قال العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز كما في مجموع الفتاوى (٨/ ٦٥/ بتصرف):
السحر من الجرائم العظيمة، ومن أنواع الكفر، ومما يبتلى به الناس قديما وحديثا في الأمم الماضية، وفي الجاهلية، وفي هذه الأمة، وعلى حسب كثرة الجهل، وقلة العلم، وقلة الوازع الإيماني والسلطاني - يكثر أهل السحر والشعوذة، وينتشرون في البلاد للطمع في أموال الناس والتلبيس عليهم، ولأسباب أخرى، وعندما يظهر العلم ويكثر الإيمان، ويقوى السلطان الإسلامي يقل هؤلاء الخبثاء وينكمشون، وينتفلون من بلاد إلى بلاد لالتماس المحل الذي يروج فيه باطلهم، ويتمكنون فيه من الشعوذة والفساد. وقد بين الكتاب والسنة أنواع السحر وحكمها.
فالسحر سمي سحرا؛ لأن أسبابه خفية، ولأن السحرة يتعاطون أشياء خفية يتمكنون بها من التخييل على الناس والتلبيس عليهم، والتزوير على عيونهم، وإدخال الضرر عليهم، وسلب أموالهم إلى غير ذلك، بطرق خفية لا يفطن لها في الأغلب، ولهذا يسمى آخر الليل: سحرا؛ لأنه يكون في آخره عند غفلة الناس وقلة حركتهم، ويقال للرئة: سحر؛ لأنها في داخل الجسم وخفية.
ومعناه في الشرع: ما يتعاطاه السحرة من التخييل والتلبيس الذي يعتقده المشاهد حقيقة وهو ليس بحقيقة، كما قال الله سبحانه عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]
[ ١٤٠ ]
وقد يكون السحر من أشياء يفعلها السحرة مع عقد ينفثون فيها، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]
وقد يكون من أعمال أخرى يتوصلون إليها من طريق الشياطين فيعملون أعمالا قد تغير عقل الإنسان، وقد تسبب مرضا له، وقد تسبب تفريقا بينه وبين زوجته فتقبح عنده، ويقبح منظرها فيكرهها،
وهكذا هي قد يعمل معها الساحر ما يبغض زوجها إليها، وينفرها من زوجها، وهو كفر صريح بنص القرآن، حيث قال ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فأخبر سبحانه عن كفرهم بتعليمهم الناس السحر، وقال بعدها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: هذا السحر وما يقع منه من الشر كله بقدر سابق بمشيئة الله، فربنا جل وعلا لا يغلب، ولا يقع في ملكه ما لا يريد، بل لا يقع شيء في هذه الدنيا ولا في الآخرة إلا بقدر سابق؛ لحكمة بالغة شاءها ﷾، ففد يبتلى هؤلاء بالسحر، ويبتلى هؤلاء بالمرض، ويبتلى هؤلاء بالقتل … إلى غير ذلك، … وهؤلاء السحرة قد يتعاطون أشياء تخييلية، … وهو: أن يعمل الساحر أشياء تجعل الإنسان لا يشعر بالحقيقة على ما هي عليه، فيكون بصره لا يدرك الحقيقة فقد يؤخذ من حانوته أو منزله ما فيه ولا يشعر بذلك، يعني: أنه لم يعرف الحقيقة، فقد يرى الحجر دجاجة، أو يرى الحجر بيضة، أو ما
[ ١٤١ ]
أشبه ذلك؛ لأن الواقع تغير في عينيه؛ بسبب عمل الساحر وتلبيسه، فسحرت عيناه، وجعل هناك من الأشياء التي يتعاطاها السحرة من المواد ما تجعل عينيه لا تريان الحقيقة على ما هي عليه، هذا من السحر الذي سماه الله: عظيما في قوله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]
٦٤ - وَالْجِبْتُ وَالسِّحْرُ هُمَا سِيَّانِ … وَكُفْرُ مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلانِ
٦٥ - دَلِيلُ كُفْرِهِ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ … وَحَدُّ سَاحِرٍ بِسَيفٍ نَحَرَهْ
وَالْجِبْتُ: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]
روى الطبري في تفسيره (٨/ ٤٦٢) عن حسان بن فائد قال: قال عمر -﵁-: "الجبت" السحر، و"الطاغوت" الشيطان. قال ابن كثير: وهكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، والضحاك، والسدي … وقال العلامة أبو نصر بن إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه "الصحاح": "الجبت" كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك ا. هـ
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: الجبت: اسم عام لكل ما فيه مخالفة لأمر الله- جل
وعلا- وأمر رسوله -ﷺ- في الاعتقاد، فقد يكون الجبت سحرا- وهذا هو الذي فسر به كثير من السلف الجبت، وقد يكون الجبت الكاهن، وقد يكون الجبت
[ ١٤٢ ]
الشيء المرذول الذي يضر صاحبه. ومعنى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله- جل وعلا-. ا. هـ
