منزه عن المكان بهذا المعنى الذي يقتضي الإحاطة والافتقار وهذا الذي قصد المصنف نفيه عن الله ﷿ بقوله "بحيث لا مكان".
(٣) وقد يراد بالمكان: أمر عدمي: وهو ما فوق العالم من العلو. والله ﷾ فوق العالم غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته. فيصح إطلاق أن الله في مكان بهذا المعنى. وإن كان الأولى الإمساك عن إطلاق هذا اللفظ نفيًا أو إثباتًا كما قدمت والانتهاء حيث انتهت النصوص من إثبات العلو المطلق في حقه ﷾ وأنه مستو على عرشه كما أخبر. راجع: "ابن تيمية: منهاح السنة ٢/ ١٠٦" و"الألباني: مقدمة مختصر العلو ٧٢". ٢ انظر الموطأ: كتاب العتق والولاء/ باب ما يجور من العتق في الرقاب الواجبة ٢/ ٧٧٦ حـ ٨ من حديث عمر بن الحكم. وهو خطأ والصواب معاوية بن الحكم كما نبه إلى ذلك ابن عبد البر في الحاشية.
[ ١٩٣ ]
غيره من كتب العلماء١: أنّ النبي ﷺ قال للجارية التي أراد عتقها من عليه عتق رقبة مؤمنة: " أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة".
وعند الأشعري أن من اعتقد أن الله بذاته في السماء فهو كافر٢.
وإن زمانا يقبل فيه قول من يرد على الله سبحانه، وعلى الرسول ﷺ، ويخالف العقل، ويعد مع ذلك إمامًا، لزمان صغب٣ والله المستعان.
ولقد قال الأوس بن حارث بن ثعلبة٤ عند موته قصيدة يوصي
_________________
(١) ١ انظر: م: كتاب المساجد/ باب تحريم الكلام في الصلاة ١/ ٣٨١ حـ ٣٣ من حديث معاوية بن الحكم السلمي أيضًا. د: كتاب الأيمان والنذور/ باب الرقبة المؤمنة ٣/ ٨٥٧ حـ٣٢٨٢. وفي الصلاة/ باب تشميت العاطس في الصلاة ١/ ٥٧٠ حـ ٩٣٠. حم: مسند أبي هريرة ٢/ ٢٩١ مسند الشريد بن سويد الثقفي ٤/ ٢٢١ مسند معاوية بن الحكم ٥/ ٤٤٧. ن: وصايا/ باب فضل الصدقة عن الميت ٦/ ٢١١ من حديث الشريد بن سويد الثقفي. ٢ لم أعثر على تخريج هذا النص عنه. ٣ في اللسان: يقال لبيضه القملة: صغاب وصؤاب "١/ ٥٢٥" المصغبة لغة في "المسغبة" وهي الجوع. انظر: "تاج العروس ١/ ٣٣٥" والمعنى أن هذا زمان لا خير ولا فائدة فيه ما دام الحال فيه ما ذكر. ٤ هو جد قبيلة الأوس، ارتحل هو وأخوه الخزرج من اليمن إلى نجران ثم مكة المكرمة ثم إلى يثرب حيث أقاما بها، وإليهما تنسب الأوس والخزرج الأنصار بالمدينة. انظر ترجمته لدى: "اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٠٣"، "وابن قتيبة: المعارف ١٠٩" "وابن حزم: جمهرة أنساب العرب ٣٣٢" "والزركلي: الأعلام ١/٣٧٤".
[ ١٩٤ ]
فيها إلى ابنه مالك١ وذلك قبل الإسلام فيها:
فإن تكن الأيام أبلين أعظمي وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربا عليٌ فوق عرشه عليمًا بما نأتي من الخير والشر٢
وقال غيره قبل الإِسلام:
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا ٣
_________________
(١) ١ نفس المراجع. ٢ لم أجد تخريجهما. ٣ البيت لعبد الله بن رواحة كما أشار المصنف، أخرجه الدارمي مع بيت قبله وآخر بعده بسنده إلى قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب أن عبد الله بن رواحة ﵁ وقع بجارية له فقالت له امرأته: فعلتها؟ قال أما أنا فأقرأ القرآن، فقالت: أما أنت فلا تقرأ القرآن وأنت جنب فقال: أنا أقرأ لك فقال: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا تحمله ملائكة كرام وملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر. "الرد على الجهمية ٢٧". وقال ابن عبد البر في ترجمته وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة رويناها من وجوه صحاح. ثم ساق القصة وذكر الأبيات. انظر: "الاستيعاب ٢/ ٢٩٦" هذا ولم أجد من نسب هذا البيت لغير عبد الله بن رواحة لا قبل الإسلام ولا في الإسلام.
