زيادة الإيمان ونقصانه: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد دلت على ذلك الأدلة كما في الآية السابقة وحديث شعب الإيمان.
حكم مرتكب الكبيرة: الإيمان شعب متفاوتة كما دل الحديث المتقدم، منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى، وكما أن شعب الإيمان إيمان، فكذا شعب الكفر كفر.
ولهذا قال أهل السنة: إن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (النساء الآية: ٣١) .
والكبائر على درجتين: منها ما هو مخرج عن الملة، كما تقدم من الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ومنها ما ليس كذلك، مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك.
وهذه الدرجة الثانية هي المقصودة عند الإطلاق، ومذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وله في الدنيا من الموالاة بقدر ما معه من الإيمان، أما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له بسبب منه مثل الأعمال الصالحة أو من غيره من دعاء أو شفاعة، أو بدون سبب بل بفضل الله ورحمته، وإن شاء عذبه بعدله وحكمته، لكنه لا يخلده في النار.
والدليل على ثبوت اسم الإيمان قوله تعالى في آية القصاص:
[ ٨٢ ]
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة الآية: ١٧٨) فجعل القاتل وولي المقتول أخوين في الإيمان، وقوله ﷺ في شارب الخمر: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» رواه البخاري عن أبي هريرة.
والدليل على أن إيمانه ليس كاملا قوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم فيهم بحكم المرتد ولا أمر بقطع الموالاة بينهم وبين جمهور المسلمين، بل أقام عليهم الحدود الشرعية.
والدليل على أنه في الآخرة تحت مشيئة الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء الآية: ٤٨) .
والدليل على أنه إن أدخل النار لا يخلد قوله ﷺ: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق» رواه البخاري ومسلم عن أبي ذر، وقوله ﷺ: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)» رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري.