وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين (إلهًاَ) ١ في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه.
من ذلك اعترافهم بأن الله سبحانه موصوف بأن له يدًا وأن هذه الصفة إنما عرفت من جهة السمع، وأظهروا الرد على المعتزلة في ذلك.
وأهل السنة متفقون على أن لله سبحانه يدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر، قال الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٢. وقال النبيّ ﷺ: "وكلتا يدي الرحمن يمين" ٣.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل ويجوز أن تكون (لها) . ٢ سورة ص: (آية ٧٥) . ٣ أخرجه: م: الإمارة/ باب فضيلة الإمام العادل٣/١٤٥٨حـ ١٨ (١٨٢٧ من حديث عبد الله بن عمر ولفظه: قال رسول الله ﷺ:"إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿ وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". حم: ٢/١٦٠،٢٠٣. ن: كتاب آداب القضاة/ فضل الحاكم العادل في حكمه ٨/ ١٩٥ ابن منده: (الرد على الجهمية) ص ٧٣/ ح ٤٤ من حديث ابن عمر. وقال: وهذا حديث ثابت باتفاق. الآجري: (الشريعة) ص ٣٢٢ عن ابن عمر ﵄ من عدة طرق. البيهقي: (الأسماء والصفات ٣٢٤ عن ابن عمر أيضا) .
[ ٢٦٣ ]
وعند الكلابية أن له يدا واحدة١ ومن أثبت له يدي صفة فقد ضل. ثم فسروا اليد وعدلوا في التفسيرعن الظاهر إلى تأويل مخالف له فعادوا إلى المعتزلة.
والأشعري أثبت يدين لكنه وافق ابن كلاب في التأويل٢.
وكل حديث جاء في الصحيح مما يتعلق في الصفات عدلوا به إلى معنى غير الصفة. منها حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣
_________________
(١) ١ وهي التي بمعنى القدرة، أو النعمة عندهم. ٢ الواقع أن الذي انتهى إليه الأشعري في آخر مصنفاته: إثبات اليدين لله ﷿ من غيرتكييف، ورد على من أولها بالنعمة أو القدرة ردًا حسنًا أجاد فيه وأفاد ﵀. انظر: الإبانة ١٢٥ - ١٤٠ و(رسائل الثغرص ١٤٧ مخطوط بمكتبة الدراسات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٧ عقائد) . وانظر المطبوع ص ١٢٧. وما ذكره المؤلف هو مذهب المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري المتمسكين بمذهبه الكلابي الذي ثبت رجوعه عنه. وانظر مثلا: (مشكل الحديث وبيانه: ٣٨، ١٠٤، ٢٢٤) و(الإرشاد للجويني ١٥٥) . ٣ سورة الزمر: آية ٧.
[ ٢٦٤ ]
فقال١: "يحمل السموات على أصبع والأرضين على أصبع" ٢.
ومنها حديثه الثابت عنه ﵇: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع إلرحمن" رواه النواس بن سمعان ٣ وجماعة من
_________________
(١) ١ في الأصل: بالهامش. ٢ طرف من حديث أخرجه: خ: كتاب التوحيد/باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي: ١٣/٣٩٢ حـ ٧٤١٤، وحـ: ٧٤١٥ وفي باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ ١٣/٤٣٨ حـ ٧٤٥١ وفي باب/ كلام الله عزوحل يوم القيامة للأنبياء وغيرهم ١٣/٤٧٤ حـ٧٥١٣ كتاب التفسير/ تفسيرسورة الزمر باب/ وما قدروا الله حق قدره ٨/٥٥٠ حـ ٤٨١١. م: كتاب صفات المنافقين/ باب صفة القيامة والجنة والنار ٤/٢١٤٧ حـ١٩ (٢٧٨٦) . ت. التفسير: باب/ ومن سورة الزمر ٥/ ٣٧١ حـ ٣٢٣٨ ابن أبي عاصم (السنة ٢٣٨ حـ٥٤١) . ابن خزيمة (التوحيدص ٧٦) الدارقطني (كتاب الصفات ص ٢١-٢٦ حـ ١٩-٢٧) ابن منده (كتاب الرد على الجهمية ص٨٣-٦٢) البيهقي (الأسماء والصفات ٣٣٣) ٣ هو النواس به سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط الكلابي الأنصاري له ولأبيه صحبة، وحديثه عند مسلم في صحيحه، سكن الشام. (ابن حجر: الإصابة ٣/ ٥٧٦، والتقريب ٢/٣٠٨) .