[ ١٩٥ ]
وقيل إن عبد الله بن رواحة١ قاله في الإسلام، وهو صحابي.
ومثله في الشعر وكلام العرب قديمًا كثير.
وليس٢ في٣ قولنا: إنّ الله سبحانه فوق العرش تحديد٤ وإنما التحديد
يقع للمحدثات، فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه٥ فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاقنا أن الله سبحانه٦ كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهوكما كان قبل خلق المكان) ٧.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة، أحد النقباء، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعده، قتل يوم مؤتة شهيدًا، وهو أحد الأمراء في هذه الغزوة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ. ترجمته لدى: ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٢٩٣ بهامش الإصابة. ٢ النص ما بين الحاصرتين. اقتبسه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتابه بيان تلبيس الجهمية. انظر: ١/ ٤٤٦. ٣ في "ب": "من". ٤ في "ب" زيادة: "له". ٥ في "ب" زيادة "وتعالى". ٦ في "ب": "تعالى". ٧ أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية إطلاق هذه الجملة، وأنكر على من زادها على لفظ حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه الذي فيه قوله ﷺ "كان الله ولم يكن قبله شيء" وفي لفظ "معه" وفي لفظ "غيره" وكان عرشه على الماء خ: ١٣/ ٤٠٣حـ ٧٤١٨ فزاد بعضهم: "وهو الآن على ما عليه كان" وهذه الزيادة لا تصح. ووصفها بأنها "زيادة الحادية: قصد بها المتكلمة والمتجهمة نفي الصفات التي وصف - الله -بها نفسه من استوائه على العرش ونزوله من سماء الدنيا وغير ذلك، فقالوا: كان في الأزل ليس مستويًا على العرش وهو الآن على ما عليه كان فلا يكون على العرش" انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٦٤، والفتاوى ١٨/ ٢٢١. ولا شك أنّ المصنف ﵀ بإثباته هذه الجملة لم يقصد ما قصده المتكلمة والمتجهمة من نفي الاستواء، كيف وهو الذي لم يأل جهدًا في إثبات استواء الله ﷿ على عرشه وبينونته عن خلقه، وإيراد الدلائل على ذلك والإنكار على المخالف. وإنما قصد ﵀ من إطلاق هذه الجملة: إثبات تنزيه الله ﷿ واستغنائه عن المكان الوجودي الذي هو مخلوق له، وأنه سبحانه غني عن مخلوقاته غير مفتقر إلى شيء منها. ولا ريب أنّ ترك إطلاق هذه العبارة، والوقوف عند ما ورد به النص أولى وأسلم، فإن أقل ما يقال فيها: إنها عبارة تحتمل حقًا وباطلًا ولم يرد أثر بإطلاقها، وما كان كذلك كان تركه أولى والله أعلم.
[ ١٩٦ ]
وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ما يشفي الغليل وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ١ فخص العرش بالاستواء، وذكر ملكه لسائر الأشياء فعلم أنّ المراد به غير الاستيلاء.
وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه بكل٢ مكان، وقد علم أنّ الأمكنة محدودة، فإذا٣ كان فيها بزعمهم كان محدودًا، وعندنا أنه
_________________
(١) ١ سورة طه آية "٥،٦" ٢ في "ب" "على". ٣ في"ب" "فإن".
[ ١٩٧ ]
مباين للأمكنة، ومن حلها ومن فوق١ كل محدث. فلا تحديد٢ في قولنا٣ وهو ظاهر لا خفاء به٤ هـ.
