تدور أبحاث هذا الكتاب حول مسألة من أهم المسائل في باب العقيدة، وهي مسألة كلام الله ﷿.
تلك المسألة التي شدَّت إليها أنظار العالم الإسلامي ردحا من الزمن لكثرة ما دار حولها من الجدل والخلاف الذي وصل إلى حد استعمال القوة والسلطان فحصل بذلك من الفتنة والمحنة ما هو معلوم ومدون في مظانه.
واستكمالا للفائدة أحببت أن أقدم بين يدي الكتاب ودراسته، مدخلا أبين فيه الأمور الآتية:
أولًا: عرضا تاريخيا لظهور الكلام في هذه المسألة.
ثانيًا: افتراق الناس فيها وأهم وأشهر الأقوال التي انتهوا إليها.
ثالثًا: ذكر نماذج من المؤلفات التي ألفت فيها وعنيت ببيان منهج السلف.
[ ١٥ ]
المبحث الأوّل: عرض تاريخي لظهور الكلام في هذه المسألة:
لم يؤثر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الكلام في هذه المسألة ولم تعرف في زمنهم، بل كان الناس يؤمنون بجميع ما جاء في كتاب الله ﷿، بما في ذلك إخباره سبحانه عن نفسه بأنه ينادي ويتكلم ويبصر ويسمع إلى غير ذلك في دائرة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
ثم سار التابعون بعدهم على ذلك المنهج الراشد من الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله ﷿ أوفي سنة رسوله ﷺ.
فمتى حدث القول في هذه المسألة؟ ومن أول من أحدث ذلك؟.
أول من أظهر القول بإنكار كلام الله:
تشير المصادر التي بين أيدينا إلى أن: أول من عرف١ عنه إظهار القول بإنكار تكلم الله ﷿ هو (الجعد بن درهم ت ١٢٤هـ) وذلك في أواخر أيام دولة بني أمية، إذ كان الجعد مؤدبًا لمروان الجعدي أو مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
ولما أظهر مقالته طلبه بنو أمية فهرب إلى الكوفة ثم قتله بها خالد بن عبد الله القسري- عامل بني أمية فيها- في يوم عيد الأضحى حيث
_________________
(١) ١ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣٨٢، والبداية والنهاية ٩/ ٣٥، وفتاوى ابن تيمية ٢ ١/ ٢٦، والوسائل في معرفة الأوائل للسيوطي ١٢١.
[ ١٦ ]
خطب الناس وقال في خطبته: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر" ١.
لكن قبل أن يقتل هذا الضال كان قد أوحى ببدعته إلى (الجهم بن صفوان الترمذي ت ١٢٨ هـ) ٢ حيث لقيه بالكوفة وأخذ عنه، ثم نُفِيَ إلى ترمذ وبقي إلى أن قتله بأصبهان وقيل بمرو سلم بن أحوز.
ثم تلقف هذه المقالة عن أتباع جهم، بشر المريسي (ت ٢١٨) ٣ الذي كان عين الجهمية وعالمهم في عصره٤.
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية ٩/ ٣٥٠، وسرح العيون لابن نباته ٢٩٣، وميزان الاعتدال للذهبي ١/ ٣٩٩. ٢ جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي، الضال المبتدع، رأس الجهمية، قال الذهبي: هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئا، لكنه زرع شرًا عظيمًا. ميزان الاعتدال ١/٤٢٦ قتل سنة ١٢٨ ٠ انظر: البداية والنهاية ١٠/٢٧. ٣ وهو: بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي، كان من أصحاب الرأي، اشتغل بعلم الكلام وجرد القول بخلق القرآن، وحكي عنه أقوال شنيعة، ومذاهب مستنكرة كفره أهل العلم بسببها وإليه تنسب الطائفة المريسية، توفي سنة ٢١٨. انظر ترجمته لدى: الخطيب البغدادي تاريخ بغداد ٧/٥٦، وابن خلكان وفيات الأعيان ١/٢٧٧، وابن كثير البداية والنهاية ١٠ / ٢٨١، والذهبي ميزان الاعتدال: ١/ ٣٢٢. ٤ انظر: سير أعلام النبلاء١٠/ ٢٠٠.
