للإمام أبي عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المعروف بالموفق بن قدامة ٥٤١-٦٢٠هـ
تحقيق وتعليق: الدكتور يوسف بن محمد
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن من أعظم الأمور التي وقع فيها الخلاف بين هذه الأمة: مسألة القرآن وكلام الله تعالى، فإن سلف هذه الأمة وأئمتها، كانوا على صراط مستقيم في هذه المسألة كغيرها من المسائل، فقد كانوا يعتقدون أن هذا القرآن كلام الله-تعالى- وأنه منزل منه- جل وعلا- حتى نبغت نابغة الجهمية، فأتوا بقول خالفوا فيه من سبقهم، وشاقوا بذلك على المسلمين، وخالفوا إجماعهم وما كانوا عليه متفقين، وكان لهؤلاء الجهمية الدولة في وقت من الأوقات، فامتحنوا بذلك علماء هذه الأمة، وجعلوا القول بخلق القرآن دليل الإيمان، وترك القول به دليلا على عدمه، وقتلوا من قتلوا من العلماء، وسجنوا
[ ٣ ]
من سجنوا، وجلدوا من جلدوا، وأجلبوا على ذلك بخيلهم ورجلهم.
ووقف علماء هذه الأمة الربانيون من أولئك الجهمية موقفا يحمدون عليه، فقد نصروا السنة، وفضحوا أهل البدع، وكشفوا عوارهم، فبان خزيهم، وافتضح أمرهم.
وقد أجمع العلماء على كفر من قال بمقالة الجهمية في خلق القرآن، وصنفوا في ذلك المصنفات الكبار والصغار.
ولما أخمدت نار الجهمية، وانطفأت فتنة القول بخلق القرآن، وكان في هذه الأمة من لم يفهم كلام السلف، ولم يرفع بالسنة رأسا، وكان يريد مجادلة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الطوائف على القول بخلق القرآن، فإنه قد وقع في أخطاء جسيمة لا تقل شناعة عن قول الجهمية والمعتزلة، بل جهم العلماء من قال بها، حيث ظهرت "اللفظية" الذين يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. وقد شدد العلماء في ذلك.
[ ٤ ]
قال الإمام أحمد (ت٢٤١) ﵀: " افترقت الجهمية على ثلاث فرق: الذين يقولون: مخلوق، والذين شكوا، والذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة "١
وقال أبو زرعة (ت ٢٦٤) وأبو حاتم (ت ٢٧٧) الرازيان: " من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي"٢
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني (ت٢٨٠):"أن الحق والصواب الواضح المستقيم الذي أدركنا عليه أهل العلم: أن من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا مخلوقة، فهو جهمي مبتدع خبيث"٣
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨) ﵀: " وأما البدعة الثانية المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له، وهي "مسألة اللفظية" فقد أنكر بدعة اللفظية الذين
_________________
(١) ١ " الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة –الرد على الجهمية " (١/٢٩٧) رقم (٢٧) . ٢ رواه اللاكائي في " شرح أصول إعتقاد أهل السنة " (١/١٧٩) . ٣ رواه اللاكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " (٢/٣٥٣) .
[ ٥ ]
يقولون: إن تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم، جعلوهم من الجهمية وبينوا أن قولهم يقتضي القول بخلق القرآن، وفي كثير من كلامهم تكفيرهم، وكذلك من يقول: إن هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو عبارة عنه، أو أنه ليس في المصحف والصدور إلا كما أن الله ورسوله في المصاحف والصدور ونحو ذلك، وهذا محفوظ عن الإمام أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي مصعب الزهري، وأبي ثور، وأبي الوليد الجارودي، ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن يحيى بن أبي عمرو العدني، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعدد كثير لا يحصيهم إلا الله من أئمة الإسلام وهداته ".١
_________________
(١) ١ " مجموع الفتاوى " (١٢/٤٢١) . وانظر كلام الأئمة في اللفظية-على سبيل المثال- في: " السنة " للخلال (٧/٦٣-٨٩)، " الشريعة للآجري (١/٢٣٥-٢٤٥)، " الإبانة- الرد على الجهمية-" (١/٣١٧-٣٥٥)، " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي (٢/٣٤٩-٣٦٢)
[ ٦ ]
وحقيقة قول القائلين بأن القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه هو قول اللفظية.
قال الإمام ابن بطة (ت ٣٨٧) –﵀-:"واعلموا﵏ أن صنفا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم وخبث آرائهم وقبيح أهوائهم أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها تمويها وبهرجة على العامة، ليخفي كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قل علمه وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلم الله به وقاله، فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة، فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد والعقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا، وكشفوا١
_________________
(١) ١ في بان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة" لقوام السنة إسماعيل التيمي (١/٣٨٧-٣٩٠) .
[ ٧ ]
أولا: اسمه وكنيته ولقبه ونسبه:
هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر الجماعيلي الصالحي الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، موفق الدين.
ثانيا: مولده:
ولد أبو محمد ﵀ في شهر شعبان من سنة ٥٤١، بقرية من قرى فلسطين اسمها "جماعيل"، ثم انتقل إلى دمشق سنة ٥٥١، وعمره إذ ذاك عشر سنوات.
ثالثا: طلبه للعلم، ورحلاته فيه:
بدأ أبو محمد ﵀ طلب العلم قديما، فحفظ القرآن الكريم وهو صغير، ثم حفظ بعض المتون، ومن أمها: مختصر أبي القاسم الخرقي في فقه الحنابلة.
والمتتبع لحال أهل ذلك الوقت يدرك أنهم كانوا يحرصون على الرحلات العلمية، غير أن أبا محمد كان حظه منها قليلا مقارنة بغيره من طلبة العلم في ذلك
[ ٩ ]
العصر، ولعل العلة في ذلك أن العلماء في ذلك الوقت كان أكثرهم ما بين مقيم بأرض العراق ومقيم بأرض الشام، حيث إن أبا محمد رحل-أولا- من أرض فلسطين إلى دمشق مع أهله، ثم رحل سنة ٥٦١ إلى بغداد، وأخذ عن كبار علمائها، ومن أجلهم: عبد القادر الجيلي الحنبلي، ثم عاد ألى دمشق، وفي طريقه إليها أخذ عن بعض علماء الموصل.
وفي سنة ٥٦٧ رحل مرة إلى بغداد، ثم عاد بعد إلى دمشق الشام.
