٤٣ - أَوْ ذَابِحًا أو مُوفِيًا بِنَذْرِ … أَوْ مُسْتَعِيذًا غَيْرَهُ مِنْ ضُرِّ
الذبح لغير الله شرك بالله جل وعلا لأنه عبادة كما تقدم ولا يجوز صرفها لغير الله قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]
قال الشيخ صالح آل الشيخ ما ملخصه:
والذبح فيه شيئان مهمان: الأول: الذبح باسم الله، أو الذبح بالإهلال باسم ما.
الثاني: أن يذبح متقربا لما يريد أن يتقرب إليه، فإذًا: ثَمَّ التسمية، وثَمَّ القصد، وهما شيئان، أما التسمية، فظاهر: أن ما ذُكر عليه اسم الله فإنه جائز وأن ما لم يذكر اسم الله عليه، فهذا مما أهل لغير الله به فالتسمية على الذبيحة من جهة المعنى: استعانة، فإذا سمى الله: فإنه استعان في هذا الذبح بالله - جل وعلا -؛ لأن الباء في قولك: باسم الله، يعني أذبح متبركا، ومستعينا بكل اسم لله - جل وعلا -، أو بالله - جل وعلا - الذي له الأسماء الحسنى، فجهة التسمية إذًا جهة استعانة.
وأما القصد: فهذه جهة عبودية ومقاصد، فمن ذبح باسم الله لله كانت الاستعانة بالله والقصد من الذبح أنه لوجه الله تقربا لله - جل وعلا -، فصارت الأحوال عندنا أربعة:
• أن يذبح باسم الله لله، فهذا هو التوحيد.
• أن يذبح باسم الله لغير الله، وهذا شرك في العبادة.
[ ٨٣ ]
• أن يذبح باسم غير الله لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة أيضا.
• أن يذبح بغير اسم الله ويجعل الذبيحة لله، فهذا شرك في الربوبية.
فالواجب أن يذبح لله: قصدا وتقربا، وأن يسمي الله - جل وعلا - على الذبيحة، فإن لم يسم الله - جل وعلا - وترك التسمية عمدا فإن الذبيحة لا تحل،
وإن لم يقصد بالذبيحة التقرب إلى الله - جل وعلا - ولا التقرب لغيره، وإنما ذبحها لأجل أضياف عنده أو لأجل أن يأكلها، يعني: ذبحها لقصد اللحم، ولم يقصد بها التقرب: فهذا جائز، وهو من المأذون فيه؛ لأن الذبح لا يُشترط فيه أن ينوي الذابح التقرب بالذبيحة إلى الله - جل وعلا -.
والنذر أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئًا ممكنًا بأيِّة صيغة كانت، كأن يقول: لله عليّ أو لله نذر أو أنذر أو غير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه مكروه، كما تقدم عند البيت (١٨)
والذبح والنذر: عبادتان عظيمتان.
فعبادة الذبح فعلية عملية، وعبادة النذر عبادة قولية إنشاءً، وعملية وفاءً،
فالشرك الأكبر الذي يكون من جهة العمل، أنواع، ومنه الذبح لغير الله،
والشرك الأكبر الحاصل من جهة القول أنواع ومنه النذر لغير الله،
وكل من الذبح والنذر يصاحبهما اعتقاد تعظيم المخلوق، كتعظيم الله ﷿، وهذا شرك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]
[ ٨٤ ]
وقال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨]
والاستعاذة: بغير الله من الشرك الأكبر والاستعاذة: طلب العياذ، أو طلب العوذ؛ وهو الدعاء المشتمل على ذلك يقال استعاذ: إذا طلب العياذ، والعياذ: ما يؤمِّن من الشر، كالفرار من شيء مخوف إلى ما يؤمِّن منه، أو إلى من يؤمِّن منه، ويقابلها اللياذ، وهو: الفرار إلى طلب الخير، والتوجه إليه، والاعتصام به، والإقبال عليه، لطلب الخير. والطلب من أنواع التوجه والدعاء، لأن الطلب يدل على أن هناك من يُطلب منه والمطلوب منه لما كان أرفع درجة من الطالب: كان الفعل المتوجه إليه يسمى دعاء. وإذا كان دعاء فإنه يكون عبادة، والعبادة حق لله وحده دون من سواه، كما قام الإجماع على هذا، ودلت النصوص عليه، كقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] إذًا: فكل فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال فيه طلب: يكون عبادة؛ لأنه دعاء؛ وكل طلب: فهو دعاء. وصرفه لغير الله شرك وهذا ينطبق على الاستعاذة كما أوضحنا. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]
قال الحافظ ابن كثير: أَيْ: كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى الْإِنْسِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُوذُونَ بِنَا، أَيْ: إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا أَوْ مَكَانًا مُوحِشًا مِنَ الْبَرَارِي وَغَيْرِهَا كَمَا كَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهَا. يَعُوذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْجَانِّ، أَنْ يُصِيبَهُمْ بِشَيْءٍ يَسُوؤُهُمْ كَمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَدْخُلُ بِلَادَ أَعْدَائِهِ فِي جِوَارِ رَجُلٍ كَبِيرٍ وَذِمَامِهِ وَخَفَارَتِهِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِنُّ أَنَّ الْإِنْسَ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْهُمْ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَيْ: خَوْفًا
[ ٨٥ ]
وَإِرْهَابًا وَذُعْرًا، حَتَّى تَبْقَوْا أَشَدَّ مِنْهُمْ مَخَافَةً وَأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهِمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَيْ: إِثْمًا، وَازْدَادَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً ا. هـ
فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا؛ لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله - جل وعلا - والله سبحانه أمر أن يستعاذ به دون ما سواه فقال سبحانه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وغيرها من الآيات فَعُلِمَ من التنصيص على المستعاذ به وهو الله - جل وعلا - أن الاستعاذة حصلت بالله، وبغيره وأن الله أمر نبيه أن تكون استعاذته به وحده دون ما سواه.
وقال الشيخ صالح آل الشيخ أيضا ما ملخصه:
والاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، والعمل باطن هو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه. فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منها ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالإجماع لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهو طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها ا. هـ
[ ٨٦ ]