فصل
الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصًا له تعالى الألوهية المقتضية لعبادته في محبته وخوفه ورجائه ودعائه والاستعانة به، والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك، والمعاداة فيه، وأمثال هذا ناظرًا إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء والأولياء مميزًا بين الحقين.
وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، ومحبته، وموالاته وطاعته وهذا من تحقيق"لا إله إلا الله" لأن معنى "الا له" عند الأولين ماتألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع ونحو ذلك مما لا يكون إلا الله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١) ﴿تاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وهم ماسووهم به لا في الصفات، ولا في الذات، ولا في الأفعال، كما حكى الله عنهم في الآيات، والشاهد لله بأنه
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٦٥.
(٢) سورة الشعراء آية ٩٨،٩٧.
[ ٣٥ ]
لا إله إلا هو، وقائلها نافيا قلبه ولسانه لألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتا به الإلوهية لمستحقها وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضًا عن الوهية جميع المخلوقات لا يتألههم بما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلًا على عبادة رب الأرض والسموات وذلك يتضمن اجتماع القلب في عبادته ومعاملته على الله ومفارقته في ذلك كل ما سواه فيكون مفرقا في عمله، وقصده، وشهادته، وإرادته، ومعرفته، ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالما بالله، ذاكرًا له، عارفًا به، وانه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته، وأفعاله، وصفاته، فيكون محبا فيه مستعينا به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره.
وهذا المقام هو المعني في ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وهو من خصائص الألوهية التي يشهد له بها تعالى عباده المؤمنون. كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم وخلقه للسموات والأرض وما بينهما وما فيهما من الآيات، من خصائص الربوبية التي يشترك في معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى ابليس عليه اللعنة معترف بها في قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)
_________________
(١) سورة الفاتحة آية ٥.
(٢) سورة ص آية ٧٩.
[ ٣٦ ]
وقوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وأمثال هذا الخطاب الذي يعترف فيه بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما كفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه انه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى، وهم له بها يعترفون، قال تعالى: ﴿قلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصًا، وقال تعالى:
_________________
(١) سورة الحجر آية ٣٩.
(٢) سورة المؤمنون آية ٨٤، ٨٥.
(٣) سورة المؤمنون آية ٦١.
(٤) سورة العنكبوت آية ٦٥.
[ ٣٧ ]
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا الباب كثيرة جدًا.
وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين ابن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "يا حصين كم تعبد؟ قال ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: فمن ذا الذي تعد لرغبتك؟ قال الذي في السماء. فقال له رسول الله ﷺ: "أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن" فأسلم فقال له قل: "اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي".
فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام لما جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك
_________________
(١) سورة المؤمنون آية ٨١.٨٨.
(٢) سورة الشعراء من آية ٦٩ إلى ٧٤.
[ ٣٨ ]
كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
والمقصود
من الأدلة السابقة، ومما يأتي أن يفهم القارئ أن الدعاء هو العبادة روى النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الدعاء هو العبادة" -وفي رواية- "مخ العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا النسائي، وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ.
وهذه الصيغة تفيد حصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (٢)
إذ كل مدعو فهو اله قصد الداعي أن يكون مدعوه إلهًا أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء اله آخر له برهان.
_________________
(١) سورة غافر آية ٦٠.
(٢) سورة المؤنون آية ١١٧.
[ ٣٩ ]