رابعا: شيوخه:
تلمذ أبو محمد ﵀ على عدد من العلماء الأجلاء في عدد من الفنون، ونال حظا وافرا من العلم عن طريقهم، ومنهم:
[ ١٠ ]
القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم".١
وقد كان لأبي محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي ﵀ قدم صدق في رد هذه البدعة، وبيان فسادها، وصنف في ذلك مصنفات، منها:
١- البرهان في بيان القرآن.
٢- الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم.
٣- حكاية المناظرة في القرآن الكريم.
٤ - هذه الفتيا التي بين أيدينا.
وفي هذه الكتب كلها يقرر بطلان قول الأشعرية في هذه المسألة.
وقد أحببت نشر هذه الفتيا، لأمور:
أولا: لأهمية موضوعها.
ثانيا: لجلالة مؤلفها، وكونه من الأئمة الكبار.
ثالثا: لتكمل ما سبق نشره من تلك الكتب المتعلقة بالموضوع نفسه.
_________________
(١) ١" الإبانة- الرد على الجهمية- " (١/٣١٧-٣١٨) .
[ ١١ ]
وسلكت- بعد ههذه المقدمة – الخطة التالية في العمل في هذه الفتيا:
أولا: ترجمت للمؤلف ترجمة موجزة.
ثانيا: قمت بالتعريف بهذه الفتوى من حيث وصف النسخة الخطية، وإثبات نسبتها للموفق.
ثالثا: قراءة المخطوط، وتصويب ما فيه من أخطاء، وكتابته وفق الرسم الإملائي الحديث.
رابعا: عزوت الآيات إلى مواطنها من السور، وخرجت الأحاديث والآثار، وترجمت لبعض الأعلام، وعلقت على ما يحتاج إلى تعليق.
خامسا: صنعت فهرسا للآيات والأحاديث والآثار المذكورة في الكتاب الأصل.
والله –تعالى- أسأل الهداية والسداد، وأن يستر العورات، ويغفر الزلات، وأن يحسن الختام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ ]
ترجمة المؤلف١
_________________
(١) ١ انظر في ترجمته: " معجم البلدان" (٢/١٦٠)، "التقييد" لابن نقطة (٢/٧٨)، " مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي (٨/٦٢٧-٦٣٠)، " التكملة لوفيات النقلة" للمنذري (٣/١٠٧)، "ذيل الروضتين" لأبي شامة المقدسي (ص ١٣٩-١٤٢)، "سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٥-١٧٣)، "العبر في خبر من غبر" للذهبي (٣/١٨٠-١٨١)، " دول الإسلام"للذهبي (٢/٩٣)، "تاريخ الإسلام " للذهبي- الطبقة الثانية والستين- (ص٤٣٤-٤٤٨)، " المختصر المحتاج إليه من تاريخ بن الدبيثي" للذهبي (٢/١٣٤-١٣٥)، "فوات الوفيات" لابن شاكر الكتبي (٢/١٥٨-١٥٩)، " الوافي بالوفيات" للصفدي (١٧/٣٧-٣٩)، " مرآة الجنان" لليافعي (٤/٤٧-٤٨)، البداية والنهاية" لابن كثير (١٣/٩٩-١٠١)، "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (٢/١٣٣-١٤٩)، " النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي (٦/٢٠٦)، " المقصد المرشد في ذكر أصحاب الإما١أحمد" لابن مفلح (٢/١٥-٢٠)، "القلائد الجوهرية" لابن طولون (٢/٣٤٠-٣٤٤)، "شذرات الذهب" لابن العماد (٥/٨٨-٩٢)، " كشف الظنون" لحاجي خليفة (ص ٣٤٣،،٨٢٨،،٩٢٤، ١١٦٤، ١٣٧٨،١٤٠٦ ١٤١٥، ١٤١٦،١٤٢٠، ١٦٢٦،١٧٥٠،١٧٥١، ١٨٠٩)، " أيضاح المكنون " لإسماعيل باشا البغدادي (١/٧٠-٥٤٤)، "هدية العارفين"له (١/٤٥٩-٤٦٠)، "التاج المكلل" لصديق حسن خان (ص ٢٢٩-٢٣١)، " الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد" لابن حميد (٣٢-٣٣)، رفع النقاب عن تراجم الأصحاب" لابن ضويان (ص ٢٣٥-٢٣٨) . وقد كتب الشيخ علي بن محمد بن سالم الشهراني رسالة نال بها درجة الماجستير من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض بعنوان: "منهج بن قدامة في تقرير عقيدة السلف وموقفه من المخالفين لها"، وقد أفدت منه في الترجمة للموفق كثيرا. وكتب الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمان السعيد "ابن قدامة وآثاره الأصولية".
[ ١٣ ]
-أحمد بن صالح الجيلي البغدادي، المتوفى سنة٥٦٥ ١
-أحمد بن محمد بن قدامة، والده، المتوفى سنة٥٥٨.٢
-شهدة بنت أحمد بن الفرج الدينورية، الملقبة بفخر النساء، المتوفاة سنة٥٧٤.٣
-طاهر بن محمد المقدسي المتوفى سنة ٥٦٦.٤
_________________
(١) ١ انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢٠-٥٧٢-٥٧٣)، "ذيل طبقات الحنابلة" (١/٣١١-٣١٣)، "شذرات الذهب" (٤/٢١٥) ٢ انظر في ترجمته: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/٦١)، "شذرات الذهب" (٤/١٨٢) . ٣ انظر في ترجمتها: "سير أعلام النبلاء" (٢٠/٥٤٢-٥٤٣)، " وفيات الأعيان" (٢/٤٧٧-٤٧٨)، "شذرات الذهب" (٤/٢٤٨) ٤ انظر في ترجمته: " العبر" (٤/١٩٢-١٩٣) .
[ ١٤ ]
- عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن الجوزي، أبو الفرج، المتوفى سنة ٥٩٧.١
-عبد القادر الجيلي، البغدادي، أبو محمد، المتوفى سنة٥٦١.٢
-عبد الله بن أحمد الخشاب، أبو محمد النجوي، المتوفى سنة٥٦٧.٣
_________________
(١) انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢١/٣٦٥-٣٨٤)، "وفيات الأعيان" (٣/١٤٠-١٤٢)، "ذيل طبقات الحنابلة" (١/٣٩٩-٤٣٣) . ٢ انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢٠/٤٣٩-٤٥١)، "مرآة الزمان" (٨/٢٦٤-٢٦٦)، "ذيل طبقات الحنابلة" (١/٢٩٠-٣٠١) . ٣ انظر في ترجمته: "المنتظم" (١٠/٢٣٨-٢٣٩)، "سير أعلام النبلاء" (٢٠/٥٢٣-٥٢٨)، "وفيات الأعيان" (٣/١٠٢-١٠٤) .