[ ١٧ ]
ثم أخذ عن بشر أحمدُ بن أبي دؤاد١ الرجل الذي أغرى المأمون العباسي بالمحنة وإجبار الناس على القول بخلق القرآن فافتتن خلق كثير وثبت إمام السنة – أحمد بن حنبل ﵀- على الحق وصبر على الضرب والأذى.
الجذور التاريخية لهذه المسألة:
لقد عرفنا فيما سبق أن أول من تفوه بنفي كلام الله ﷿- من أهل القبلة- هو الجعد بن درهم، كما عرفنا خلفاءه الذين ورثوا عنه هذا القول وأضلوا به خلقًا وأناسي كثيرًا.
لكن هل بوسعنا أن نعرف من أين للجعد هذه المقالة الخبيثة؟.
بين أيدينا نص ذكره ابن عساكر وغيره مفاده: (أن الجعد بن درهم أخذ هذا القول عن بيان بن سمعان ٢، وبيان أخذه عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وطالوت أخذه عن خاله لبيد- ذلك اليهودي الذي سحر رسول الله والذي كان يقول بخلق التوراة ٣.
_________________
(١) ١ وهو: أحمد بن فرج بن حريز الإيادي الجهمي، كان داعية إلى خلق القرآن، توفي سنة ٢٤٠ هـ المصدر السابق ١١/١٦٩. ٢ هو بيان بن سمعان النهدي من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وقال بإلهية علي، وأن فيه جزءًا إلهيًا متحدًا بناسوته، ثم من بعده في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في أبي هاشم ولد ابن الحنفية، ثم من بعده في بيان هذا قال ابن نمير: قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار. ميزان الاعتدال: ١/٣٥٧. ٣ راجع: البداية والنهاية٩/٣٥٠، والوسائل في معرفة الأوائل للسيوطي١٣١-١٣٢.
[ ١٨ ]
فاليهود إذًا وراء هذه الفتنة، وليس ذلك بغريب عليهم فما زالوا منذ أن بعث الله رسوله محمدًا ﷺ يكيدون للإسلام ولرسول الإسلام ليلًا ونهارًا سرًّا وجهارًا، فسحروا رسول الله ﷺ، وسَمُّوه، وحاولوا قتله بإلقاء الحجارة عليه، وبعد وفاته حاولوا تفريق المسلمين وفتنتهم، كما فعل ابن سبأ الخبيث. وذلك معروف مذكور في كتب التاريخ والعقائد.
[ ١٩ ]
المبحث الثاني: افتراق الناس في مسألة كلام الله ﷿، وأهم الأقوال التي انتهوا إليها.
بعد أن بذر أولئك النفر الأخباث بذور الفتنة والخلاف في هذه المسألة. اشتغل الناس بها اشتغالًا عظيمًا، وكثر فيها الكلام والجدال؛ ولذا قيل في سبب تسمية علم الكلام: إنه سمي بعلم الكلام؛ لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه ١، حيث كثر فيها التناحر ودار حولها من الجدل ما لم يدر حول مسألة غيرها.
فقد تنازع الناس في كلام الله ﷿ نزاعًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم في ذلك فبلغت تسعة أقوال كما ذكر ابن أبي العز ٢، وقال ابن تيمية مرة ستة أقوال، ومرة قال سبعة أو تزيد٣ بينما عدها ابن القيم ثمانية أقوال ٤.
ولن أطيل على القارئ الكريم بتعداد هذه الأقوال فهي مذكورة في مظانها التي أشرت إليها وإنما اكتفي هنا بذكر ثلاثة من أهمها وأشهرها والتي يمكن اعتبارها الأقوال الرئيسة في الباب لكثرة القائلين بكل منها.
_________________
(١) ١ انظر: المواقف للإيجي ص ٩. ٢ شرح الطحاوية: ١١٩. ٣ الفتاوى ١٢/٤٩، ١٦٢. ٤ مختصر الصواعق المرسلة ٢/٢٨٦.
[ ٢٠ ]
القول الأوّل: قول السلف من أهل الحديث والسنة. وهو أنَّ كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه سبحانه يتكلم إذا شاء بما شاء، وأن كلامه يسمع ويتلى وأنه بحرف وصوت.
القول الثاني: قول الجهمية والمعتزلة وهو: أن كلام الله مخلوق خلقه في غيره، وليس هو بمتكلم عند الجهمية، بينما يطلق المعتزلة أنه متكلم١ تقية- لئلا يشنع عليهم. إذ معنى أنه متكلم عندهم: أنه فعل الكلام وخلقه في غيره وهذا بعينه قول الجهمية ٢.
