بَابُ الإِسْلامِ
٢٦ - مِنْ خَمْسَةٍ قَدْ بُنِيَ الإِسْلامُ … شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ وَالصِّيَامُ
٢٧ - وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ والصَّلاةُ … تَكَاسُلًا يَتْرُكَهَا الْعُصَاةُ
الإسلام لغة: الانقياد والاستسلام والخضوع. وشرعا: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك ومعاداة أهله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وأركان الإسلام خمسة كما في حديث ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) متفق عليه.
شهادة التوحيد: "شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"
تكاسلا يتركها العصاة: أي من ترك الصلاة تكاسلا فهو عاص، وليس بكافر كفرا مخرجا من الملة بل هو كفر عملي فترك الصلاة يسمى كفرا كما جاءت به النصوص الشرعية لكنه كفر عملي لا يخرج صاحبه من دائرة الإسلام
والكفر ينقسم إلى كفر عملي وكفر اعتقادي. والكفر العملي ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، ويخرج من الدين وإلى ما لا يضاده. فليس كلُّ كفرٍ عمليٍّ لا يخرج من ملَّة الإسلام، بل بعضه يخرج من ملَّة الإسلام. فالذَّبحُ لغيرِ الله، والسُّجود لغير الله، كفرٌ عمليٌّ مُخرجٌ من الملَّة، وهكذا لو صلَّى لغير الله أو سجد لغيره سبحانه، فإنَّه يكفر كفرًا عمليًَّا أكبر- والعياذ بالله - وهكذا إذا سبَّ الدِّين، أو سبَّ
[ ٥١ ]
الرَّسول، أو استهزأ بالله ورسوله، فإنَّ ذلك كفرٌ عمليٌّ أكبر عند جميع أهل السُّنَّة والجماعة. قال العلامة ابن باز -﵀-: من أتى بالكفر قولًا أو عملًا أو اعتقادًا كفر، هذا هو المعروف عند أهل العلم في باب حكم المرتد، إلا المكره. فإذا سب الدين، أو سب الله، أو سب الرسول، أو ترك الصلاة، أو سجد لغير الله، أو دعا غير الله؛ فقد كفر، ولو قال: إني لا أستبيحها، متى فعلها كفر، فمن يدعو الأموات ويستغيث بالأموات ولو قال: لا أستحلها؛ فهو كافر، … وهكذا من سب الله وسب الرسول، أو استهزأ بالدين كفر، ولو قال: ما أستحلها فلا يصدق، بل حكمه حكم الكفر كما صرح العلماء بذلك، وليس في هذا نزاع بين أهل العلم ا. هـ
٢٨ - وَكُفْرهُ الرَّاجِحُ دُونَ الرِّدَّةِ … وَأَجْمَعُوا رِدَّتَهُ بِالْجَحْدَةِ
تضمن الإشارة إلى أن من الكفر العملي ترك الصلاة. وهل كفره مخرج من الملة أم غير مخرج من الملة؟ رجح الناظم أن كفر تارك الصلاة لا يخرج من الملة. والتحقيق في هذا يتبين مما يلي: قال العلامة ابن قدامة -﵀- في المغني-:
تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو:
• إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا،
• أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ،
(١) فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ:
• فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، - كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ-، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
• وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ … وَهَذَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عَنْ
[ ٥٢ ]
الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فِي الِاسْتِتَابَةِ وَالْقَتْلِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
(٢) وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ أَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا:
قِيلَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ.
(٣) وَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا: دُعِيَ إلَى فِعْلِهَا، وَقِيلَ لَهُ: إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ. فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا وَجَبَ قَتْلُهُ. ا. هـ
وقد دلت الأدلة الشرعية على كفر تاركها كسلا وتهاونا ومن ذلك:
حديث جَابِرِ -﵁- قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رواه مسلم. وعن بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رواه الترمذي.
والقول بتكفير تارك الصلاة هو مذهب عامة أصحاب النبي -ﷺ- كما قال التابعي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ -﵀-: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رواه الترمذي. وفي لفظ: مَا كَانُوا يَقُولُونَ لِعَمَلٍ تَرَكَهُ رَجُلٌ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ، فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ: تَرْكُهَا كُفْرٌ رواه ابن أبي شيبة. وفي السنة لأبي بكر بن الخلال بسند صحيح عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانُوا يَقُولُونَ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُشْرِكَ فَيَكْفُرَ أَنْ يَدَعَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ»
وقال شيخ الإسلام -﵀-: "وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين"
واختلف العلماء في حقيقة الترك الذي يكون معه التارك للصلاة كافرا:
[ ٥٣ ]
• فقيل يكفر بترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها متعمدا؛
• وقيل يكفر بترك صلاتين؛
• وقيل يكفر بترك ثلاث صلوات فصاعدا حتى تخرج أوقاتها.
• وقيل إنما يكفر بتركها بالكلية وهو الصحيح ودليله:
حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» رواه أبو داود والنسائي. وفي رواية: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». فقوله: «وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ …» دليل على أنه إنما يكفر من لم يحافظ على الصلوات كلها وأما من ترك بعضها فإنه لا يكفر حيث أخبر النبي -ﷺ- أنه تحت المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
قال شيخ الإسلام -﵀-: (مَنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى تَرْكِهَا لَا يُصَلِّي قَطُّ، وَيَمُوتُ عَلَى هَذَا الْإِصْرَارِ وَالتَّرْكِ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُصَلُّونَ تَارَةً، وَيَتْرُكُونَهَا تَارَةً، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا، وَهَؤُلَاءِ تَحْتَ الْوَعِيدِ، وَهُمْ الَّذِينَ جَاءَ فِيهِمْ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ حَدِيثُ عُبَادَةَ … إلخ).
ويقول الشيخ ابن عثيمين -﵀-: (والذي يظهر من الأدلَّة: أنَّه لا يكفر إلا بترك الصَّلاة دائمًا؛ بمعنى أنَّه وطَّنَ نفسَه على ترك الصَّلاة؛ فلا يُصلِّي ظُهرًا، ولا عَصرًا، ولا مَغربًا، ولا عِشاء، ولا فَجرًا، فهذا هو الذي يكفر. فإن كان يُصلِّي فرضًا أو فرضين فإنَّه لا يكفر؛ لأنَّ هذا لا يَصْدُقُ عليه أنه ترك الصَّلاة؛ وقد قال النبيُّ
[ ٥٤ ]
-ﷺ-: «بين الرَّجُلِ وبين الشِّركِ والكفرِ تَرْكُ الصَّلاة»، ولم يقل: «تَرَكَ صلاةً» … ولأنَّ الأصلَ بقاءُ الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين؛ لأنَّ ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، فأصل هذا الرَّجُل المُعَيَّن أنَّه مسلمٌ؛ فلا نخرجه من الإسلام المتيقَّن إلا بدليل يخرجه إلى الكفر بيقين) ا. هـ
[ ٥٥ ]