[ ١٥ ]
-عبد الله بن أحمد الطوسي، أبو الفضل، المتوفى سنة٥٧٨.١
-محمد بن عبد الباقي البغدادي، أبو الفتح، المعروف بابن بطي، المتوفى سنة ٥٦٤.٢
رابعا: تلامذته:
تلمذ على يد أبي محمد ﵀ طلبة كثيرون جدا، ومن هؤلاء:
- إبراهيم بن علي بن أحمد الواسطي الحنبلي، تقي الدين أبو إسحاق، المتوفى سنة ٦٩٢٣.
_________________
(١) ١ انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢١/٨٧-٨٩)، "طبقات الشافعية الكبرى" (٧/١١٩-١٢٠) . ٢ انظر في ترجمته: " المنتظم" (١٠/٢٢٩)، "سير أعلام النبلاء" (٢٠/٤٨١-٤٨٤)، "شذرات الذهب" (٤/٢١٣-٢١٤) . ٣ انظر في ترجمته: " ذيل طبقات الحنابلة" (٢/٣٢٩-٣٣١) .
[ ١٦ ]
-أحمد بن محمد بن عبد الغني المقدسي، أبو العباس، تقي الدين، المتوفى سنة ٦٤٣.١
-عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي، أبو محمد، بهاء الدين، المتوفى سنة٦٢٤.٢
-عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، أبو القاسم، المعروف بأبي شامة، المتوفى سنة ٦٦٥.٣
_________________
(١) ٠١ انظر في ترجمته: " سير أعلام النبلاء" (٢٣/٢١٢)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/٢٣٢-٢٣٣)، "شذرات الذهب" (٥/٢١٧-٢١٨) . ٢ انظر في ترجمته: " سير أعلام النبلاء" (٢٢/٢٦٩-٢٧٢)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٧٠-١٧١)، "شذرات الذهب" (٥/١١٤) . ٣ انظر في ترجمته: "طبقات الشافعية الكبرى " (٨/١٦٥-١٦٨)، " طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (٢/٤٦٤-٤٦٦) .
[ ١٧ ]
- عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المقدسي، أبو محمد، المتوفى سنة ٦٨٢.١
-عبد العظيم المنذري‘ أبو محمد، المتوفى سنة ٦٥٦.٢
- عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي الموصلي، أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح، المتوفى سنة ٦٤٣.٣
_________________
(١) ١ انظر في ترجمته: " وفات الوفيات" (٢/٢٩١-٢٩٢)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/٣٠٤-٣١٠)، "شذرات الذهب" (٥/٣٧٦-٣٧٩) . ٢ انظر في ترجمته: "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/٢٥٩-٢٧٧)، "طبقات الشافعية " لابن قاضي شهبة (٢/٤٤٢-٤٤٤)، "شذرات الذهب" (٥/٢٧٧-٢٧٨) . ٣ انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢٣/١٤٠-١٤٤)، "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/٣٢٦-٣٣٦)، "وفيات الأعيان" (٣/٢٤٣-٢٤٥) .
[ ١٨ ]
- محمد بن سعيد بن يحيى الواسطي الشافعي، أبو عبد الله، المعروف بابن الدبيثي، المتوفى سنة ٦٣٧.١
- محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، أبو عبد الله، ضياء الدين، المتوفى سنة٦٤٣.٢
- محمد بن محمود بن حسن البغدادي، أبو عبد الله، المعروف بابن النجار، المتوفى سنة٦٤٣.٣
_________________
(١) ١ انظر في ترجمته: "وفيات الأعيان" (٤/٣٩٤-٣٩٥)، "سير أعلام النبلاء" (٢٣/٦٨-٧٠)، "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/٦١-٦٢) . ٢ انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢٣/١٢٦-١٣٠)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/٢٣٦-٢٤٠) . ٣ انظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" (٢٣/١٣١-١٣٤)، "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/٩٨-٩٩)، "طبقات الشافعية"لابن قاضي شهبة (٢/٤٥٤-٤٥٦) .
[ ١٩ ]
خامسا: مصنفاته:
ألف ابن قدامة ﵀ مصنفات كثيرة، منها ما يتعلق بالتوحيد ومسائله، ومنها ما يتعلق بالفقه، ومنها ما يتعلق بأصول الفقه، ومنها ما يتعلق بالزهد والرقائق، وغير ذلك، وسأذكر بعض هذه الكتب مرتبة ترتيبا هجائيا:
* الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار.
* البرهان في بيان القرآن.
* التبيين في أنساب القرشيين.
* تحريم النظر في كتب الكلام، وهو الرد على ابن عقيل.
* حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة.
* ذم التأويل.
* ذم الوسواس.
ذم ما عليه مدعوا التصوف، وهو الفتيا في ذم الشبابة والرقص.
[ ٢٠ ]
* الرقة والبكاء في أخبار الصالحين.
* روضة الناضر وجنة المناضر.
* الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم.
* العمدة في الفقه.
* قنعة الأريب في تفسير الغريب من حديث رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين.
* الكافي في الفقه.
* كتاب التوابين.
* كتاب المتحابين في الله.
* لمعة الإعتقاد.
* مسألة العلو.
* المغني شرح مختصر الخرقي في الفقه.
* المقنع في الفقه.
* وصية ابن قدامة.
ثانيا: الكتب غير المطبوعة:
*جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن.١
_________________
(١) ١ انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩٠) .
[ ٢١ ]
* رسالة إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية في تخليد أهل البدع في النار.١
*رسالة في التصوف٢،ولعلها هي ذم ما عليه مدعوا التصوف.
* رسالة في المذاهب الأربعة٣.
* الشافعي.٤
* صفة الفلق.٥
* فضائل العشر.٦
_________________
(١) ١ انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩٠) . ٢ "تاريخ الأدب العربي" (١/٣٩٨) . ٣ "تاريخ الأدب العربي-الملحق-" (١/٦٨٩) . ٤ انظر: "البداية والنهاية" (١٣/١٠٠) . ٥ انظر: "معجم البلدان" (٢/١٦٠) . ٦ انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٨)، "فوات الوفيات" (٢/١٥٩)، "الوافي بالوفيات" (١٧/٣٨)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٤٠) .