[ ٢٦٥ ]
الصحابة رحمهم الله١.
ومنها (حديث) ٢ أبي هريرة عن النبي ﷺ: "يضحك الله ﷾ إلى رجلين" ٣
_________________
(١) ١ الحديث أخرحه: م: كتاب القدر/ باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ٤/ ٢٠٤٥ حـ ١٧ (٢٦٥٤) من حديت عبد الله بن عمرو بن العاص. ت: كتاب القدر/ باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ٤/٤٤٨حـ٢١١٤ من حديث أنس. حم: ٢/ ١٦٨ من حديث عبد الله به عمرو بن العاص رضي ألله عنهما و٤/١٨٢ من حديث النواس بن سمعان ﵁ و٦/ ٢٥١ من حديث عاثشة رضي الله تعالى عنها. جه: المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٧٢ حـ١٩٩ من حديث النواس (كتاب التوحيد ص ٨٠) . الدارقطني: (كتاب الصفات ص ٢٧حـ ٢٩ من حديث عبد الله بن عمرو. ابن منده: (الرد على الجهمية ٨٧ حـ ٦٨ من حديث النواس وحـ ٦٩ من حديث جابر والبيهقي (الأسماء والصفات ٣٤٠ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والنواس ﵃. ٢ في الأصل. الكلمة في الهامش من أسفل أشير إليها بعلامة لحق. ٣ طرف من حديت أخرجه. خ: الجهاد: باب الكافريقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل ٦/٣٩ حـ ٢٨٢٦ من حديث أبي هريرهَ م: الإمارة/ باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان النار ٣/١٥٠٤حـ ١٢٨، ١٢٩ من حديث أيى هريرة أيضًا. ن: الجهاد/ باب اجتماع القاتل والمقتول في سبيل الله في الجنة ٦/ ٣٢ ط. كتاب الجهاد/ باب الشهداء في سبيل الله ٢/٤٦٠حـ ٢٨ ابن خزيمة (التوحيد ص ٢٣٤) الآجري. (الشريعة ص ٢٧٧ حـ ٢٧٨) .
[ ٢٦٦ ]
وحديث أبي رزين١ في معناه٢.
ومن ذلك الغضب، والرضى، وغير ذلك، وقد نطق القرآن بأكثرها٣.
_________________
(١) ١ هو أبو رزين العقيلي. واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر العامري أبو رزين العقيلي. (ابن حجر: الإصالة ٣/٣٣٠) . ٢ ولفظه: "قال قال رسول الله ﷺ ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره قال قلت يا رسول الله أو يضحك الرب ﷿، قال نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا ". أخرجه بهذا اللفط. الإمام أحمد/ المسند ٤/ ١١ جه المقدمة/ باب فيما أنكرت الجهمية ١/٦٤ حـ١٨١. ابن أيى عاصم: (السنة ١/ ٢٤٤) والدارقطي: كتاب الصفات ص ٢٧ حـ ٣٠ واللالكائي: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص ٤١١ حـ٧٢٢ والحديث سنده ضعيف لأجل وكيع بن حدس مختلف فيه. فبينما ذكره ابن حبان في الثقات قال فيه ابن القطان مجهول الحال، وقال الذهبي لا يعرف (الميزان ٤/ ٣٣٥) وحكم الألباني بضعفه. انظر (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٤٤) . ٣ فقال تعالى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ النساء ٩٣ وقال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الفتح ٦ وقال في الرضى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المائدة ١١٩ ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ التوبة ١٠٠ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الفتح ١٨.
[ ٢٦٧ ]
وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسر منها إلا ما فسره النبي ﷺ أو الصحابي
بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها والاعتقاد بما فيها بلا كيفية١.
