القسم الثاني: الكتَاب المُحقَّق
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد (المغدى) ١ بن عبد الله الأيوبي، قلت: أخبركم الشيخ الإمام العارف أبو محمد المبارك بن المبارك بن علي ابن نصر السرّاج، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة من سنة خمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد الأصفهاني٢ قال: ناولني الشيخ العالم أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني٣ الحافظ ﵀. قال:
(مقدمة المؤلف)
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله أجمعين.
أما بعد:
فقد ذُكر لي عنكم، وفقنا الله وإياكم لمرضاته وقوفكم
_________________
(١) ١ في الأصل: الكلمة غير واضحة تحتمل ما أثبتُ وتحتمل أن تكون (المفدى) . ٢ تقدم الكلام على رجال السند عن الكلام على سند النسخة. انظر: الباب الثاني من الدراسة. ٣ هو: المصنِّف وقد تقدمت ترجمته. انظر: الباب الأوّل من الدارسة (التعريف بالمؤلِّف) . ٤ العنوان ليس في الأصل.
[ ١١٣ ]
على كتاب (الإبانة) ١ الذي ألفته في الرد على الزائغين٢ في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم٣/ يشغبون٤ عند ذكر الحرف والصوت، وأنه قد صعب عليكم تجريد القول فيهما، واستخراج ذلك من الكتاب لكثرة الأسانيد المتخللة٥ للنكت التي تحتاجون إليها، وسألتم إفراد القول في هذا الفصل بترك الأسانيد، ليسهل عليكم الأخذ بكظم٦
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه في الباب الأوّل من الدراسة عند الكلام على مؤلَّفاته. ٢ الزيغ: الميل. ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تملنا عن الهدى والقصد ولا تضلّنا. انظر: ابن منظور: اللسان ٨/٤٣٢. والمراد هنا: المائلين عن قول الحقّ في هذه المسألة. ٣ وهو: مدينة زبيد. كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في: (درء تعارض العقل والنقل ٢/٨٣) و(بيان تلبيس الجهمية ١/٤٤٦) . وتقدم توضيح ذلك عند الكلام على إثبات نسبة الرسالة للمؤلِّف. انظر: ص: (٧٦-٧٧) . ٤ الشَّغْب "بسكون الغين" تهييج الشرّ والفتنة والخصام. والعامة تفتحها. وشَغَب فلان عن الطريق، يشغَب شغْبًا، وفلان مِشغَب: إذا كان عاندًا عن الحقّ. والشغب: الخلاف. انظر: ابن منظور: لسان العرب ١/٥٠٤، والرازي: مختار الصحاح ص: ٣٤٠. ٥ في الأصل: (المتحللة) بالحاء المهملة، وهو تصحيف. ٦ الكَظَم – بفتح الكاف والظا -: مخرج النفس. يقال: كظمني وخذ بكَظَمي، وأخذ بكَظَمه، أي: بحلقه. ويقال: أخذت بكَظَمِه، أي: بمخرج نفسه. ابن منظور: في لسان العرب١٢/٥٢٠.