[ ٢٢ ]
* فضائل عاشوراء.١
* القدر.٢
*مختصر العلل للخلال.٣
*مختصر الهداية في أصول الفقه لأبي الخطاب الكلوذاني.٤
_________________
(١) ١ انظر: "مرآة الزمان" (٨/٦٢٨)،"سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٨)، "فوات الوفيات" (٢/١٥٩)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٤٠)، "شذرات الذهب". ٢ انظر: "مرآة الزمان" (٨/٦٢٧)،"سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٨)، الوافي بالوفيات" (١٧/٣٨)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩٠) . ٣ انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٨)، "فوات الوفيات" (٢/١٥٩)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩١) . ٤ انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٨)، "فوات الوفيات" (٢/١٥٩)، "الوافي بالوفيات" (١٧/٣٨)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩١) .
[ ٢٣ ]
* مشيخة ابن قدامة.١
* مقدمة في الفرائض.٢
*مناسك الحج.٣
* مناظرة بين الحنابلة والشافعية.٤
* منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين.٥
* الميزان في أصول الفقه.٦
_________________
(١) ١ انظر:"سير أعلام النبلاء" (٢٢/١٦٦-١٦٨)، "فوات الوفيات" (٢/١٥٩)، "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩١) . ٢ انظر: "هدية العارفين" (١/٤٦٠) . ٣ انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩١) ٤ انظر: "تاريخ الأدب العربي-الملحق-" (١/٦٨٩) . ٥ انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٩)، "شذرات الذهب" (٥/٩٠)، "هدية العارفين" (١/٤٦٠) . ٦ انظر: "تاريخ الأدب العربي" (١/٣٩٨ من الأصل) .
[ ٢٤ ]
وقد أثنى العلماء على الموفق في علمه خيرا١، حتى قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الموفق".٢
سادسا: وفاته:
توفي شيخ الإسلام موفق الدين، ﵀يوم السبت-وكان يوم عيد الفطر-سنة ٦٢٠٠.
_________________
(١) ١ انظر: كتب التراجم التي ترجمت له، فإنها ذكرت شيئا كثيرا من ذلك. ٢ "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/١٣٦) .
[ ٢٥ ]
التعريف بالكتاب
هذه الفتوى لم تطبع-حسب علمي-من قبل، وهي موجودة في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تحت الرقم (١٠٦٣٥/ف١٢/توحيد) .
وتقع ضمن مجموعة من ص ١٠١ إلى ص ١٠٥، وفي كل لوحة عشرون سطرا تقريبا سطرا، وفي كل سطر تسع كلمات تقريبا.
وهي مكتوبة يوم الإثنين ١٧ رجب ١٢٢٧ بقلم عبد الصالح بن حسن بن صالح المقدسي الحنبلي السلفي.
وخطها مقروء، وعليها بعض التصحيحات.
[ ٢٦ ]
إثبات نسبة هذه الفتوى للموفق
يدل على نسبة هذه الفتوى للموفق أمور:
أولا: ما جاء في مقدمتها.
ثانيا: أن هذه الفتوى طرقت الموضوعات التي بحثها الموفق في كتبه الأخرى ك"البرهان في بيان القرآن"، وكتابه "الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم"، وكتاب "حكاية المناظرة".
ثالثا: أسلوب المؤلف في هذه الفتوى هو أسلوبه في كتبه السابقة، وذلك من حيث العرض والمناقشة والاستدلال.
[ ٢٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم.
ما يقول الفقهاء أئمة الدين وسادات المسلمين وفقهم الله بتوفيق العارفين فيمن يعتقد أن كلام الله تعالى معنى قائم بالذات؟ وأن هذه السور والآيات والحروف والكلمات التي هي في مصاحف المسلمين وصدور الحافظين ليست كلام رب العالمين؟ أهم أهل السنة والجماعة الذين وافقوا أئمة دينهم، وتمسكوا بسنة نبيهم، وقفوا طريق صالح سالفهم؟ أم الذين قالوا: إن القرآن الكريم والكلام القديم الذي هو كلام الله العظيم هو هذه السور والآيات والحروف والكلمات التي في مصاحف المسلمين وصدور العالمين، وأي الفريقين أتبع للحق من ربه وتمسك بسنة نبيه وقفا طريق صالح سلفه؟ أفتونا مأجورين مثابين.
_________________
(١) في المخطوط: وفهم، ولعل الصواب ما أثبته.
[ ٢٩ ]
أجاب الشيخ الإمام العالم العلامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى:
الحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
إن القرآن العظيم الذي هو كلام الله القديم١، المنزل على قلب سيد المرسلين، هو هذا الكتاب العزيز
_________________
(١) ١ قول المؤلف ﵀: "القديم" يحتمل أن يكون نعتا للفظ الجلالة، ويحتمل أن يكون نعتا للقرآن، فإن كان مراده الأول، فإن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، ولا يجوز أن يسمى الله تعالى بما لم يأتي به النقل، وإن كان قد يتساهل في باب الإخبار، غير أنه لا يجوز أن يعد اسما من أسمائه تعالى قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ في شرح "الطحاوية" (ص ٧٧-٧٨): "وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى "القديم" وليس هو من الأسماء الحسنى، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها االقرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ١ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: متقدم في الزمان، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ فالأقدم مبالغة في القدم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي ﵀ وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا، كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا، وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدما، لأنها تقدم بقية قدم الإنسان. وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم. ولا ريب أنه إذا كان مستعملا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها، فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه"الأول" وهو أحسن من "القديم"لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له، بخلاف "القديم" والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة".
[ ٣٠ ]
المبين، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، وهو سور محكمات وآيات بينات، وكلمات تامات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، أوله سورة الفاتحة وآخره الناس.
سماه الله تعالى قرآنا وفرقانا، وكتابا، وذكرا وروحا، ونورا وضياء، وهدى، ووصفه بكونه عربيا١
_________________
(١) ١وإن كان مراد المؤلف هو الثاني، وهو أنه نعت للقرآن، فإن هذا اللفظ من الألفاظ المخترعة المبتدعة أيضا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "التسعينية" (٢/٦١٢):" الوجه الثاني: أن أحدا من السلف والأئمة لم يقل: إن القرآن قديم، وإنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته". قال الشيخ سليمان بن سحمان في تعليقه على قول السفاريني: "كلامه سبحانه قديم" (١/١٣١): "هو من جنس ما قبله من الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها سلف الأمة وأئمتها، والذي عليه أهل السنة والجماعة المخالفون لأهل البدع: أن كلام الله ﷾ حادث الآحاد، قديم النوع، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته، إذا شاء لا يمتنع عليه شيء أراده، وأن الله تعالى متصف بالصفات الاختيارية القائمة به".
[ ٣٢ ]
وهاديا ورحمة وشفاء، ينذر ويبشر، ويهدي ويقص، ويقرأ ويتلى ويسمع، ويحفظ ويكتب.
نزله الله تنزيلا، ورتله، وسماه قولا ثقيلا، وفضله على سائر الكتب تفضيلا، وأحكمت آياته ثم فصلت تفصيلا.
أمر الله بترتيله، وامتن بتنزيله، وشهد الله والملائكة بإنزاله إلى رسوله ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .١
ندب الله إلى الإستعاذة عند قراءته، وأمر بالاستماع والإنصات عند تلاوته، فمن اعتقد أنه القرآن فقد أصاب، وهدي إلى الصراط المستقيم، واعتقد معتقد المسلمين.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، آية (٧)
[ ٣٣ ]
ومن زعم أن هذا الكتاب غير القرآن، وأنه كلام المخلوقين، وأن القرآن معنى في النفس لا ينزل ولا يقرأ، ولا يسمع ولا يتلى، ولا ينفع، ولا له أول ولا آخر، ولا جزء ولا بعض، ولا هو سور، ولا آيات وحروف، ولا كلمات، فهذا زنديق راد على رب العالمين، وعلى رسوله الصادق الأمين، مخالف لجميع المسلمين، ناكب عن الصراط المستقيم.
أما رده على الله سبحانه فإن الله تعالى قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ١،وقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٢،وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .٣
والذي يرتل وينزل ويقرأ، إنما هو هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ سورة المزمل، آية (٤) .
(٢) سورة الإسراء، آية (١٠٦)، وقد جاء في الأصل: ورتلناه ترتيلا، وهو خطأ. ٣ سورة النساء، آية (١٦٦)
[ ٣٤ ]
وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ ٢وهذا إشارة إلى حاضر، والذي يقص ويهدي إنما هو هذا الكتاب العربي.
وقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ .٣
وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ٤والذي صرفت فيه الأمثال وضربت إنما هو هذا الحاضر.
وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٥
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، آية (٩) . ٢ سورة النمل، آية (٧٦) . ٣ سورة الإسراء، آية (٤١) ٤ سورة الروم، آية (٥٨)، وقد وقع في الأصل خطأ حيث جاءت الآية هكذا (ولقد ضربنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) . سورة الإسراء، آية (٨٨) .٥
[ ٣٥ ]
ولا يتحداهم بالإتيان بما لا يعرفونه ولا يدرون ما هو.
وسماه الله عربيا، وأخبر أنه هو الكتاب، فقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢
فمن أنكر كون القرآن هو الكتاب العربي، فهو من لا يعقلون.
ومن أوضح الدلائل على ذلك: أن الكفار قالوا: هذا شعر، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ
_________________
(١) ١ سورة يوسف، آية (١-٢) . ٢ سورة الزخرف: آية (١-٣)
[ ٣٦ ]
مُبِينٌ﴾ ١وما ليس بحروف لا يجوز أن يكون شعرا عند أحد، فلما سموه شعرا علم يقينا أنهم إنما أرادوا بذلك هذا النظم العربي، فلما نفى الله عنه كونه شعرا، وأثبته قرآنا، لم تبق شبهة لذي عقل أن القرآن هو هذه السور والآيات.
كذلك قالوا ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُ لْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٣.وقالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة يس، آية (٦٩) . ٢ سورة الفرقان، آية (٥) . ٣ سورة الفرقان، آية (٦) . ٤ سورة الأنفال، آية (٢٦) .
[ ٣٧ ]
وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١، فقال سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢وما كانوا يشيرون بهذا القول إلا إلى هذا الكتاب العزيز.
وأيضا فإنهم طلبوا الإتيان ببدله، قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْه﴾ ٣ أفتراهم طلبوا تبديل ما في نفس الباري مما لا يعلمونه ولا يدرون ما هو؟! ثم كيف علموا أن ما نفس الله تعالى قرآنا؟! وبأي طريق وصل إليهم؟! هذا وما كان قائل هذه المقولة خلق بعد.
والآيات الدالة على أن القرآن هو هذا الكتاب العربي كثيرة، ومن لم ينتفع بما قد ذكرنا منها لم ينتفع
_________________
(١) ١ سورة المدثر، آية (٢٥) . ٢ سورة المدثر، آية (٢٦) . ٣ سورة يونس، آية (١٥) .
[ ٣٨ ]
بزيادة عليها، لكنا نتحداهم بما تحدى الله تعالى به نظراءهم من الملحدين، فنقول: إن زعمتم أن هذا من كلام المخلوقين فأتوا بسورة مثله إن كنتم صادقين.
وإن زعمتم أنه مفترى من دون الله فأتو بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.
وأما بيان مخالفتهم لرسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ ما كان يعتقد قرآنا سوى هذا القرآن، ولو اعتقد أن هذا ليس بقرآن، وأن القرآن سواه لبينه لأمته، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته، ثم كيف يكتم مثل هذا الأمر العظيم وقد أمره الله تعالى بتبليغ رسالته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ١ وقد كان النبي ﷺ حريصا على أمته شفيقا عليهم رؤوفا بالمؤمنين رحيما
_________________
(١) ١ سورة المائدة، آية (٦٧) .
[ ٣٩ ]
عزيزا عليه ما عنتهم، فكيف يكتم عنهم ما فيه رشدهم، ويتركهم على ضلالتهم، ويستر عنهم الحق والصواب، ولا يرشدهم إليهم، ولا يدلهم عليه، ولا يذكر لهم قولا في ذلك قليلا ولا كثيرا؟!.