_________________
(١) ١ وهذا هو مذهب أهل الحق من سلف هده الأمة وخلفها، وقد ثبت عن أئمة السلف رحمة الله علينا وعليهم أنهم- قالوا في أحاديث الصفات: (تمركما جاءت ولا يفسر شيء منها) بمعنى لا يكيف. فهذا سفيان بن عيينة يقول- وقد سئل عن أحاديت العجب والضحك-: (هي كما جاءت نقر بها، ونحدث بها بلا كيف)، انظر: الصفات للدارقطني ٤٢حـ ٦٣. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث ابن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: امضها بلا كيف انظر: الصفات للدارقطني ٤٤حـ٦٧. وقد ثبت عن الإمام مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن قولهم في الاستواء: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب) وقد تقدم تخريج هذا القول عنهما. ومقصود السلف ﵏ بقولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف: إثبات حقيقة معاني ألفاظها والإيمان بها، مع نفي علمهم بكيفيتها. وليس المقصود أنهم يؤمنون باللفظ من غير فهم لحقيقة معناه. فهم يفهمون حقيقة معاني هذه الألفاظ الواردة في الصفات كالاستواء والضحك ويؤمنون بذلك على ما يليق بالله ﷾، ويفوضون في الكيفية فقط. يقول شخ الإسلام ابن تيمية: (ولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لما قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) ولما قالوا:"أمروها كما جاءت بلا كيف" فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهول. ثم قال: وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية. إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي الصفات لا يحتاج إلى أن يقول: (بلا كيف) فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: (بلا كيف) فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا (بلا كيف) . وأيضا: فقولهم أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإن هذه الألفاظ جاءت دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم غير مراد" أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة" انظر: الفتوى الحموية ص ١١٢ ضمن مجموعة نفائس.
[ ٢٦٨ ]
ولأبي بكر بن فورك الأصبهاني١ كتابان في تفسيرما ورد في القرآن من الصفات، ومعنى ما جاء في الحديث الصحيح٢ منها ما يخالف
_________________
(١) ١ هو محمد بن الحسن بن فورك الأديب المتكلم الأصولي الواعظ النحوي أبو بكر، درس مذهب الأشعري بالعراق على أبي الحسن الباهلي ثم رحل إلى نيسابور ثم إلى غزنه، بلغت تصانيفه في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن قريبا من المائة توفي مسمومًا في طريق عودته من غزنة سنة ٤٠٦هـ. ترجمته لدى (ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ٢٣٢) . و(ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤/٢٧٢) (والسبكي: طبقات الشافعية ٣/٥٢) . ٢ له كتاب (تفسير القرآن) ذكر سزكين أنه يوجد منه المجلّد الثالث ويقع في ٢٠٠ورقة. وهو محفوظ في مكتبة فيض الله. انظر: (تاريخ التراث ٢/٣٩٠) وذكره السيوطي ونقل عنه في الإتقان ٤/٢٠٢. وله كتاب (تأويل مشكل الحديث وبيانه)، وهو مطبوع متداول، وكلّه في أحاديث الصفات وسلك فيه مسلك التأويل ورد على أئمة الإثبات كابن خزيمة وغيره. وإنما جاءه الإشكال في هذه الأحاديث حينما أدخل العقل وحكمه في النص وقاس الغائب على الشاهد فذهب ينفي ويؤول ما ظن أنه مشكل ومؤد إلى التشبيه، ولو سلك سبيل السلف من الإيمان بالنص وإثبات معنى الصفة، ثم فوض العلم بالكيفية لما حصل له إشكال، فآيات الصفات وأحاديثها ليست عند السلف من المتشابه ولا من المشكل أصلًا.
[ ٢٦٩ ]
في ١ أهل السنة. ومن أتقن السنة ثم تأمل كتابيه بانَ له خلاف أبي بكر بن فورك وأصحابه للحق.
والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضررًا على عوام أهل السنة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف٢ ولم تموه. بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان٣، وإنه غيرمرئي٤ وإنه لا سمع له ولا بصر،
_________________
(١) ١ في الأصل كلمة لم أتبينها. ٢ الاستقفاء: الإتيان من الخلف. يقال: تقفيته بالعصا واستقفيته ضربت قفاه بها. (لسان العرب ١٥/١٩٣) . والمقصود هنا أن المعتزلة صرحوا بمعتقدهم في صفات الله وجاهروا به، ولم يحاولوا إخفاءه ومخادعة خصومهم والتمويه عليهم. ٣ وقال بعضهم معنى: كونه في كل مكان: أي أنه مدبر لكل مكان. ولهم قول آخر وهو أنه لا في مكان بل هو على ما لم يزل عليه انظر: (الأشعري: المقالات١/٢٨٦) ٤ وانظر لتحقيق مذهبهم في الرؤية: (القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ٢٣٢) والبغدادي: الفرق بين الفرق ١١٤) والشهرستاني: الملل والنحل ١/٤٥) و(الأشعري: المقالات١/٢٣٨) .
[ ٢٧٠ ]
ولا علم، ولا قدرة ولا قوة، ولا إرادة، ولا كلام، و(لا) ١ صفات مضافة إلى ذاته لازمة لها، بل هذه الأشياء أفعال له محدثة في غيره٢ وإن القرآن مخلوق٣، وإن من مات من غيرتوبة من أصحاب الكبائر خلد في النار مع الكفار٤ وإن الحوض والشفاعة، والميزان لا أصل لها٥، وإن من زنا أو سرق أو ارتكب كبيرة
_________________
(١) ١ في الأصل: (ولا) بالحاشية. ٢ وقالوا: هو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته هذه الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الألهية. انظر: (الشهرستاني: الملل ١/٤٤) والبغدادي الفرق بين الفرق ١١٤) وانظر تفصيل مذهبهم في باب الصفات: شرح الأصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار ص١٥١ وما بعدها) . ٣ وانظر: لتحقيق مذهبهم في ذلك: (شرح الأصول الخمسة ٥٢٨) و(المقالات ٢/٢٥٦) و(الفرق بين الفرق ١١٤) و(الملل ١/٤٤) . ٤ وانظر: شرح الأصول الخمسة ٦٦٦، والملل ١/٤٥) . ٥ فأما الحوض فقد حكى إنكارهم له: الأشعري في (الإبانة ص٢٤٥) وأومأ إليه في المقالات ٢/١٦٥ وانظر: أيضا: (السفاريني: لوامع الأنوار ٢/٢٠٢) . وأما الشفاعة: فعندهم أنها للتائبين من المؤمنين، وأن الفساق ومرتكبي الكبائر لا شفاعة لهم. انظر: (شرح الأصول الخمسة ٦٨٨-٦٩٠) و(الإبانة ١٥) و(المقالات ٢/١٦٦ الفصل ٤/٦٣) و(لوامع الأنوار ٢/٢٢٢) . وأما الميزان: فهم مختلفون فيه فمنهم من أنكره، ومنهم من أثبته لكنّه أحال وزن الأعمال به لأنها أعراض متقضية ومن هؤلاء القاضي عبد الجبار انظر: شرح الأصول الخمسة ٧٤٨) . و(متشابه القرآن ١/٢٧٤) .
[ ٢٧١ ]
خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر وسمي فاسقًا١.