[ ١١٤ ]
المخالف، (ورد الإِسناد معه) ١ وسامحت نفسي٢ بذلك، رجاء وصولكم إلى طلبتكم، وحصول العلم لكم بفساد مذهب الخصم، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب٣
_________________
(١) ١ هذه العبارة لم يتضح لي المراد بها، فأثبتها كما هي لوضوحها في النسخة أولا، ثم إنه قد يجد القارئ الكريم لها مناسبة. ٢ أي: وافقت على المطلوب. يقال: سمح لي فلان، أي: أعطاني، واسمح، وسامح وافقني على المطلوب. ويقال: أسمحت نفسه إذا انقادت. انظر: ابن منظور: لسان العرب٢/٤٨٩ ٣ واسمه: عبد الله بن سعيد – ويقال: ابن محمّد – أبو محمّد بن كلاب القطان، وكلاب مثل خطاف وزنًا ومعنى، لقب به لأنه كان لقوته في المناظرة يجتذب من يناظره. توفي بعد الأربعين ومائتين. وإليه تنسب الطائفة الكلابية. انظر ترجمته لدى: ابن النديم: الفهرست ٢٥٥، وذكر أنه كان يقول: إن كلام الله هو الله، وأنكر ذلك السبكي في طبقات الشافعية١/٥٢، والحقّ أنه أوّل من عرف عنه القول بأن الكلام معنى واحد قائم بالنفس، وأن الله لم يتكلم بصوت، كما أشار المصنف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وليس من طوائف المسلمين من أنكر أن الله يتكلم بصوت إلا ابن كلاب ومن اتبعه، كما أنه ليس في طوائف المسلمين من قال: إن الكلام معنى واحد قائم بالمتكلم إلا هو ومن اتبعه". الفتاوى٦/٥٢٨. وانظر عن مذهبه: مقالات الأشعري١/٢٤٩-٢٥٠، و٣٥٠، والشهرستاني: الملل والنحل١/١٤٨، ونهاية الأقدام ١٨١، ٢٠٣، والبغدادي: أصول الدين ٨٩، ٩٠، ٩٧، ١٠٤.
[ ١١٥ ]
والقلانسي١ والصالحي٢ والأشعري٣. وأقرانهم الذين يتظاهرون
_________________
(١) ١ هو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي – قال ابن عساكر: من معاصري أبي الحسن الأشعري لا من تلامذته كما قال الأهوازي واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات. وعلق الشيخ الكوثري على ذلك بقوله: "بل هو متقدم على الأشعري من حيث الذب عن السنة، وأعلى طبقة منه وكان لسان السنة قبل رجوع الأشعري عن الاعتزال"،قال: "والأشعري تأخر عنه ذبًا عن السنة ووفاة وإن أدركه سنًا". انظر: تبيين كذب المفتري ص:٣٨٩، حاشية (١)، ولم أجد له ترجمة في غيره من كتب التراجم التي توفرت بين يدي. انظر مذهبه لدى البغدادي في أصول الدين ص: ٤٠، ٤٥، ٦٧، ٥٤، والفرق ص:٨٠، ٩٦، ٢١٣، ٢٢١، والشهرستاني في: الملل والنحل١/٩٣. والشيخ الكوثري إنما يقصد بالسنة، المذهب الكلابي الذي اعتقده الأشعري ردحًا من الزمن، وكذا القلانسي، ولا يقصد بالسنة القول بما في الأحاديث والآثار من الصفات، فمعلوم موقفه من السنة وأهلها وتجهيله لهم وتأويله لآيات الصفات والأحاديث الواردة فيها. ولم يذكر لنا الشيخ الكوثري المرجع الذي استند إليه في كلامه عن القلانسي وتقدمه على الأشعري ولو ذكره لأفادنا. وذكر الدكتور حسين القوتلي محقِّق كتاب (فهم القرآن للمحاسبي) أن وفاة القلانسي كانت سنة: ٣٥٥هـ. انظر: مقدمة للكتاب ص:. ٢ الصالحي: لم أعرف من هو. ٣ هو: أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (٢٦٠-٣٢٤هـ) يتصل نسبه بأبي موسى الأشعري ﵁، كان أوّلًا معتزليًا ثم رجع عن ذلك وتاب وألف في الرد على المعتزلة كتاب الإبانة، وغيره، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية على أنهم يخالفونه إلى ما قد تاب منه ورجع عنه. انظر ترجمته لدى ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ص: ١٤٧، والأنساب ص:٣٩، والسبكي في طبقات الشافعية٢/٢٤٥، وابن خلكان: وفيات الأعيان٢/٢٨٥، وابن العماد: شذرات الذهب٢/٣٠٣.
[ ١١٦ ]
بالرد على المعتزلة١ وهم معهم بل أخس حالًا منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق٢ وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات٣ وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة.
