الجاهلية، نسبة إلى الجهل، والجهل عدم العلم، والجاهلية هي التي ليس فيها رسول وليس فيها كتاب. والمراد بها: ما كان قبل بعثة النبي -ﷺ-. قال الشيخ ابن عثيمين: والمراد بالجاهلية: ما قبل البعثة؛ لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن. لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فهذه منة عظيمة؛ أن بعث فيهم النبي -ﷺ- لهذه الأمور السامية: يتلو عليهم آيات الله. ويزكيهم؛ فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها. ويعلمهم الكتاب. والحكمة. هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، و"إن" هذه ليست نافية، بل مؤكدة؛ فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين. إذن المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله، وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر ا. هـ
وأمور الجاهلية أي خصالها التي يجب الابتعاد عنها؛ لأن خصال أهل الجاهلية مذمومة، كما جاء في صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ:
[ ١٢٥ ]
«أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» فكل خصلة من خصال أهل الجاهلية إذا ظهر من يعيدها إلى أهل الإسلام بعد أن أنقذهم الله من ذلك ببعثة النبي -ﷺ- وظهور القرآن والسنة وبيان الأحكام فإنه مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وهو من أبغض الرجال إلى الله ﷾. وقد ذكر الناظم من هذه الخصال ثمان خصال فبدأ بالأربع المجموعة في حديث أبي مالك الأشعري -﵁- فقال:
٥٩ - وَأَرْبَعٌ فِي أُمَّةِ الْمَعْصُومِ … مِنْهُنَّ الاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ
٦٠ - وَالنَّوْحُ ثُمَّ الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ … وَمِثْلُهُنَّ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ
ودليله ما رواه مسلم عن أَبَي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ -﵁- حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ» وَقَالَ -ﷺ-: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀- ما ملخصه:
قوله: "أربع" ليس للحصر؛ لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي -ﷺ- ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد؛ لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ
وقوله: " من أمر الجاهلية ": … أي: من شأن الجاهلية … وإضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب، إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال
[ ١٢٦ ]
الجاهلية؛ فالغرض من الإضافة هنا أمران: التنفير. وبيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان.
قوله: "لا يتركونهن": المراد: لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيء من ذلك؛ لأن هذا خبر من الصادق المصدوق -ﷺ- والمراد بهذا الخبر التنفير؛ لأنه -ﷺ- قد يخبر بأشياء تقع، وليس غرضه أن يؤخذ بها.