هذا ما لا يعتقده مسلم، ثم وإن ساغ له كتمان ذلك، فكيف ساغ له أن يظهر أن القرآن هذا بتلاوته الآيات الدالة على ذلك، وبقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١ ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ٢، وغير هذا من الآيات؟! وقوله: "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات"٣، وقوله: "اقرأوا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، آية (١٩) . ٢ سورة الفرقان، آية (٣٠) . ٣ ذكر المؤلف ﵀ هذا الحديث في "حكاية المناظرة" (ص ٣٨)، وفي" البرهان" (البرهان) وصححه فيهما، وقال في١ " لمعة الاعتقاد" (ص١٨): "صحيح" ولم أجده بهذا اللفظ، إلا أن معناه أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٧/٤١) من طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن زيد العمي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن فأعربه، كان له بكل حرف أربعون حسنة، ومن أعرب بعضا ولحن في بعض، كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن لم يعرب منه شيئا فإن له بكل حرف عشر حسنات". وأخرجه أبو الفضل الرازي في "فضائل القرآن" (ص١٤٣) رقم (١١١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/٢٤١) رقم (٢٠٩٧)، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (٣/١٨٦٥) رقم (١٤٥٤)، والشجري في "الأمالي" (١/١١٩)، وابن شاهين في "الترغيب والترهيب في فضائل الأعمال" (ص ٢١٩) رقم (٢٠٢) دون آخره. والحديث بهذا الإسناد ضعيف جدا، للضعف الشديد في نوح بن أبي مريم، فقد رماه ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما بالكذب. "تهذيب الكمال" (٣٠/٥٦)، "تهذيب التهذيب" (١٠/٤٨٦) . ولضعف زيد العمي، فقد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. "الجرح والتعديل" (١/٥٦٠)، "ميزان الاعتدال" (٢/١٠٢) .
[ ٤٠ ]
القرآن قبل أن يأتي قوم يقرأونه ويقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم"١وغير هذا من الأخبار مما
_________________
(١) ورواه ابن منده في " الرد على من يقول: الم حرف" (ص ٦٦-٦٨) رقم ٢٥-٢٦ موقوفا على ابن مسعود. ١أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/٣٣٨)، وأبو داود في "سننه" (١/٢٢٠) رقم (٨٣١)، وابن حبان في "صحيحه" كما في ترتيب ابن بلبان رقم (٣/٣٢) (٧٦٠) و(٥١/١٢٠) رقم (٦٧٢٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٢٠٧) رقم (٦٠٢٤) كلهم عن طريق بكر بن سوادة عن وفاء بن شريح الصدفي عن سهل بن سعد الساعدي. وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده كما في المنتخب" (ص ١٧١) رقم (٤٦٦)، وابن المبارك في "الزهد" (٨١٣)، والطبراني في"المعجم الكبير" (٦/٢٠٦) رقم (٦٠٢١) و(٦/٢٠٦) رقم (٢٠٦٦) من طريق موسى بن عبيد عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن سهل بن سعد الساعدي. وموسى بن عبيدة ضعيف جدا. "تهذيب الكمال" (٢٩/١٠٤-١١٤)، "تهذيب التهذيب" (١٠/٣٥٦-٣٦٠) .
[ ٤٢ ]
يطول مما يدل على أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو السور والآيات والحروف والكلمات، أفتراه ﷺ أخبرهم أن القرآن هو هذا وهو يعلم أنه غير هذا، ليصدهم عن الصواب، ويعميهم عن الهدي، ويضلهم عن سبيل الله؟! كلا، بل قائل هذه المقالة، وسالك هذه الضلالة أعمى القلب، ضال عن القصد، وليس لمن ادعى هذا على رسول الله ﷺ في الإسلام نصيب، فإن الله سبحانه شهد لرسوله، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، وقال: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
_________________
(١) ١ سورة الشورى، آية (٥٢) . ٢ سورة الحج، آية (٦٧) . ٣ سورة يس، الآيات (١-٤) .
[ ٤٣ ]
ومقتضى قول هذه الطائفة: أن رسول الله ﷺ أضل أمته بإخباره إياهم أن هذا القرآن هذا الكتاب العربي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأما مخالفتهم للمسلمين، فإن المسلمين أجمعوا على أن القرآن أنزل على محمد ﷺ، وأجمعوا على أنه معجزه الدال على صدقه ونبوته، وأجمعوا على أن في القرآن ناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، وقصصا وأمثالا، وهذه إنما هو هذا الكتاب.١
ولما اختلف أهل السنة والمعتزلة٢في القرآن: هل هو
_________________
(١) ١ انظر: "الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم" للمؤلف (ص٣٥)، "البرهان في بيان القرآن" للمؤلف (ص٥٢) . ٢ المعتزلة طائفة من طوائف أهل الكلام، وقد اختلف في سبب تسميتهم بهذا الاسم على أقوال كثيرة، وهم فرق شتى، لكن يجمعها خمسة أصول هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ٤٤ ]
قديم أو مخلوق١؟ إنما اختلفوا في هذه السور والآيات لا غير.٢
وقد صرحوا بذكر صور القرآن وآياته وحروفه، فقال أبو بكر وعمر ﵄: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه".٣
_________________
(١) انظر: "مقالات الإسلاميين"لأبي الحسن الأشعري (١/٢٣٥-٢٤٩) و(٢/٢٩٨-٣٣٨)، "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" للملطي (ص٣٥-٤٣)، "الملل والنحل" للشهرستاني (١/٤٣-٨٥)، "التبصير في الدين" للإسفراييني (ص٦٣-٩٥) . ١انظر مذهب المعتزلة في "شرح الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار (ص٥٢٧-٥٦٣)، "المغني في أبواب العدل والتوحيد" له (٧/٨٤) "المحيط بالتكليف" لابن متويه (ص٣٣١) . ٢ انظر: "البرهان في بيان القرآن" (ص٥٤)، "الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم" (ص٣٦)، "الرد على من أنكر الحرف والصوت" للسجزي (ص١٣٧) . ٣ أخرجه ابن الأنباري في "الوقف والإبتداء" (١/٢٠)، وأبو طاهر بن أبي هاشم في: "أخبار النحويين" رقم ١٥، والمستغفري-
[ ٤٥ ]
وقال علي ﵁:"من كفر بحرف من القرآن، فقد كفر به كله". ١
_________________
(١) بنحوه- في " فضائل القرآن" (٢٠٩/أ) من طريق جابر-هو الجعفي- عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال أبو بكر وعمر، وذكر نحوه، وإسناده واه، فيه جابر الجعفي، متروك ساقط لكذبه وبدعته. قال عباس الدوري: كان جابر كذابا، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. "تهذيب الكمال" (٤/٤٦٥-٤٧٢)، "تهذيب التهذيب" (٢/٤٦-٥١) . ومحمد بن عبد البرحمن بن يزيد لم يدرك أبا بكر وعمر ﵄. تهذيب الكمال" (١/٦٤٨-٦٥٢)، "تهذيب التهذيب" (٩/٣٠٨-٣٠٩) . ١ذكر المؤلف ﵀ هذا الأثر عن علي في "البرهان" (ص٤٨)، وفي" الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم" (ص٣٢)، ولم أقف عليه عند غيره، لكن أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٨/٤٧٢) رقم (١٥٩٤٦)، ومن طريق ابن حزم في لا
[ ٤٦ ]
وسمع ابن مسعود رجلا يحلف بالقرآن، فقال: "أتراه مكفرا؟ إن له بكل آية كفارة". ١
وقال: " من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف".٢
_________________
(١) "المحلى" (٨/٣٣) عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود. وأخرجه اللاكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٢/٢٣٢) من طريق سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي كنف قال: قال عبد الله وذكره بنحوه. وصححه شيخ الإسلام في"التسعينية" (١/٢٩٢) . ١أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٨/٤٧٢)، والبيهقي في"السنن الكبرى" (١٠/٤٣) كلاهما من طريق الأعمش عن عبد الله ابن مرة عن أبي كنف عن ابن مسعود بنحوه، وأخرجه اللاكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٢/٢٣١-٢٣٢) رقم (٣٧٨) من طريق محمد بن إبراهيم الروياني قال: ثنا أبو الربيع، قال: ثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن حنظلة بن خويلد قال: أخذ عبد الله بيدي وذكره بنحوه. ٢ سبق تخريجه.