وقالت العرب٤: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى [٤ – أ] فالاسم
_________________
(١) ١ المعتزلة: "بضم الميم وسكون العين وفتح التاء" نسبة إلى الاعتزال وهو الاجتناب. وسبب تسميتهم بذلك أن شيخهم ومقدمهم، واصل بن عطاء الغزال ٨٠- ١٣١هـ كان هو وعمرو بن عبيد١٤٢هـ من تلامذة الحسن البصري فلما أحدثا مذهبًا وهو: أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر وأنه في منزلة بين المنزلتين. اعتزلا حلقة الحسن البصري، فسموا معتزلة لذلك. ومن مقالاتهم: نفي صفات الله ﷿، والقول بأن كلام الله مخلوق، وغير ذلك. انظر عنهم وعن مقالاتهم: البغدادي في الفرق بين الفرق ص: ٢١-٢٢، و١١٤، والشهرستاني: في الملل والنحل١/٤٣، والرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص:٣٨، و٤٩، وابن الأثير في اللباب٣/٢٣١ ٢ اتسق الكلام: ضم بعضه إلى بعض، وكل ما انضم وجمع بعضه إلى بعض فقد اتسق. انظر: مادة (وسق): في لسان العرب ١٠/٣٧٩. ٣ كالمعتزلة والفلاسفة. انظر مثلًا: شرح الأصول الخمسة (٥٢٨) ونهاية الأقدام ص: (٣١٨) . ٤ أي علماء العربية، إذ هم الذين قسموا الكلام هذا التقسيم أما العرب الأوائل فلم يتكلموا في حد الكلام ما هو، ولهذا قال ابن تيمية ﵀ عند نقله لعبارة السجزي المذكورة-: (قالت - أي علماء العربية) انظر درء تعارض العقل والنقل ٢/٨٤.
[ ١١٧ ]
مثل: زيد، وعمرو، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.
فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا١ فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعمًا منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علمًا٢ وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف، وصوت، ويدخله التعاقب، والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون. وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه. كما تقول: عبد الله، وخلق الله وفعل الله.
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإِلزام/ لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها وتسليمهم العنان٣ إلى مجرد العقل، فالتزموا ما
_________________
(١) ١ أي: قبل ابن كلاب ومن قال بمقالته. ٢ بزعمهم وسيأتي الكلام على ذلك في الفصل الثامن. انظر ص: (٢٨٣-٢٨٤) . ٣ العنان "بكسر العين" هو: السير الذي تمسك به الدابة. انظر: لسان العرب ١٣/٢٩١.
[ ١١٨ ]
قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العِيان١ وخرقوا الإِجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر. وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلامًا على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم٢.
فمنهم من اقتصر على (هذا) ٣ القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام٤.
ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم. وإثبات اللغة فيه تشبيه.
وتعلقوا بشبه٥ منها: قول الأخطل٦:
_________________
(١) ١ في (درء) ٢/٨٥ ضبطها بكسر العين أي: ما لا يشك فيه. يقال رأيته عيانًا إذا لم يشك في رؤيته إياه. وأشار في الحاشية إلى أنه في نسخة أخرى: (الأعيان) والأعيان: أفاضل القوم وأشرافهم. انظر لسان العرب ١٣/٣٥٢-٣٠٣. ٢ أنظر الباقلاني: الإِنصاف ص: ١٠٦، ١٠٨، ١١٠، والتمهيد ص: ٢٥١، والشهرستاني في نهاية الأقدام ص:٣٢٠. وسيأتي مزيد بيان لذلك في الفصل الرابع. ٣ الزيادة من (درء) ٢/٨٥، والسياق يقتضيها. ٤ انظر تبصرة الأدلة للنسفي ١/٢٨١. ٥ في الأصل: (شبهه) وهو تحريف. ٦ الأخطل، هو غياث بن غوث به الصلت بن طارقة بن عمر بن بني تغلب أبو مالك (١٩-٩٠هـ) وهو شاعر نصراني، اشتهر في عهد بني أمية، ومدح خلفاءهم وله ديوان شعر مطبوع. الأعلام٥/٣١٨، وانظر ترجمته في (الشعر والشعراء لابن قتيبة) ١/٤٩٠، ط ٣ سنة ١٩٧٧ تحقيق أحمد محمود شاكر.
[ ١١٩ ]
إن البيان١ من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا٢
فغيروه وقالوا:
إن الكلام من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الكلام دليلًا٣
_________________
(١) ١ في الأصل: "البتان". وهو تصحيف. ٢ هذا اللفظ أشار إليه ابن تيمية حيث قال. وقال بعضهم لفظه: إن البيان لفي الفؤاد انظر الإِيمان ص: ١٣٢. وأشار إليه أيضًا ابن أبي العز بصيغة التمريض ثم قال: وهذا أقرب إلى الصحة. ٣ لم أجد هذا البيت في ديوان الأخطل المطبوع، وفي ثبوت نسبته إليه نظر، بل أنكر بعضهم أن يكون من شعره، وقال بعضهم إنهم فتشوا ديوان الأخطل ولم يجدوه. قال ابن تيمية وهذا يروى عن أبي محمد الخشاب. انظر المصدر السابق نفس الصفحة. انظر أيضًا. ابن أبي العز شرح الطحاوية ص: (٩٨) . وهذا البيت يورده متكلمو الأشاعرة في مصنفاتهم للاستدلال به على الكلام النفسي، وقد ذكره منهم (أبو بكر الباقلاني) مع بيت قبله في كتاب الإنصاف ص: ١١٠ فقال: وأنشد الأخطل: لا تعجبنك من أثير خطبة حتى يكون مع الكلام أصيلًا إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا وأوردهما أيضًا: الغزالي: في الاقتصاد في الاعتقاد ص: ٥٩، ولم ينسبهما للأخطل. وأورد البيت الأول غيرهما، كالآمدي في غاية المرام ص: ٩٧، وأشار محقِّقه الأستاذ حسن محمود عبد اللطيف في الحاشية: إلى أن الآمدي أورده في الأبكار ٦/ ٩٦ آ) - قال - وانظر الاقتصاد (٦٩) حيث أورد قبله بيتًا أخر وهما للأخطل كما ذكر ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية، وابن حزم في الفصل (٣/٢١٩) وقد أورده محقِّق شعر الأخطل ط ٢ دار الشرق بيروت ص ٨٠٥ ضمن ما نسب إليه، ويؤكّد الأستاذ علي السباعي - أستاذ النحو الأسبق بدار العلوم - نسبته إليه أ. هـ حاشية ٣ ص: ٩٧ غاية المرام. وتعقيبًا على قول الأستاذ المحقق "وهما للأخطل كما أشار ابن أبي العز الحنفي" أقول: "الواقع أن ابن أبي العز لم يذكر البيتين وإنما ذكر البيت الأوّل فقط ثم أشار إلى ما قيل من أنه مصنوع أو موضوع منسوب للأخطل وليس في ديوانه كما أشار إلى الرواية الأخرى للبيت، وهي. إن البيان لفي الفؤاد وقال: وهذا أقرب إلى الصحة". انظر شرح الطحاوية ص: ١٩٨ وصنيع المحقق الفاضل فيه إيهام للقارئ بأن ابن أبي العز نسب البيتين للأخطل جزمًا مع أن الواقع ما ذكرتُ، وكان من الأمانة العلمية أن يشير المحقق إلى رأي ابن أبي العز ما دام أنه تطرق إليه واستشهد بنسبته البيت للأخطل. وكذلك ابن حزم فإنه وإن كان ذكر البيت الأوّل فقط ونسبه للأخطل إلا أنه صاحب ذلك نكير شديد. ولم يشر المحقق إلى ذلك أيضًا. وعلى فرض صحة نسبة البيت للأخطل: فليس ذلك بدليل ملزم. لأن الأخطل نصراني والنصارى قد ضلوا في مسمى الكلام، وقالوا: إن عيسى ﵇ هو نفس كلمة الله وأنه اتحد اللاهوت بالناسوت. فكيف يستدل بكلام نصراني ضال في هذا الباب. ثم إن القائلين بالاحتجاج بهذا البيت لا يحتجون في باب الاعتقاد بأحاديث الآحاد حتى ولو كان الحديث صحيحًا أخرجه الشيخان أو غيرهما. فكيف يحتجون ببيت شعر، لم يثبت نقله عن قائله بسند صحيح، ولم يتلقه أهل العربية بالقبول. ومثل هذا لا يثبت به أدنى شيء من اللغة فضلًا عن مسألة تتعلق بالاعتقاد اللهم. أهدنا سبيل الرشاد. (شرح الطحاوية ص: ١٩٨، والإيمان لابن تيمية ١٣٢ بتصرف) .
