على أن الانقطاع لخدمة الروح والإِفراط في التعبد مما يقلّ عروضه للإِنسان، والذي يغلب عليه هو ما يتفق وجسمانيته، مما يناله الحس، ويحويه
_________________
(١) ضعيف الإِسناد: أخرجه أبو يعلى (٤/ ١٨٤/ ٤١٨٩)، وأحمد (٣/ ٢٦٦)؛ إلَّا أنه قال: " لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ﷿ ". قال الهيثمي في " المجمع " (٥/ ٢٧٨): " وفيه زيد العمي، وثقه أحمد وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح ". وفي الباب عن أبي أمامة مرفوعًا: " إن لكل أمة سياحة، وإن سياحة أمتي الجهاد في سبي ْالله، وإن لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الرباط في نحر العدوّ ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (٨/ ١٩٨/ ٧٧٠٨). قال في " مجمع الزوائد " (٥/ ٢٧٨): " رواه الطبراني، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف ". وقال الحافظ العراقي: " سنده ضعيف "؛ كما في " تخريج الإِحياء " (١/ ٢٦٦)، لكن جملة السياحة عند أبي داود (١/ ٣٨٩) بسند حسن. نعم، يغني عن هذا وذاك حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٨٢) بسند رجاله ثقات؛ كما قال الهيثمي (٤/ ٢١٥)، ولفظه: " وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإِسلام .. ". وانظر: " الصحيحة " (٥٥٥).
[ ٤١ ]
عالم الشهادة؛ فتجد أكثر الناس فاقدًا للعلم الذي يصل روحه بعالم الغيب، ومن فاته ذلك العلم؛ فإما أن ينكر الدين والعبادة فيكون دهريًّا، وإما أن يمثل معبوده في صور مادية حسية يخضع لها روحه فيكون مشركًا:
كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٥٦].
وروى أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ أن رسول الله - ﷺ - خطبهم ذات يوم، فقال: «يا أيها الناس! اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء [اللهُ] أن يقول: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؛ قال: «قولوا: اللهم! إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه» (٦). نقله ابن كثير في " تفسيره "، وذكر معه روايات أخر
_________________
(١) قويٌّ بطرقه وشواهده: روي عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: • أبو موسى الأشعري: أخرج حديثه الإِمام أحمد في " المسند " (٤/ ٤٠٣)، وابن أبي شيبة في " المصنف " (٧/ ٨٨) عن أبي علي- رجل من بني كاهل-؛ قال: خطبنا أبو موسى الأشعري؛ فقال: يا أيها الناس! اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل؛ فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب؛ فقالا: والله! لتخرجن مما قُلْتَ أو لنأتين عمر، مأذونًا لنا أو غير مأذون! قال: بل أخرج مما قلتُ، خطبنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم؛ فقال: " .. فذكره بلفظ المؤلف ". قال الهيثمي في " المجمع ": (١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤): " رواه أحمد والطبراني في " الكبير " و" الأوسط "، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي عليّ، ووثقه ابن حبان ". • أبو بكر الصديق: ولحديثه طريقان:
(٢) طريق يحى بن كثير، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه. =
[ ٤٢ ]
في معناه (٤/ ٤٨٦).
وسترى إن شاء الله مصداق ميل الإِنسان إلى المادة والشرك في الفصول
_________________
(١) = أخرجه بنحو حديث أبي موسى أبو القاسم البغوي- كما في " تفسير ابن كثير " (٤/ ٥٧) -، وأبو نعيم في " الحلية " (٧/ ١١٢)، ويحى بن كثير ضعيف كما في " تقريب ابن حجر "، بل قال الدارقطني: متروك كما في " ديوان الذهبي ".
(٢) طريق ليث بن أبي سُليم- وهو ضعيف اختلط- تارة يرويه عن أبي محمد، عن حذيفة، عن أبي بكر ﵁؛ إمّا حضر حذيفة ذلك من النبي - ﷺ -، وإمّا أخبره أبو بكر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال (فذكره). أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (١/ ٦٠/ ٥٤)، وعنه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٢٨٧)، وقال الهيثمي: " وأبو محمد إن كان هو الذي روى عن ابن مسعود، أو الذي روى عن عثمان بن عفان؛ فقد وثقه ابن حبان، وإن كان غيرهما؛ فلم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ". وتارة يرويه عن أبي محمد عن معقل بن يسار، قال: شهدت النبيّ - ﷺ - مع أبي بكر، أو حدثني أبو بكر عن النبيّ - ﷺ -؛ أنه قال: " الشرك فيكم أخفى " الحديث. أخرجه أبو يعلى (١/ ٦١/ ٥٥): ثنا عمرو بن الحصين، ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن ليث به، وعمرو متروك كما قال الهيثمي. ومرة قال: أخبرني رجل من أهل البصرة؛ قال: سمعت معقل بن يسار به نحوه، أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٧١٧). • عائشة: وستأتي روايتها إن شاء الله تعالى مخرجة برقم (١٠٤). • ابن عباس (مختصرًا بالشطر الأول فقط): روي عنه مرفوعًا وموقوفًا؛ أمّا المرفوع، فقد أخرجه الحكيم الترمذي كما في " الجامع الصغير " للسيوطي، وأمّا الموقوف فسيأتي تخريجه برقم (٣٤) إن شاء الله. وخلاصة القول: أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده- عدا التي اشتد ضعفه منها- قويّ إن شاء الله تعالى، يرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره على الأقل كما هو مقرر في " المصطلح "؛ فلا غرو أن صححه شيخنا وجعله من نصيب كتابه: " صحيح الجامع الصغير وزيادته " (٣٦٢٤ و٣٦٢٥)، والله تعالى أعلم.
[ ٤٣ ]
التي نعرض فيها لعروض الشرك في الأمم؛ فحكم الطبيعة يغري بالشرك، ونص الشريعة يدعو إلى مزيد التيقظ في التحفظ منه، وتاريخ الأديان يكشف عما في ذلك من تسويل الشيطان وخدع النفس.