[ ٤٧ ]
وروي نحو ذلك عن ابن عمر.١
وروي عن عبد الرحمن بن يزيد٢أنه قال: "كنا نتعلم من ابن مسعود التشهد كما نتعلم حروف القرآن".٣
_________________
(١) ١ أخرجه بن منده في "الرد على من يقول: الم حرف" (ص٦٣) رقم (٢٢) . وسنده ضعيف جدا، فيه ثوير بن أبي فاختة، وهو سعيد بن علاقة القرشي الهاشمي، أبو الجهم الكوفي. قال سفيان: كان توير من أركان الكذب، وقال يحيى: ليس بشيء، وضعفه الالجوزجاني وأبو حاتم وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني وعلي بن الجنيد: متروك "تهذيب التهذيب" (٢/٣٦-٣٧) .. ٢ هو عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، محدث ثقة، روى عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعن أم المؤمنين عائشة، وعن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وأبي مسعود البدري وغيرهم من الصحابة ﵃ توفي سنة ٧٣ وقيل سنة ٨٣. "تهذيب الكمال" (١٨/١٢-١٤)، "تهذيب التهذيب" (٦/٢٩٩) . ٣ لم أجده.
[ ٤٨ ]
وقال الحسن١: "قرأ القرآن قوم فحفظوا حروفه، وضيعوا حدوده"٢.
وذكر الأئمة من السلف عدد آيات القرآن وحروفه وكلماته٣، ولم يزل ذلك مستفيضا مشهورا بينهم،
_________________
(١) ١ هو أبو سعيد بن الحسن بن أبي الحسن يسار البصري من فضلاء زمانه علما وعملا وشجاعة وزهدا، توفي سنة ١١٠. انظر: "حلية الأولياء" (٢/١٣١)، "سير أعلام النبلاء" (٤/٥٦٣) . ٢ أخرجه بنحوه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/٣٦٣)، وابن المبارك في "الزهد" (ص٢٤٧) ح٧٩٣، والفريابي في "فضائل القرآن" (ص٢٤٧) ح١٧٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير بن كثير" (٤/٣٣) . ٣ انظر: "الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم" للمؤلف (ص٣٥)، "البرهان في بيان القرآن" له أيضا (ص٥٦)، "فضائل القرآن" لابن عبيد (ص١٥٢-١٦٢)، "لمحات الأنوار ونفحات الأزهار" لمحمد بن عبد الواحد الغافقي (١/١٠٤-١٢٣)، "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (١/٢٤٩-٢٥٢)، "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (١/٨٦-٩٣)، "سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين" لمحمد بن علي الحسيني.
[ ٤٩ ]
وقال الحسن١: "قرأ القرآن قوم فحفظوا حروفه، وضيعوا حدوده"٢.
وذكر الأئمة من السلف عدد آيات القرآن وحروفه وكلماته٣، ولم يزل ذلك مستفيضا مشهورا بينهم،
_________________
(١) ١ هو أبو سعيد بن الحسن بن أبي الحسن يسار البصري من فضلاء زمانه علما وعملا وشجاعة وزهدا، توفي سنة ١١٠. انظر: "حلية الأولياء" (٢/١٣١)، "سير أعلام النبلاء" (٤/٥٦٣) . ٢ أخرجه بنحوه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/٣٦٣)، وابن المبارك في "الزهد" (ص٢٤٧) ح٧٩٣، والفريابي في "فضائل القرآن" (ص٢٤٧) ح١٧٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير بن كثير" (٤/٣٣) . ٣ انظر: "الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم" للمؤلف (ص٣٥)، "البرهان في بيان القرآن" له أيضا (ص٥٦)، "فضائل القرآن" لابن عبيد (ص١٥٢-١٦٢)، "لمحات الأنوار ونفحات الأزهار" لمحمد بن عبد الواحد الغافقي (١/١٠٤-١٢٣)، "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (١/٢٤٩-٢٥٢)، "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (١/٨٦-٩٣)، "سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين" لمحمد بن علي الحسيني.
[ ٥٠ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ١ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ٢.
والجن لما استمعوا القرآن، أنصتوا له، وآمنوا به، وسموه كتابا وقرآنا ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ ٣.
ومن العجب أن المخالف في هذه المسألة اجترأ على مخالفة رب العالمين ورسوله الصادق الأمين والجنة والناس أجمعين بغير حجة ولا شبهة، ولا استنباط آية، ولا خبر، ولا قول صحابي ولا إمام مرضي، مع زعمه أنه مسلم يعتقد أن كلام الله حجة وكذلك سنة رسوله وإجماع أمته، ثم ترك ذلك كله، كأنه لم يسمع منه شيئا،
_________________
(١) ١ سورة فصلت، آية (٢٦) . ٢ سورة الفرقان، آية (٣٢) . ٣ سورة الجن، آية (١-٢)
[ ٥١ ]
ولم يفقه ولم يمر به، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ .١
والكفار الذين لا يؤمنون بالقرآن أقرب إلى العذر في جحدهم للقرآن من هؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون به ثم يتركونه بغير حجة. نسأل الله العافية.