وإن الدار إذا (لم) ٢ يظهر فيها قولهم دار حرب٣، وإن من انتحل مذهب أهل الأثر واعتقد ما في الأحاديث على ظاهرها حشوى٤،
_________________
(١) ١ وهذا أحد الأصول الخمسة من الأصول التي اتفق عليها المعتزلة وهو القول بـ (المنزلة بين المنزلتين، وأول من قال به: واصل بن عطاء الغزال) وانظر: لتحقيق ذلك: (شرح الأصول الخمسة ١٣٩، و٧٠١) و(الفرق بين الفرق ١١٥) و(الملل ١/٤٧) . (لم) ليست في الأصل، والمقام يقتضي إثباتها. ٣ حكى البغدادي عنهم نحو ذلك فقال: (وزعم أكثر المعتزلة أن البلدان التي غلبت عليها أهل السنة دار كفر وزعم بعضهم أنها دار فسق، وجعل للفسق دارا كما جعل الفاسق في منزلة بين المنزلتين) انظر: (أصول الدين ٢٧٠) وحكى ذلك الأشعري: عن الجبائي من المعتزلة فقال: وقال الجبائي: كل دار لا يمكن فيها أحدا أن يقيم بها أو يجتاز بها إلا بإظهار ضرب من الكفر أو بإظهار الرضى بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار كفر - قال الأشعري – وبغداد على قياس الجبائي دار كفر لا يمكن المقام بها عنده إلا بإظهار الكفر الذي هو عنده كفر أو الرضا كنحو القول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله سبحانه لم يزل متكلما به، وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها، لأن هذا كله عنده كفر، وكذلك القول في مصر وغيرها على قياس قوله وفي سائر أمصار المسلمين وهذا هو القول بأن دار الإسلام دار كفر معاذ الله من ذلك. (المقالات ٢/١٥٤-١٥٥) . ٤ في الأصل (حشو) . والحشو: من الكلام الفضل الذي لا يعتمد عليه، وكذلك هو من الناس، وحشوة الناس رذالتهم انظر: (لسان العرب١٤/ ١٨٠) وأول من عرف عنه أنه تكلم فِى الإسلام بهذا اللفظ عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله فقال: كان ابن عمر حشويا: نسبة إلى الحشو وهو العامة والجمهور – والمعتزلة تطلق على من أثبت الصفات والقدر حشويًا. انظر: (ابن تيمية بيان تلبيس الجهمية ١/٢٤٤) . وقد عدّ السلف إطلاق هذا النبز على أهل السنة: من علامة الزندقة كما روي عن أبي حاتم أنه قال: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية يريدون بذلك إبطال الأثر، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة مجبرة، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر نابتة وناصبة. انظر: (عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ١/١٣٢-١٣٣ مجموعة الرسائل المنيرية) .
[ ٢٧٢ ]
وعند التحقيق كافر.
فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء.
والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه، وقولهم في القرآن حيره١ يدعون قرآنا ليس بعربي وأنه الصفة الأزلية وأما هذا النظم العربي فمخلوق عندهم٢.
ويقولون: الإِيمان: التصديق٣.
_________________
(١) ١ أي لم يهتدوا فيه إلى الصواب: وفي اللسان يقال: تحير، واستحار، وحار: لم يهتد لسبيله، وحار يحار حيرة وحيرا أي تحير في أمره، وحيرته أنا فتحير ورجل حائر بائر إذا لم يتجه لشيء. ٤/٢٢٢ مادة: حير) . ٢ تقدم ذكر ذلك: وانظر أيضا: (الجويني في الإرشاد ١١٦ إذ يقول في معرض الردّ على المعتزلة ( فإنّ معنى قولهم – أي المعتزلة –"هذه العبارات كلام الله» أنها خلقه، -قال – ونحن لا نمنع أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلما به فقد أطبقنا على المعنى وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته» . ٣ وهذا مذهب جمهور الأشاعرة ويحكونه عن أبي الحسن: انظر: (الباقلاني: التمهيد ٣٤٦ و(الإنصاف ٥٥) والبغدادي: أصول الدين ٢٤٨) و(الشهرستاني: الملل والنحل ١/١٠١) و(الإيحبي: المواقف ٣٨٤) والآمدي: غاية المرام ٣٠٩) ولبعضهم أقوال أخرى لكن ما ذكرناه هو الذي عليه جمهورهم. والذي اسقرّ عليه أبو الحسن الأشعري في هذا الباب هو قول السلف في الإيمان (وأنه قول وعمل يزيد وينقص) انظر: الإبانة ص ٢٧) .
[ ٢٧٣ ]
وعلى أصلهم أن من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو مؤمن، (لأمرين) ١:
أحدهما: أن أصل الإيمان عندهم المعرفة كما قال جهم٢.
والثاني: أن الكلام معنى في النفس فهو إذا صدق بقلبه فقد تكلم على أصلهم به.
وعند أهل الأثر أن الإِيمان: قول وعمل يزيد وينقص، وعلماء الآفاق المتبعون كلهم على هذا القول٣.