[ ١٢٠ ]
وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم في قول [٥-أ] الله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١ وفي قوله ﷿: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
_________________
(١) ١ سورة المجادلة: آية (٨) .
[ ١٢١ ]
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ١.
واحتجوا بقول العرب: ":أرى في نفسك كلامًا، وفي وجهك كلامًا" ٢.
فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام، وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه.
ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب، ويقمع، ولكن لما عدم من ينظر في أمر المسلمين محنّا ٣ بالكلام مع من٤ ينبغي أن يلحق بالمجانين.
وأصل٥ تلبيسهم على العوام وتموههم ٦ على المبتدئين هو أن
_________________
(١) ١ سورة يوسف: آية (٧٧) . ٢ انظر مثلا: الباقلاني في التمهيد ص ٢٥١، والانصاف ص ١١٠.. ٣ أي: ابتلينا. يقال محنته وامتحنته بمنزلة خبرته واختبرته، وبلوته وابتليته انظر: لسان العرب ١٣/٤٠١. ٤ في الأصل زيادة (أن) هنا. ولعله خطأ من الناسخ. ٥ في الأصل هكذا (وصل) بدون ألف، والصواب إثباتها. ٦ التمويه: التلبيس، ومنه قيل للمخادع: مموه، وقد موه فلان باطله إدا زينه وأراه في صورة الحق. ابن منظور: لسان العرب١٣/٥٤٤.
[ ١٢٢ ]
الحرف والصوت لا يجوز أن يوجدا١ إلا عن آلة وانخراق مثل: الشفتين [٥-ب] والحنك٢ وأن لكل حرف مخرجًا معلومًا، وأن الله سبحانه ليس بذي أدوات بالاتفاق، فمن أثبت الحرف والصوت في كلامه فقد جعله جسمًا ذا أدوات، وهو كفر٣ قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤ فيجب أن لا يكون ككلامه كلام.
ونفوس ذوي النقص مسرعة إلى قبول هذا التمويه، يظنون أن في ذلك تنزيها لله سبحانه والأمر بخلاف ذلك.
وزاد علي بن إسماعيل الأشعري في التمويه فقال: "قد أجمعنا على أن لله سبحانه سمعًا، وبصرًا، وكلامًا، ووجهًا، واتفقنا على أن سمعه بلا انخراق، وبصره بلا انفتاح، ووجهه بلا تنضيد٥ فوجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت"٦ وقالوا جميعًا: إن أحدًا من السلف لم يقل إن كلام الله حرف وصوت، فالقائل بذلك محدث، والحدث في الدين
_________________
(١) ١ في الأصل (يوجد) هكذا بدون ألف وهو تحريف. ٢ الحنك من الإِنسان والدابة: باطن أعلى الفم من داخل، وقيل هو الأسفل من طرف مقدم اللحيين من أسفلهما. انظر: لسان العرب١٠/٤١٦. ٣ انظر مثلًا: الباقلاني في الإِنصاف ص: ٧٩، و. ١٢. ٤ سورة الشورى آية ١١ وتمامها ﴿ وهو السميع البصير﴾ ٥ تنضيد: يقال: نضدت المتاع أنضِده بالكسر نضدًا ونضّدتُه جعلت بعضه على بعض. ابن منظور: لسان العرب ٣/٤٢٣. ٦ لم أجد هذا الكلام في شيء من كتب أبي الحسن الأشعري التي وصلت إلينا ولعله في بعض كتبه التي ألفها قبل رجوعه إلى مذهب السلف. والله تعالى أعلم.