فإن قال قائل: لا نسلم أننا خالفنا الإجماع، بل قولنا هو مقالة السلف.
قلنا: هاتوا أخبرونا من قال قبلكم: إن هذا القرآن عبارة وحكاية٢، وأن حقيقة القرآن معنى قائم في
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، آية (٢٢-٢٣) . ٢ بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الفرق بين العبارة والحكاية في "مجموع الفتاوى" (١٢/٥٥٢) فقال: "العبارة عن كلام الغيب، يقال لمن في نفسه معنى ثم يعبر عنه غيره، كما يعبر عما في نفس الأخرس من فهم مراده.
[ ٥٢ ]
النفس، ليس فيه سورة ولا آية؟! ومن قال قبلكم: إنه ليس في المصحف إلا العفص١والزاج٢، لا فرق بينه
_________________
(١) والذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله، قصدوا هذا. وهذا باطل، بل القرآن العربي تكلم الله به، وجبريل بلغه عنه. وأما الحكاية فيراد بها ما يماثل الشيء، كما يقال: هذا يحاكي فلانا إذا كان بمثل قوله أو عمله. وهذا ممتنع في القرآن، فإن الله تعالى يقول: ﴿قل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية. وقد يقال: فلان حكى فلان عنه، أي لغة عنه، ونقله عنه. ويجيء في الحديث أن النبي ﷺ قال فيما يحكي عن ربه، فإذا قيل: إنه حكى عن الله بمعنى أنه بلغ عن الله فهذا صحيح" ١العفص نبات يتخذ منه الحبر، ثم أصبح يطلق على الحبر، وهو كما قال ابن المنظور- مولد، وليس من كلام البادية. انظر: "لسان العرب" (عفص) (٧/٥٤-٥٥) . ٢الزاج: فارس معرب: نوع من الأدوية يقال له: الشب اليماني، وهو من أخلاط الحبر. انظر: "لسان العرب" (زوج) (٢/٢٩٣) .
[ ٥٣ ]
وبين ديوان ابن الحجاج١؟
من رد قبلكم على الله تعالى قسمه الذي وصفه بالعصمة، فقال في كتابه الذي أحكمه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ ٢؟
من قال: إن القرآن العظيم غير الكتاب المبين والذكر الحكيم؟
أخبرونا: هل وجدتم هذه الضلالة وقبيح المقالة عند أحد من المتقدمين٣سوى قائدكم إلى
_________________
(١) ١ ابن الحجاج هو الشاعر الخليع أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن الحجاج، كان أكثر شعره في الخلاعة والمجون، وكان يضرب به المثل في ذلك، توفي سنة ٣٩١. انظر: "تاريخ بغداد" (٤/٨)، "يتيمة الدهر" للثعالبي (٣/٣٥-١٢٥) . ٢ سورة الواقعة، الآيات (٧٥-٧٨) . ٣ ذكر الإمام أبو نصر السجزي ﵀ في كتابه "الرد على من أنكر الحرف والصوت" (ص٨١-٨٢) سبب مقولة الكلابية١ والأشاعرة بهذه المقالة، فقال: "فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرف وصوتا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك، زعما منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علما، وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات. قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما تقول: عبد الله، وخلق الله، وفعل الله. فضاق ابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة
[ ٥٤ ]
الجحيم١، الناكب بكم عن الصراط المستقيم، الذي لم يعرف له فضيلة في علم شرعي ولا دين مرضي، سوي علم الكلام المذموم المشؤوم الذي الخير فيه معدوم. نشأ في الاعتزال إلى أربعين عاما يناظر عليه ويدعوا الناس
_________________
(١) الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاما على المجاز، لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم. فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام، ثم خرجوا إلى إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه ١ يعني به أبا الحسن الأشعري، لكن كلامه في آخر أمره، قد تغير، حيث أثبت الكلام لله تعالى كما يثبته السلف الصالح، وقد نقل أبو عمرو الداني في "الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات" (ص٧٣) عن أبي بكر الباقلاني قوله: "قال أبو الحسن الأشعري ﵀: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو ضال مبتدع، وقائل بما لم يقل به أحد من سلف الأمة"
[ ٥٦ ]
إليه١، ثم أثمر ذلك مقالته هذه التي يرد بها على الله سبحانه وعلى نبيه ﷺ وخالف به المسلمين والجنة والناس أجمعين، فكيف رضيتم به إماما عوضا عن رسول الله ﷺ؟! وكيف قدمتم قوله على قول الله سبحانه؟!.
وكيف خالفتم إجماع المسلمين بمجرد قوله بلا حجة سوى مجرد تقليده والمصير إلى قوله؟!
وما عوض لنا منهاج جهم بمنهاج ابن آمنة الأمين
فلسان حالكم يقول: إن الحق ضاع عن رب العالمين ورسوله الصادق الأمين والصحابة والتابعين
_________________
(١) ١ انظر: "الفهرست" لابن النديم (ص٢٣١)، "الرد على من أنكر الحرف والصوت" للسجزي (ص١٤٠)، "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص٣٩)، "درء التعارض" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/٢٣٦) . ٢ ذكر هذا البيت مع غيره من الأبيات: اللاكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (١/١٤٨) .
[ ٥٧ ]
والجنة والناس أجمعين، حتى وجده قائدكم إلى الجحيم، فدعاكم إليه ونبهكم، فأجبتم مقاله، ورضيتم حاله، وقبلتم محاله، ونسبتم من لم يوافقكم على هذه الضلالة، ورميتموه بالجهالة.
وأهل السنة قبلوا قول ربهم ووصيته، رسول ربهم وسنته، وسلكوا سبيل سلفهم وطريقته ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ .
والله أعلم.
تمت الفتوى المباركة على يج أفقر الورى إلى رحمة ربه الجلي عبد صالح بن حسن بن صالح المقدسي الحنبلي السلفي، مصليا مسلما محوقلا يوم الاثنين ١٧ رجب سنة ١٢٢٧.
_________________
(١) سورة الأنعام، اللآيتان (٨١-٨٢) .
[ ٥٨ ]