وسائل الشرك: سبق بيان أن الدين كله داخل في العبادة، وذكر شيء من أنواعها، وأن صرف شيء منها لغير الله شرك، وهناك أمور ليست شركا ولكنها وسائل وذرائع إلى الشرك، ولذا نهى عنها، فقد حرص الرسول ﷺ على حماية حمى التوحيد، وسد كل طريق يفضي بأمته إلى الشرك.
[ ٣٩ ]
ومن تلك الوسائل:
١ - الغلو في الصالحين: قال ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم "، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، رواه البخاري عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.
والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.
وقد كان سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين وتصوير تماثيلهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (نوح الآية: ٢٣)، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ".
قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
٢ - اتخاذ القبور مساجد: في الصحيحين عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله ﷺ قال عند موته: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا»، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبي ﷺ قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»، واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك فحرمه ﷺ وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده، لأن ذلك وسيلة إلى
[ ٤٠ ]
الشرك، فقد يفضي إلى دعاء صاحب القبر وعبادته.
ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر صلة الرحم، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، ونحو ذلك.
والزيارة البدعية نوعان: الأول: أن يقصد الزائر دعاء الميت أو طلب الشفاعة وقضاء الحوائج منه، وهذا شرك أكبر.
الثاني: أن يقصد دعاء الله عند القبر؛ لاعتقاده أن ذلك أرجى لقبول دعائه، وذلك محرم لأنه من أسباب الشرك ووسائله.
كما نهى رسول الله ﷺ عن تعلية القبور لما في ذلك من الفتنة بأهلها وتعظيمهم، ففي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» .
وورد النهي عن إسراجها أيضا، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن.