أربع مراتب:
المرتبة الأولى: العلم وهى أن يؤمن الإنسان أيمانا جازما بان الله تعالى بكل شي عليم وانه يعلم ما في السماوات والأرض جملة وتفصيلًا سواء كان
[ ٢١ ]
ذلك من فعله أو من فعل مخلوقاته وانه لا يخفى على الله شي في الأرض ولا في السماء.
المرتبة الثانية: الكتابة وهى إن الله ﵎ كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شي.
وقد جمع الله تعالى بين هاتين المرتبتين في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، فبدا سبحانه بالعلم وقال أن ذلك في كتاب أي انه مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء به الحديث عن رسوله الله ﷺ: "أن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال رب ماذا اكتب؟ قال اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" ١. ولهذا سئل
_________________
(١) ١ رواه أبو داود، كتاب السنة، في باب القدر رقم (٤٧٠٠) والترمذي،كتاب القدر رقم"٢١٥٥".
[ ٢٢ ]
النبي ﷺ عما نعمله أشي مستقبل أم شي قد قضى وفرغ منه؟ قال: "أنه قد قضى وفرغ منه" ١.
وقال أيضا حين سئل: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب الأول قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ٢.
فأمرهم النبي ﷺ بالعمل فأنت يا أخي اعمل وأنت ميسر لما خلقت له.
ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] .
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١/٢٩" والترمذي،كتاب تفسير القران باب ومن سورة هود رقم "٣١١١". ٢ رواه البخاري،كتاب الجنائز باب موعظة المحدث عند القبر رقم "١٣٦٢" ومسلم كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه رقم "٢٦٤٧".
[ ٢٣ ]
المرتبة الثالثة: المشيئة وهى أن الله ﵎ شاء لكل موجود أو معدوم في السماوات أو في الأرض فما وجد موجود إلا بمشيئة الله تعالى وما عدم معدوم إلا بمشيئة الله تعالى وهذا ظاهر في القران الكريم وقد اثبت الله تعالى مشيئته في فعله ومشيئته في فعل العباد فقال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
فبين الله تعالى أن فعل الناس كائن بمشيئته وأما فعله تعالى فكثير قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [الأنعام: ١٣] وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] إلى آيات كثيرة تثبت المشيئة في فعله ﵎ فلا يتم الأيمان بالقدر
[ ٢٤ ]
إلا أن نؤمن بان مشيئة الله عامة لكل موجود أو معدوم فما من معدوم إلا وقد شاء الله تعالى عدمه وما من موجود إلا وقد شاء الله تعالى وجوده ولا يمكن أن يقع شي في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله تعالى.
المرتبة الرابعة: الخلق آي أن نؤمن بان الله تعالى خالق كل شي فما من موجود في السماوات والأرض إلا الله خالقه حتى الموت يخلقه الله ﵎ وان كان هو عدم الحياة يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] فكل شي في السماوات أو في الأرض فان الله تعالى خالقه لا خالق إلا الله ﵎ وكلنا يعلم أن ما يقع من فعله ﷾ بأنه مخلوق له فالسماوات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم والرياح والإنسان والبهائم كلها مخلوقات الله وكذلك ما
[ ٢٥ ]
يحدث لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات أحوال كلها أيضا مخلوقة لله ﷿.
ولكن قد يشكل على الإنسان كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري انه مخلوق لله ﷿؟.
فنقول: نعم يصح أن نقول ذلك لان فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين:
أحدهما: القدرة
والثاني الإرادة.
فإذا كان فعل العبد ناتجا عن أرادته وقدرته فان الذي خلق هذه الإرادة وجعل قلب الإنسان قابلًا للإرادة هو الله ﷿ وكذلك الذي خلق فيه القدرة هو الله ﷿ وكذلك الذي خلق فيه القدرة هو الله ﷿ ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب نقول إن خالق السبب التام خالق المسبب أي أن خالق المؤثر خالق للإثر فوجه كونه
[ ٢٦ ]
تعالى خالقا لفعل العبد أن نقول فعل العبد وقوله ناتج عن أمرين هما:
١ـ الإرادة
٢ـ القدرة
فلولا الإرادة لم يفعل ولولا القدرة لم يفعل لانه إذا أراد هو عاجز لم يفعل وإذا كان قادرا ولم يرد لم يكن الفعل فإذا كان الفعل ناتجا عن إرادة جازمة وقدرة كاملة فالذي خلق الإرادة الجازمة والقدرة الكاملة هو الله وبهذا الطريق عرفنا كيف يمكن أن نقول إن الله تعالى خالق لفعل العبد وألا فالعبد فهو الفاعل في الحقيقة فهو المتطهر وهو المصلى وهو المزكي وهو الصائم وهو الحاج وهو المعتمر وهو العاصي وهو المطيع لكن هذه الأفعال كلها كانت ووجدت بإرادة وقدرة مخلوقين لله عز
[ ٢٧ ]
وجل والأمر ولله الحمد واضح.
وهذه المراتب الأربع المتقدمة يجب أن تثبت لله ﷿ وهذا لا ينافى أن يضاف الفعل إلى فاعله من ذوى الإرادة.
كما نقول النار تحرق والذي خلق الإحراق فيها هو الله تعالى بلا شك فليست محرقة بطبيعتها بل هي محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة ولهذا لم تكن النار التي ألقى فيها إبراهيم محرقة لان الله قال لها ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردا وسلامًا على إبراهيم فالنار بذاتها لا تحرق ولكن الله تعالى خلق فيها قوة الإحراق وقوة الإحراق هي في مقابل فعل العباد كإرادة العبد وقدرته فبالإرادة والقدرة يكون الفعل وبالمادة المحرقة في النار يكون الإحراق فلا فرق بين هذا وهذا ولكن العبد لما كان
[ ٢٨ ]
له إرادة وشعور واختيار وعمل صار الفعل ينسب إليه حقيقة وحكمًا وصار مؤاخذا بالمخالفة معاقبا عليها لانه يفعل باختيار ويدع باختيار.
وأخيرا نقول: على المؤمن أن يرضى بالله تعالى رباٌ ومن تمام رضاه بالربوبية أن يؤمن بقضاء الله وقدره ويعلم انه لا فرق في هذا بين الأعمال التي يعملها وبين الأرزاق التي يسعى لها وبين الآجال التي يدافعها، الكل بابه سواء والكل مكتوب والكل مقدر وكل إنسان ميسر لما خلق له.
أسال الله ﷿ أن يجعلنا ممن ييسرون لعمل أهل السعادة وان يكتب لنا الصلاح في الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وأصحابه أجمعين.
[ ٢٩ ]