الطيرة: التشاؤم، يقال: تطيرت من الشيء وبالشيء إذا تشاءمت به؛ كما في " الصحاح ". وقال الحافظ في " الفتح ": " أصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير؛ فإذا خرج أحدهم لأمر؛ فإن رأى الطير طار يمنة؛ تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة؛ تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، وليس في شيء من ذلك ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدّح بتركه، وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين "
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: الطيرة: هي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وقيل: التشاؤم بمعلوم مرئيا كان أو مسموعا، زمانا كان أو مكانا، وهذا أشمل؛ فيشمل ما لا يرى ولا يسمع؛ كالتطير بالزمان. وأصل التطير: التشاؤم، لكن أضيفت إلى الطير؛ لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به، وإلا؛ فإن تعريفها العام: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. وكان العرب يتشاءمون بالطير وبالزمان وبالمكان وبالأشخاص وهذا من الشرك كما قال النبي -ﷺ-. والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم؛ ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء، وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتر - والعياذ بالله -، وكان
[ ١٥٥ ]
بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة -﵂- هذا التشاؤم، بأنه -ﷺ- عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال؛ فكانت تقول: " أيكن كان أحظى عنده مني "؟ والجواب: لا أحد. ا. هـ فالمهم أن التشاؤم ينبغي للإنسان أن لا يطرأ له على بال؛ لأنه ينكد عليه عيشه؛ فالواجب الاقتداء بالنبي -ﷺ- حيث كان يعجبه الفأل فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير ولا يتشاءم، وكذلك بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه فيتركه، وهذا خطأ؛ فكل شيء ترى فيه المصلحة؛ فلا تتقاعس عنه في أول محاولة، وحاول مرة بعد أخرى حتى يفتح الله عليك ا. هـ
٧١ - وَتَحْرُمُ الطِّيَرَةُ وَالتَّشَاؤُمُ … وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا بَلْ يُقْدِمُ
ورد في ذلك أحاديث منها عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلَاثًا وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»
رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال الحافظ في "الفتح": وقوله: "وما منا إلا .. " من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري، عنه.
وفي الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» فنفى الرسول -ﷺ- العدوى كلها. والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح ونفى الطيرة وهي التشاؤم. وهذا النفي ليس نفيا للوجود؛ لأنها موجودة ولكنه نفي للتأثير؛ فالمؤثر هو الله، فما كان منها سببا معلوما؛ فهو سبب صحيح، وما كان منها سببا موهوما؛ فهو سبب باطل، ويكون نفيا لتأثيره بنفسه إن كان صحيحا، ولكونه سببا إن كان باطلا.
[ ١٥٦ ]
٧٢ - مُرَدِّدًا دُعَاءَهَا يُهَلِّلُ … وَإِنَّمَا يُذْهِبُهَا التَّوَكُّلُ
روى الإمام أحمد وغيره عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: " مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " وإسناده حسن وتقدم في حديث ابن مسعود: «… وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» والتوكل: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابا. فلا يكفي صدق الاعتماد فقط، بل لا بد أن تثق به؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] فمن اعتقد أن الخير لا يأتي به إلا الله وأن الشر لا يصرفه إلا الله وأنه لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله فقد توكل على الله وابتعد عن التطير والتشاؤم من الأشياء.
٧٣ - وَشِرْكُ مَنْ تَرُدُّهُ قَدْ قَالُوا … وَيُعْجِبُ الرَّسُولَ مِنْهَا الْفَالُ
تقدم حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ»
قال الشيخ صالح الأطرم -﵀- في الأسئلة والأجوبة في العقيدة: وقد تضافرت الأدلة على إبطال التطير ففي الحديث الشريف: «لا عدوى ولا طيرة» فالحديث ينفي اعتقاد تأثير التشاؤم بنفسه كما هو معتقد الجاهلية وقال -ﷺ-: «الطيرة شرك الطيرة شرك» وذلك أنهم يعلقون النفع والضر بغير الله … فإذا وقع في نفس الإنسان شيء بسبب مرئي أو مسموع اعتقد فيه وتشاءم فرده عن حاجته أو حمله على المضي فيها والشرع لم يجعله سببًا لذلك فهذه الطيرة الممنوعة وهذه هي الطيرة الشركية شرك أصغر فإن اعتقد أن ما تطير به يجلب النفع بنفسه أو يدفع الضرر
[ ١٥٧ ]
بنفسه فهذا شرك أكبر. والخلاصة أن ما جعله الإنسان سببًا ولم يجعله الله سببًا فهو شرك أصغر وإن اعتقد النفع أو الضر به فهو شرك أكبر … ا. هـ