ومخالفونا هؤلاء يقولون معنا في الظاهر مثل ذلك، وعندهم أن
_________________
(١) ١ في الأصل (لم يعين) وهو تحريف من الناسخ. ٢ وهو جهم بن صفوان، تقدمت له ترجمة ص ١٧. ومذهبه: أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى، وأن الكفر هو الجهل به. وانظر: مقالته هذه لدى: (الأشعري: المقالات ١/٢١٤ و(البغدادي: الفرق بين الفرق ٢١١) و(الشهرستاني: الملل١/٨٨) . ٣ حكى ابن عبد البر إجماع أهل الفقه والحديث على ذلك – نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في (الإيمان ٣١٣) و(قال وكيع: أهل السنة يقولون الإيمان قول وعمل..) أخرج ذلك عنه: الآجري في الشريعة: ١٤٥) . وانظر: (الإيمان: لابن أبي شيبة ص ٤٦) . وذكر شيخ الإسلام الصابوني أن ذلك قول أهل الحديث ١/١٢٣ (ضمن مجموعة الرسائل المنييرة) .
[ ٢٧٤ ]
التصديق لا مدخل للزيادة والنقصان فيه وهو الإيمان١.
وعند المعتزلة أن الاسم غير المسمى٢. وأن أهل السنة (عندهم) ٣ أن الاسم هو المسمى. وقد نص على ذلك جماعة من الأئمة (كـ) الشافعي٤، والأصمعي٥٦.
_________________
(١) ١ قارن ذلك بكلام الباقلاني حيث يقول: (نحن لا ننكر أن نطلق أن الإيمان يزيد وينقص كما جاء في الكتاب والسنة، لكن النقصان والزيادة يرجع في الإيمان إلى أحد أمرين إما أن يكون ذلك راجعًا إلى القول والعمل دون التصديق، لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان. فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان انظر: (الإنصاف ٥٧) . ٢ وانظر: (المقالات: ١/٢٥٣) . ٣ في الأصل: بالهامش. ٤ فكان ﵀ يقول:"من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة وبالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق وذلك غير مخلوق"، روى ذلك عنه الربيع بن سليمان. انظر: (ابن أبي حاتم/ آداب الشافعي ومناقبه ١٩٣) و(اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢٢١حـ٣٤٣، ٣٤٤) والبيهقي: الأسماء والصفات ٢٥٥) . ٥ وهو الإمام الحافظ حجة الأدب ولسان العرب أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، الأصمعي البصري، اللغوي الإخباري، أحد الأعلام يقال اسم أبيه عاصم ولقبه قريب ولد سنة بضع وعشرين ومائة، ومات سنة ٢١٥ وقيل ٢١٦. (الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٠/١٧٥) و(ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣/١٧٠) . وقد أخرج اللالكائي بسنده إلى حفص بن عمر السياري قال سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول: إذا سمعته يقول الاسم غير المسمى فاحكم – أو قال فاشهد – عليه بالزندقة) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢١٢ح ٣٤٦، ٣٤٧) . ٦ الواقع أن كلام الإمام الشافعي والأصمعي ليس فيه التصريح بالقول بأن الاسم هو المسمى وإنما فيه الإنكار على من يقول أسماء الله مخلوقة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا مرادهم، فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فأشهد عليه بالزندقة – قال: ولم يعرف أيضا عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى، بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة، وأنكره أكثر أهل السنة عليهم انظر: (الفتاوى ٦/١٨٧) .
[ ٢٧٥ ]
وعند الأشعري: أن الاسم الذي نختلف فيه ليس هو المسمى ولا هو غير المسمى١٢.
