قال الجرجاني في التعريفات: الهداية الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب وقد يقال هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب ا. هـ
وقال المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف: الهداية: دلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المطلوب وقيل سلوك طريق يوصل إلى المطلوب. وقيل: سلوك طريق توصل إلى المطلوبا. هـ
بَابُ الْهِدَايَةِ
٨٣ - ثُمَّ الْهِدَايَةُ هِدايَتَانِ … هِدَايَةُ الْتَّوْفِيقِ لِلإِحْسَانِ
٨٤ - وَتِلْكَ يَخْتَصُّ بِهَا الْحَمِيدُ … يَهْدِي بِهَا لِلْحَقِّ مِنْ يُرِيدُ
٨٥ - وَبَعْدَهَا هِدَايَةُ الإِرْشَادِ … فِي سُورَةِ الشُّورَى أَتَتْ وَصَادِ
هِدايَتَانِ: الأولى هداية التوفيق أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم سبحانه. وهي خاصة بالله تعالى. والثانية: هداية الدلالة والإرشاد وتكون للأنبياء والدعاة وغيرهم
فِي سُورَةِ الشُّورَى: يشير إلى قول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]
[ ١٦٩ ]
وَصَادِ: يشير إلى قول الله سبحانه: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢] فالهداية هنا بمعنى الدلالة والإرشاد.
قال الشيخ صالح آل الشيخ وفقه الله:
جاءت الهداية في مواضع كثيرة من القرآن، وقسَّمَهَا أهل العلم إلى أربعة أقسام:
١ - النوع الأول: الهداية الغريزية وهي هداية المخلوق إلى ما فيه بقاء حياته وحُسْنِ معاشه، والدليل على هذه المرتبة قوله ﷿ ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] يعني هَدَاهُ إلى ما فيه مصلحته في دنياه، إلى آخر ذلك. فالله - ﷿ - هَدَى الرضيع كيف يلتقم الثدي ويحتاج إليه، وهَدَى الطائر لمصلحته، وهدى الحيوان لمصلحته، إلى آخر ذلك.
٢ - النوع الثاني: الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد؛ دلالة وإرشاد من آخر لما فيه مصلحة العبد في دنياه أو في آخرته أو فيهما معًا، وهذه هي الأكثر في القرآن وهي هداية الدّلالة والإرشاد، وهي التي جاءت في مثل قوله ﷿ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، يعني دال يدلّهم على الطريق.
٣ - النوع الثالث: هداية التوفيق وهي أخصُّ من التي قبلها، وهذه خاصة بالله - ﷿ -، وهو الذي يُوَفِّقْ ويُلْهِم، فالرسل هُدَاة بمعنى أنهم يَدُلُّونَ ويُرْشِدُون؛ لكن هداية التوفيق هذه من الله ﷻ قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]، هذا حصر التوفيق من الله - ﷿ - دون ما سواه، لهذا نفاها ربنا - ﷿ - عن نبيه -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، فنَفَى عنه الهداية في هذه الآية وجعلها لله ﷿ مع إثباتها لنبيه -ﷺ- في قوله - ﷿ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
[ ١٧٠ ]
مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] فالنبي -ﷺ- يَهْدِي ولا يَهْدِي. يَهْدِي بمعنى أنه يَدُلُّ ويُرْشِدْ ويُعَلِّمْ إلى آخر هذه المعاني، ولا يَهْدِي بمعنى هداية التوفيق لا يُوَفِّقْ بل الذي يُوَفِّقْ ويُعِين العبد ويَصْرِفْ عنه السوء، ويُعِينُهُ على الطاعة ويصرف عنه الشياطين حتى يهتدي -بمعنى حتى يستقيم على أمر الله-، هذا رب العالمين - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
٤ - النوع الرابع: الهداية التي جاءت في سورة محمد وهي هداية أهل النار للنار وهداية أهل الجنة للجنة، فهداية أهل الجنة للجنة في قوله ﷻ ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٥]، هذه الهداية وقَعَتْ بعد القتل، وما بعد القتل الهداية إلى أيّ شيء؟ هداية إلى الجنة، لهذا قال بعدها ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦]، قال العلماء: يهديهم يعني إلى صراط وإلى طريق الجنة، وهداية أهل النار إلى النار كقوله في سورة الصافات ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤]
والذّي يتصل بالإيمان بالقضاء والقدر وفعل العبد من هذه المراتب المرتبتان الثانية والثالثة: هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق والإلهام،
ولذلك شاع عند العلماء أن الهداية قسمان: هداية دلالة وإرشاد. وهداية توفيق وإلهام. لأنَّ هذين النوعين هما اللذان نحتاج إليها في أعظم المسائل المتعلقة بالهداية وهي مسألة القضاء والقدر والهداية والضلال، أما الهداية العامة، وهداية أهل الجنة للجنة وهداية أهل النار للنار هذه مُتَفَقْ عليها معلومة عند الجميع ا. هـ
[ ١٧١ ]