الأصول التي تبنى عليها العبادة: عرفنا أن أصل العبادة الذل وأن عبادة الله لا بد أن تتضمن مع كمال الذل له كمال الحب والخوف والرجاء، فهذه ثلاثة أصول: المحبة، الخوف، الرجاء.
١ - المحبة: وهي أعظم الأصول الثلاثة، والله ﷾ وحده يستحق أن يحب لذاته، ومحبة المؤمنين لربهم تتضاعف إذا دخلوا دار النعيم، بينما الخوف ينقطع بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقد أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ عن محبة المؤمنين لله فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (البقرة الآية: ١٦٥)، وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (المائدة: ٥٤) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (١) .
وقد جعل الله سبحانه مقياسا لصدق مدعي محبة الله فقال:
_________________
(١) كما أخبر سبحانه عن محبته لعباده المطيعين له كما قال تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، وقال: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، وقال: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة الآية ١٩٥)، (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (آل عمران الآية ٧٦) وهكذا.
[ ٢٧ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (آل عمران الآية: ٣١)، فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول ﷺ وأن اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد.
فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب، وبغض ما يبغض.
وكان المشايخ العاملون يكثرون التحذير ممن يدعي المحبة من غير خشية ولا خوف، لما في ذلك من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة، ووقع فيه قبل ذلك اليهود والنصارى حينما قالوا ما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (المائدة الآية: ١٨)، وهم مع ذلك يخالفون شريعته.
٢ - الخوف: أوجب الله ﷾ الخوف على كل أحد فقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] (آل عمران الآية: ١٧٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] (البقرة الآية: ٤٠)، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة: ٤٤) .
ومدح أهل الخوف وأثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١] (المؤمنون الآية: ٥٧ - ٦١) .
وفي سنن الترمذي ومسند أحمد «عن عائشة - ﵂ - قالت: قلت يا رسول الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] هو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: " لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ".
»
[ ٢٨ ]
٣ - الرجاء: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] (البقرة الآية: ٢١٨)، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] (العنكبوت الآية: ٥)، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف الآية: ١١٠) .
وفي صحيح مسلم عن جابر - ﵁ - قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ".
» وفي الصحيح عنه ﷺ: " يقول الله -﷿ - «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» .
وقد مدح الله سبحانه الجامعين بين الخوف والرجاء كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] (الإسراء الآية: ٥٧) .
وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] (الزمر الآية: ٩)، وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] (السجدة الآية: ١٦) .
ولهذا فعلى المسلم أن يجمع بينهما فيكون خائفا راجيا، قال أحد العبَّاد (١) " الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت ".
فالخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا، والرجاء
_________________
(١) هو أبو علي محمد بن أحمد بن القاسم الروذباري، سنة ٣٢٢.
[ ٢٩ ]
يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنا. وهذه مقامات مذمومة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (يوسف الآية: ٨٧)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] (الحجر الآية: ٥٦)، وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (الأعراف الآية: ٩٩) .
والخوف المحمود ما حال بين صاحبه ومحارم الله، والرجاء المحمود نوعان:
١ - رجاء رجل عمل بطاعة الله، على نور من الله، فهو راج لثواب الله.
٢ - رجاء رجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها إلى الله فهو راج لمغفرته وعفوه وإحسانه.
ففيه الاستبشار بجود الله وفضله، وفيه النظر إلى سعة رحمة الله.