وَكُفْرُ مُسْتَعْمِلِهِ قَوْلانِ: أي وفي كفر مستعمل السحر وهو الساحر قولان لأهل العلم. قال العلامة سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر، وقيل: لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك فيكفر، وهذا قول الشافعي وجماعته. قال الشافعي -﵀-: إذا تعلم السحر قلنا له: صِفْ لنا سحرك، فإن وَصَفَ ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته، كفر. وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يُكَفِّر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك، وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ … قال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس -﵁- في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: وذلك أنهما علّماه الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر. وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا ا. هـ
[ ١٤٣ ]
وقال العلامة ابن عثيمين: السحر نوعان نوع كفر ونوع عدوان وظلم
أما الكفر فهو الذي يكون متلقى من الشياطين فالذي يتلقى من الشياطين هذا كفر ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]
وهذا النوع من السحر كفر مخرج عن الملة يقتل متعاطيه …
النوع الثاني من السحر سحر لا يكون بأمر الشياطين لكنه بأدوية وعقاقير وأشياء حسية فهذا النوع لا يُكفِّر ولكن يجب أن يقتل فاعله درءا لفساده وإفساده ا. هـ
دَلِيلُ كُفْرِهِ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ: يشير للآية المتقدمة ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو …﴾ [البقرة: ١٠٢]
وَحَدُّ سَاحِرٍ بِسَيفٍ نَحَرهْ: قال العلامة ابن باز -﵀-: الصحيح عند أهل العلم: أن الساحر يقتل بغير استتابة؛ لعظم شره وفساده، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستتاب، وأنهم كالكفرة الآخرين يستتابون، ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يستتاب؛ لأن شره عظيم، ولأنه يخفي شره، ويخفي كفره، فقد يدعي أنه تائب وهو يكذب، فيضر الناس ضررا عظيما؛ فلهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن من عرف وثبت سحره يقتل ولو زعم أنه تائب ونادم، فلا يصدق في قوله. ولهذا ثبت عن عمر -﵁- أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يتقى شرهم، قال أبو عثمان النهدي: (فقتلنا ثلاث سواحر)، هكذا جاء في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، وهكذا صح عن حفصة -﵂- أنها قتلت جارية لها، لما علمت أنها تسحر قتلتها، وهكذا جندب
[ ١٤٤ ]
بن عبد الله -﵁- الصحابي الجليل لما رأى ساحرا يلعب برأسه - يقطع رأسه ويعيده، يخيل على الناس بذلك - أتاه من جهة لا يعلمها فقتله، وقال: (أعد رأسك إن كنت صادقا). والمقصود: أن السحرة شرهم عظيم؛ ولهذا يجب أن يقتلوا، فولي الأمر إذا عرف أنهم سحرة، وثبت لديه ذلك بالبينة الشرعية وجب عليه قتلهم؛ صيانة للمجتمع من شرهم وفسادهم ا. هـ
٦٦ - وَهْوَ حَقِيقَةٌ وَبِالإِجْمَاعِ … كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ
وَهْوَ حَقِيقَةٌ: يعني أن السحر له حقيقة وتأثير مشاهد وملموس على المسحور. ولا يمنع ذلك أن يكون بعض أنواعه تخييل. وقد دل قوله الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] على أن للسحر حقيقة، وإلا، لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فهذه الآية تدل عل أن للسحر حقيقة تكون سببًا للتفريق بين المرء وزوجه. وهذا القول هو قول أهل السنة وقال قوم من أهل البدع السحر كله تخييل وتمويه وتخيل وإيهام لكون الشيء ولا حقيقة له.
قال العلامة ابن القيم -﵀- في بدائع الفوائد: وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد قالوا وإنما ذلك تخيل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث ا. هـ
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة. لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، هذا خيال وليس
[ ١٤٥ ]
حقيقة. وانظر إلى قول الله ﵎ في قصة السحرة في آل فرعون، يقول الله ﷿: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، كيف سحروا أعين الناس؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في سورة طه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء، وتحريك الساكن، أو تسكين متحرك، هذا ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور، حتى يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، هذا أثره ظاهر جدًا، إذا فله حقيقة، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه، وربما يهلكه. ا. هـ
كَالصَّرْفِ وَالْعَطْفِ عَلَى أَنْوَاعِ: إشارة إلى بعض أنواع السحر وهي الصرف والعطف فالصرف: صرف الرجل عما يهواه؛ كصرفه مثلًا عن محبة زوجته إلى بغضها. والعطف: عمل سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.
[ ١٤٦ ]