[ ١٢٣ ]
مردود١ والأشعري خاصة أضرب٢ قوله في هذا الفصل فقال في بعض كتبه [٦-أ]: "كلام الله ليس بحرف ولا صوت كما أن وجهه ليس بتنضيد وكلام كلّ متكلم سواه حرف وصوت"٣.
وقال في غير ذلك من كتبه: "الكلام معنى قائم بنفس المتكلم كائنًا من كان ليس بحرف ولا صوت"٤.
وإثبات قولين مختلفين في باب التوحيد، وإثبات الصفات تخبط، وضلال، والعقليات بزعم القائلين بها لا تحتمل٥ مثل هذا الاختلاف،
_________________
(١) ١ أجاب المصنف على قولهم هذا. انظر الفصل السادس من هذه الرسالة حيث قال بعد أن أورد الأحاديث والآثار الدالة على ذلك: "فقول خصومنا إن أحدًا لم يقل إن كلام الله حرف وصوت كذب وزور، بل السلف كلّهم كانوا قائلين بذلك " ص (٢٥٩) . ٢ يقال أضرب الرجل في البيت: أقام فيه. انظر لسان العرب (١/٥٤٧) والمعنى: أن الأشعري أقام على هذا القول وأطال الكلام فيه، والله أعلم. ٣ لم أقف على هذا القول في شيء من كتب الأشعري التي بين أيدينا - ولعله فيما لم يصل إلينا منها مما كتبه إبان إقامته على المذهب الكلابي. ٤ لم أقف على هذا القول أيضًا في شيء من كتب الأشعري التي وصلت إلينا، وقد عزا نحوه إليه الشهرستاني في نهاية الأقدام ٣٢٠ فقال: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أن الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية وبذات المتكلم وليس بحرف ولا صوت. قلت: ويحمل ذلك على المرحلة التي سبقت انتقاله إلى مذهب السلف. ٥ في الأصل (يحتمل) وهو تصحيف.
[ ١٢٤ ]
والحدود العقلية لا يرجع فيها إلا إلى من تقدم دون من أراد أن يؤسسَ١ لنفسه اليوم باختياره أساسًا واهيًا.
(فصول الرسالة)
فالذي تحتاجون إليه حفظكم الله معهم في إزالة تمويههم:
(الفصل الأول)
أن تقيموا البرهان أن الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلة للتمييز فحسب.
(الفصل الثاني)
ثم تبينوا ما السنة؟ وبماذا يصير المرء من أهلها؟ فإن كلًا يدعيها وإذا علمت وعرف أهلها بان [٦-ب] (أن مخالفها٣ زائغ لا ينبغي أن يلتفت إلى شبهه.
(الفصل الثالث)
وأن تدلوا٤ على مقالتهم أنها مؤدية إلى نفي القرآن أصلًا. وإلى
_________________
(١) ١ في الأصل (يؤسسُ) بالرفع وهو خطأ لأنه منصوب بـ (أن) . ٢ ما بين القوسين ليس في الأصل. ٣ في الأصل: (بأن مخلفها) وهو تحريف. ٤ تدلوا: يقال: دله على الشيء يدله دلًا ودلالة فاندل: سدده إليه ودللته فاندل، والدليل ما يستدل به. انظر لسان العرب١١/٢٤٨. والمقصود هنا. إقامة الدليل على أن مقالتهم مؤدية إلى نفي القرآن.
