العَبْد إِذا أَيقَن أَن الله تَعَالَى فَوق السَّمَاء عَال على عَرْشه بِلَا حصر وَلَا كَيْفيَّة وَأَنه الْآن فِي صِفَاته كَمَا كَانَ فِي قدمه صَار لِقَلْبِهِ قبْلَة فِي صلَاته وتوجهه ودعائه وَمن لَا يعرف ربه بِأَنَّهُ فَوق سماواته على عَرْشه فَإِنَّهُ يبْقى ضائعا لَا يعرف وجهة معبوده لَكِن لَو عرفه بسمعه وبصره وَقدمه وَتلك بِلَا هَذَا معرفَة نَاقِصَة بِخِلَاف من عرف أَن إلهه الَّذِي يعبده فَوق الْأَشْيَاء فَإِذا دخل فِي الصَّلَاة وَكبر توجه قلبه إِلَى جِهَة الْعَرْش منزها ربه تَعَالَى عَن الْحصْر مُفردا لَهُ كَمَا أفرده فِي قدمه وأزليته عَالما أَن هَذِه الْجِهَات من حدودنا ولوازمنا وَلَا يمكننا الْإِشَارَة إِلَى رَبنَا فِي قدمه وأزليته إِلَّا بهَا لأَنا محدثون والمحدث لَا بُد لَهُ فِي إِشَارَته إِلَى جِهَة فَتَقَع تِلْكَ الْإِشَارَة إِلَى ربه كَمَا يَلِيق بعظمته لَا كَمَا بتوهمه هُوَ من نَفسه ويعتقد أَنه فِي علوه قريب من خلقه هُوَ مَعَهم بِعِلْمِهِ وسَمعه وبصره وإحاطته وَقدرته ومشيئته وذاته فَوق الْأَشْيَاء فَوق الْعَرْش وَمَتى شعر قلبه بذلك فِي الصَّلَاة أَو التَّوَجُّه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار الْمعرفَة وَالْإِيمَان
[ ٨٠ ]
وغشيت أشعة العظمة على عقله وروحه وَنَفسه فانشرح لذَلِك صَدره وقوى إيمَانه ونزه ربه عَن صِفَات خلقه من الْحصْر والحلول وذاق حِينَئِذٍ شَيْئا من أذواق السَّابِقين المقربين بِخِلَاف من لَا يعرف وجهة معبوده وَتَكون الْجَارِيَة راعية الْغنم أعلم بِاللَّه مِنْهُ فَإِنَّهَا قَالَت فِي السَّمَاء عَرفته بِأَنَّهُ على السَّمَاء فَإِن فِي تَأتي بِمَعْنى على قَوْله تَعَالَى ﴿يتيهون فِي الأَرْض﴾ أَي على الأَرْض وَقَوله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي على جُذُوع النّخل فَمن تكون الراعية أعلم بِاللَّه مِنْهُ لكَونه لَا يعرف وجهة معبوده فَإِنَّهُ لَا يزَال مظلم الْقلب لَا يَسْتَنِير بأنوار الْمعرفَة وَالْإِيمَان وَمن أنكر هَذَا القَوْل فليؤمن بِهِ وليجرب ولينظر إِلَى مَوْلَاهُ من فَوق عَرْشه بِقَلْبِه مبصرا من وَجه أعمى من وَجه كَمَا سبق مبصرا من جِهَة الْإِثْبَات والوجود وَالتَّحْقِيق أعمى من جِهَة التَّحْدِيد والحصر والتكييف فَإِنَّهُ إِذا عمل ذَلِك وجد ثَمَرَته إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَوجد نوره وبركته عَاجلا وآجلا ﴿وَلَا ينبئك مثل خَبِير﴾ وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق والمعين