_________________
(١) ١ حكى الأشعري: أن ذلك قول ابن كلاب. انظر: المقالات ١/٢٥٠) . وقد نقل الإيحبي: للأشعري تفصيلا في الموضوع فقال: قال الشيخ قد يكون الاسم عين المسمى نحو الله فإنه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره نحو الخالق والرازق مما يدل على نسبته إلى غيره ولا شك أنها غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره كالعليم والقدير مما يدل على صفة حقيقية ومن مذهبه أنها لا هو ولا غيره كما مر (المواقف ٣٣٣) وقال شيخ الإسلام وهو المشهور عن أبي الحسن. (الفتاوى ٦/١٨٨) . وأما قوله الذي استقرّ عليه بآخره فهو ما أفصح عنه في الإبانة بقوله: (وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا) ص٢٢. ٢ تعليق: الكلام في قضية الاسم المسمى من القضايا التي اشتهر النزاع فيها بعد أئمة السلف الأوائل كالإمام أحمد وغيره، والذي كان معروفا عند أئمة السنة أحمد وغيره في ذلك: هو: الإنكار على الجهمية الذين يقولون أسماء الله مخلوقة أخرج اللالكائي عن إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل – وهو مختف عندي – فسألته عن القرآن فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/٢١٤حـ٣٥١. لأن الجهمية يقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق. فذمهم السلف وغلظوا القول فيهم لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء فأنكر الإمام أحمد قول الجهمية هذا لأنهم يريدون أن يتوصلوا إلى القول بأنّ القرآن مخلوق. على هذا القدر اقتصر القول في هذه المسألة في عصر الإمام أحمد، ثم اشتهر النزاع فيها بعده، وتحصل فيها عدة أقوال: الأول: أن الاسم غير المسمى – وهو قول الجهمية والمعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة والزيدية. الثاني: أن الاسم هو المسمى وأن أسماء الباري هي الباري. وهو قول أكثر أصحاب الحديث والمنتسبين إلى السنة مثل أبي بكر بن عبد العزيز، وأبي القاسم الطبري واللالكائي، والبغوي. انظر: المقالات ١/٢٥٢ و(الفتاوى ٦/١٨٧) . الثالث: أن الاسم لا هو المسمى ولا هو غيره، وأن أسماء الباري لا هي الباري ولا هي غيره. وعزاه الأشعري لبعض أصحاب ابن كلاب. الرابع: التوقف: فلا يقال: أسماء الباري هي الباري، ولا يقال: لا هي الباري، ولا هي غيره. وذكر هذه الأقوال الأربعة الأشعري في المقالات ١/٢٥٢-٢٥٣) . الخامس: وهناك قول خامس في المسألة ارتضاه ابن جرير الطبري في كتابه (صريح السنة بعد أن ذكر أن الكلام في هذه المسألة من الأمور المحدثة التي لم يرد فيها نصٌّ عن السلف. وهو أن لاسم للمسمى. فقال: (وأما القول في الاسم هو المسمى أم هو غيره فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قوله جلّ ثناؤه الصادق وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ اهـ (صريح السنة ص ١١ ضمن المجموعة العلمية السعودية) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عقب إيراده كلام الطبري هذا: (وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره) انظر: الفتاوى ٦/١٨٧) . وذكر ابن أبي يعلى أن الإمام أحمد كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى ويقول: هذا كلام محدث ولا يقول إن الاسم غير المسمى ولا هو هو، ولكن يقول: إن الاسم للمسمى اتباعا لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . انظر: (طبقات الحنابلة ٢/ ٢٧٠) .
[ ٢٧٦ ]
وعند المعتزلة أن الذي تحويه دفتا المصحف قرآن وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القاريء وكل ذلك مخلوق.
وعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق و(عند) ١ الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن وإنما هو عبارة عنه٢.
وكذلك كثير من مذهبه، يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملًا، ثم عند التفسير، والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالم يجهره٣ لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإِظهار أولئك ومجاوبتهم٤ أهل السنة وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق. نسأل الله السلامة من كل برحمته.
_________________
(١) ١ في الأصل: (وان) وهو تحريف. ٢ تقدم تخريج هذه الأقوال في ص ١٥٤. ٣ أي: يكشفه: يقال جهرت الشيء إذا كشفته. وانظر: (ابن منظور: لسان العرب ٤/ ١٤٩ مادة جهر) . ٤ كذا في الأصل ولعلها: ومجانبتهم.
[ ٢٧٨ ]