وهؤلاء يقولون: إن كلامه حرف وصوت، سور وآيات له أجزاء وأبعاض.
القول الثالث: قول الكلابية والأشاعرة: وهو: أن كلام الله تعالى معنى قائم بالنفس لازم لذاته تعالى لزوم الحياة والعلم، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وإرادته، ولا يتكلم بحرف وصوت. وأن الحروف والأصوات حكاية عن كلامه عند (الكلابية)، وعبارة عنه (عند الأشاعرة) وأن كلامه معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية، كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا.
_________________
(١) ١ انظر: المغني للقاضي عبد الجبار ٧/٣. ٢ راجع الفتاوى ١٢/٣١١.
[ ٢١ ]
وأول من عرف عنه هذا القول (عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم وافقه عليه الأشعري والقلانسي وغيرهما) ١.
والرد على هذا القول هو موضوع كتاب (الرد على من أنكر الحرف والصوت) الذي أقدم هذه الدراسة بين يديه.
هذه أهم الأقوال التي قيلت في الموضوع لخصتها للقارئ بإيجاز والقصد إعطاؤه فكرة موجزة وإلمامة مقتضبة عما قيل في هذه المسألة، إذ ليس المراد إحاطته علما بدقائق ما قيل وتفاصيل ما أوجزت، فإن ذلك مما يضيق عنه هذا المبحث وهو مدون في مظانه ومصادره التي أشرت إلى طائفة منها.
ثم بعد ذلك نشأ الخلاف في عدة مسائل، كمسائل اللفظ والملفوظ والتلاوة والمتلو، وهل يقال لفظي بالقرآن مخلوق ٢، أو غير مخلوق فمنع التلفظ بالعبارتين إمام أهل السنة ﵀- أحمد بن حنبل- وجهّم من قال: لفظي بالقران مخلوق، فقال: «من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي» ٣.
_________________
(١) ١ سيأتي التعريف بهم. ٢ وكان أول من أظهر هذه المسألة حسين بن علي الكرابيسي، في زمن الإمام أحمد. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/٢٨٩. ٣ انظر: السنة له ص ٤٩ ضمن شذرات البلاتين.
[ ٢٢ ]
المبحث الثالث: في ذكر نماذج من المؤلفات التي عنيت ببيان مذهب السلف في المسألة.
لما اشتد افتتان الناس بهذه المسألة، وعمت البلوى بها وعميت الحقيقة على عامة الأمة بادر علماء السلف لإيضاح الحقيقة ورد الحكم في هذه المسألة وغيرها إلى كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ فألفوا في ذلك المؤلفات التي تبين منهج الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالح في هذا الباب، وردوا على أهل الباطل باطلهم، وبينوا للناس ضلالهم وكشفوا عوارهم وبينوا أنهم دعاة فتنة وإلحاد في أسماء الله وصفاته.
فمن تلك المؤلفات ما هو عام في بيان السنة في كثير من مسائل العقيدة، ومنها ما هو خاص بمسألة القرآن.
فمن النوع الأوّل:
١- كتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإِمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١ هـ) .
٢- كتاب السنة للإِمام أحمد أيضًا.
٣- كتاب السنة لعبد الله بن الإِمام أحمد (ت ٢٩٠ هـ) .
٤- كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ت٢٨٠هـ) .
٥- كتاب الرد على بشر المريسي للدارمي أيضًا.
٦- كتاب الرد على الجهمية لابن منده (ت ٣٩٥ هـ) .
[ ٢٣ ]
٧- شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإِمام اللالكائي (ت٤١٨هـ) .
٨- الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) .
٩- الإِبانة لابن بطه (ت ٣٨٧ هـ) .
ومن النوع الثاني:
١- كتاب الحيدة في الرد على المريسي للمكي عبد العزيز بن يحيى الكناني (ت ٢٤٠ هـ) .
٢- كتاب خلق أفعال العباد للإِمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) .
٣- كتاب الاختلاف في اللفظ للإِمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) .
٤- الإِبانة في مسألة القرآن لأبي نصر السجزي (المؤلف) (ت ٤٤٤هـ) .
فهذه نماذج من الكتب المؤلفة في الباب وهناك الكثير غيرها.
[ ٢٤ ]