[ ١٢٥ ]
التكذيب بالنصوص الواردة فيه والرد لصحيح١ الأخبار ورفع أحكام الشريعة.
(الفصل الرابع)
ثم تبرهنوا على أنهم مخالفون لمقتضى العقل بأقاويل متناقضة مظهرون لخلاف ما يعتقدونه وذاك شبيه بالزندقة.
(الفصل الخامس)
ثم تعرفوا العوام أن فرق اللفظية، والأشعرية موافقون للمعتزلة في كثير من مسائل الأصول وزائدون عليهم في القبح، وفساد القول في بعضها.
(الفصل السادس)
وأن توردوا الحجة على أن الكلام لن يعرى٢ عن حرف وصوت البتة، وأن ما عري عنهما لم يكن كلامًا في الحقيقة وإن سمي في وقت بذلك تجوزًا واتساعًا، وتحققوا جواز وجود الحرف والصوت من غير آلة وأداة وهواء منخرق، وتسوقوا قول السلف، وإفصاحهم بذكر الحرف والصوت أو ما دل عليهما، وتجمعوا بين العلم والكلام في إثبات الحدود بهما.
_________________
(١) ١ في الأصل (بصحيح) والأفصح ما أثبت. ٢ يقال لكل شيء أهملته وخليته: عريته. فالمعنى: لن يخلى ولن يهمل الكلام عن حرف وصوت. انظر مادة عرا: في لسان العرب ١٥/٤٤.
[ ١٢٦ ]
(الفصل السابع)
ثم تذكروا [٧-أ] فعلهم في إثبات الصفات في الظاهر وعدولهم إلى التأويل المخالف له في الباطن وادعاءهم١ أن إثباتها على ظاهرها تشبيه.
(الفصل الثامن)
ثم تشرحوا أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
(الفصل التاسع)
وأن تذكروا شيئًا من قولهم لتقف العامة على ما يقولونه فينفروا عنهم، ولا يقعوا في شباكهم.
(الفصل العاشر)
ثم تنظروا كون شيوخهم أئمة ضلال ودعاة إلى٢ الباطل ومرتبكين٣ إلى ما قد نهوا عنه.
(الفصل الحادي عشر)
ثم تحذروا الركون إلى كل أحد والأخذ من كل كتاب، فإن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر.
_________________
(١) ١ في الأصل: في الصلب (وأعداهم) والتصويب من الهامش. ٢ في الأصل: (إلي) بالياء، وهو خطأ. ٣ يقال: ارتبك في الأمر إذا وقع فيه ونشب ولم يتخلص. انظر ابن منظور: لسان العرب١٠/٤٣١ مادة: (ربك) .
[ ١٢٧ ]
فجميع ما ذكرت أن بكم إليه حاجة عند الرد عليهم أحد عشر فصلًا من أحكمها تمكن من الرد عليهم إذا سبق له١ العلم بمذهبه ومذهبهم، وأما العامي والمبتدئ [٧-ب] فسبيلهما أن لا يصغيا إلى المخالف ولا يحتجا٢ عليه، فإنهما إن أصغيا إليه أو حاجاه خيف عليهما الزلل عاجلًا والانفتال٣ آجلًا، نسأل الله العون على بيان ما أشرنا إليه فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل. هـ
_________________
(١) ١ في الأصل: (لهم) وهو تحريف، والصواب ما أثبت لاقتضاء السياق. ٢ في الأصل: (يحتج) وهو تحريف. ٣ الفتل: ليُّ الشي. يقال: انفتل فلان عن صلاته أي: انصرف وفتله عن وجهه فانفتل أي: صرفه فانصرف. ابن منظور: لسان العرب١١/٥١٤.
[ ١٢٨ ]