_________________
(١) ١ "من" ليست في "ب" وحذفها أظهر. ٢ في "ب" "لذاته". ٣ من قوله: "وإنما يقول بالتحديد.. - إلى هنا - اقتبسه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الرسالة في كتابه: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٤٦". ٤ اختلف السلف في قضية الحد: وهل يقال لله ﷾ حد أم ليس له حد وقبل أن نذكر أقوالهم في ذلك ينبغي أن نبين أولًا معنى الحد في اللغة فالحد في اللغة: هو الفصل بين شيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر. وحد الشيء من غيره يحده حدًا وحدده: ميزه. انظر: لسان العرب ٣/١٤٠ فالحد إذا: ما يتميز به الشيء عن غيره. والسلف مجمعون على أن الله ﷿ متميز عن خلقه بائن منهم مستو على عرشه وورد إطلاق لفظ الحد لله ﷿ بهذا المعنى عن شيخ الإسلام عبد الله ابن المبارك "ت ١٨١". فقد روى الدارمي بسنده عن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه سئل: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه- قال- قلت: بحد قال فبأي شيء انظر: الرد على الجهمية ص:٥، ورواه عبد الله ابن أحمد من عدة طرق إلى الحسن بن شقيق وفي بعضها لفظ "بحد" وليس في بعضها ذكر ذلك، انظر: السنة: ٧، ٣٥. . وروى الخلال بسنده عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن قول ابن المبارك هذا قال: قد بلغني ذلك عنه وأعجبه. وفي رواية أخرى قال: هكذا على العرش استوى بحد، قال: فقلنا له: ما معنى قول ابن المبارك بحد؟ قال لا أعرفه، ولكن لهذا شواهد من القرآن في خمسة مواضع ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو على العرش وعلمه بكل مكان. وكذلك روى عن ابن راهوية قال الخلال: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال قلت لإسحاق- يعني ابن راهوية- على العرش بحد؟ قال نعم بحد- وذكر قول ابن المبارك، نقلا عن ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: ١/٤٢٨-٤٢٩. والذي دعا هؤلاء الأئمة لإِطلاق لفظ الحد: هو أن الجهمية لما قالوا إن الخالق في كل مكان وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم بيَّن هؤلاء الأئمة أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه وذكروا الحد لأن الجهمية كانوا يقولون ليس له حد وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم. انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٤٣. ومنع بعض السلف من إطلاق الحد عليه ﷾ وهو قول: الخطابي: الذي يرى أنه لفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة فلا ينبغي إطلاقه في حق الله، لأن صفات الله إنما تؤخذ عن الله وعن رسول الله ﷺ، وأجيب بأن الذين أثبتوا الحد لم يثبتوه صفة لله. وممن منع منه: القاضي أبو يعلى في سابق قوليه وقد رجع عنه وقال بإطلاقه وروى الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: "نحن نؤمن بالله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ويحده أحد فصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية.."، نقلا عن ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية: ١/٤٣٠. فقد نفى الإِمام أحمد الحد في هذه الرواية، وأثبته في الرواية المتقدمة وأحسن ما قيل في الجمع بين الروايتين: إن إطلاق الحد يحمل على معنى أنه سبحانه: خارج العالم متميز عن خلقه، وأنه سبحانه على صفة يبين بها من غيره ويتميز. وتحمل رواية المنع: على الحد الذي بمعنى الصفة وأن خلقه لا يحدونه ولا يصفونه إلا بما وصف به نفسه ولا يدركون كنه وكيفية صفاته، كما في رواية عن أحمد "له حد لا نعلمه". أما الحد الذي نفاه الحافظ السجزي فهو الذي بمعنى الحصر فهو ﵀ ينفي عن الله ﷾ أن يكون محدودًا بشيء من الأمكنة لا تحده ولا تحصره لأنه سبحانه مباين لها، ولأنها محدثة والله سبحانه فوق المحدثات. أما الحد الذي أثبته ابن المبارك والإمام أحمد وغيرهما فهو الحد الذي بمعنى التمييز والمباينة للخلق. والإمام السجزي لا ينازع فيه بهذا المعنى. فهورحمه الله موافق للإمام أحمد وسائر السلف في إثبات علو الله على خلقه ومباينته وتميزه عن سائر مخلوقاته. والخلاف إنما هو في إطلاق لفظ الحد ولكل وجهة والاتفاق بينهم حاصل على التنزيه وإثبات العلو ومباينته سبحانه للمخلوقات. والله تعالى أعلم.
[ ١٩٨ ]