٢١ - فَاللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى … وَوَجْهُهُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ يُرَى
الدليل قول الله تعالى في ستة مواضع من كتابه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فيجب أن نؤمن بأنه ﷾: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. واستواؤه على العرش، علوه عليه بذاته، علوا خاصا، يليق بجلاله وعظمته، لا يعلم كيفيته إلا هو. ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه، وهو على عرشه، يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر أمورهم، يرزق الفقير ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ولا نقول كما تقول الحلولية، من الجهمية وغيرهم: إنه مع خلقه في الأرض. فمن قال ذلك، فهو كافر أو ضال لأنه وصف الله بما لا يليق به من النقائص. ومن جميل ما قيل في ذلك قول بعض أهل العلم:
عَلىَ عرْشِهِ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ اسْتَوىَ … كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ وَالمُصْطَفَى رَوَى
وَذَاكَ اسْتِواءٌ لَائِقٌ بِجَلَالِهِ … وَأَبْرَأُ مِنْ قَوْلِي لَهُ العرْشُ قَدْ حَوَى
فَمَنْ قَالَ مِثْلَ الفُلْكِ كَانَ اسْتِواَؤُهُ … عَلَى جَبَلِ الجودِي مِنْ شَاهِقٍ هَوَى
وَمَنْ يَتَّبِعْ مَا قَدْ تَشاَبَهَ يَبْتَغِي … بِهِ فِتْنَةً أَوْ يَبْغِي تَأْوِيلَهُ غَوَى
فَلَمْ أَقُلِ اسْتَوْلَى وَلَسْتُ مُكَلَّفًا … بِتَأْوِيِلِهِ كَلَّا وَلَمْ أَقُلِ احْتَوَى
ومَنْ قَالَ لي كَيْفَ اسْتَوَى لَا أُجِيبُهُ … بِشَيء سِوَى أَنِّي أَقُولُ لَهُ اسْتَوَى
[ ٤٦ ]
ووجهه في جنة الخلد يرى: فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وفي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وفي الصحيحين عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ البجلي -﵁- قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا»
٢٢ - فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ يَنْزِلُ … تُعْطِي يَدَاهُ كَرَمًا مَنْ يَسْأَلُ
دليله: ما ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»
وقال الإمام ابن أبي داود -﵀- في حائيته:
وَقُلْ يَنْزِلُ الجَبَّارُ في كُلِّ لَيْلَةٍ … بِلا كَيْف جَلَّ الواحدُ المتَمَدِّحُ
إلى طَبَقِ الدُّنيا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ … فَتُفْرَجُ أَبْوابُ السَّماءِ وتُفْتحُ
يَقولُ: ألا مُسْتغفِرٌ يَلْقَ غَافِرًا … ومُسْتَمنِحٌ خَيْرًا ورِزقًا فأمْنَحُ
رَوَى ذَاكَ قَومٌ لا يُرَدُّ حَدِيثَهم … ألا خَابَ قَوْمٌ كذَّبوهُم وقُبِّحُوا
[ ٤٧ ]
فهذا وما أشبهه مما صح نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه.
تعطي يداه كرما من يسأل: فيه التنبيه على إثبات صفة اليدين لله ﷿.
ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: " قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ"
٢٣ - كَلامُهُ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِهِ … كَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ حَيَاتِهِ
مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد -ﷺ-. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] ومعنى قولهم: " منه بدأ " أن الله تكلم به ابتداء، وفيه رد على أهل البدع القائلين بأنه خلقه في غيره. وأما قولهم: "وإليه يعود" فيحتمل معنيين: أحدهما: أنه تعود صفة الكلام بالقرآن إليه بمعنى أن أحدا لا يوصف بأنه تكلم به غير الله، لأنه هو المتكلم به، والكلام صفة للمتكلم. الثاني: أنه يرفع إلى الله تعالى كما جاء في سنن ابن ماجة عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «…
[ ٤٨ ]
وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ …» الحديث وذلك إنما يقع - والله أعلم - حين يعرض الناس عن العمل بالقرآن إعراضا كليا فيرفع عنهم تكريما له والله المستعان.
كعلمه وسمعه حياته: وهذه من صفات الله تعالى نثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته وأدلة ذلك كثيرة معلومة. ولما كان الأشعرية-وهي من فرق أهل البدع المخالفين لأهل السنة- لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا زعموا أن العقل دل عيها ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له * إرادة وكذاك السمع والبصر
فبين الناظم أنهم لما أقروا بإثبات هذه الصفات لزمهم إثبات صفة الكلام، فإنهم يثبتون لله كلاما نفسيا وينكرون أن يكون الله يتكلم حقيقة وزعموا أن إثبات ذلك يؤدي إلى التشبيه. وهذا باطل فإننا إذا اتفقنا وسائر المسلمين على أنه تعالى: حي عليم قدير، وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين، فنقول: وكذلك الرحمة والمحبة والكلام وسائر الصفات المثبتة في الكتاب والسنة التي نثبتها لله - تعالى - ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق وهكذا.
٢٤ - وَكُلُّ وَصْفٍ جَاءَ فِي الْقُرْآَنِ … أَوْ صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ الْعَدْنَاني
٢٥ - نُثْبِتُ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ كَيْفِ … وَغَيْرِ تَعْطِيلٍ وَغَيْرِ زَيْفِ
هذه قاعدة تقدم بيانها وهي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-. ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله -ﷺ-
الْعَدْنَاني: نِسبَةً إلى عدنان، فإنه -ﷺ-: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن
[ ٤٩ ]
مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وقد أجمع المؤرخون على أن عدنان من ولد نبي الله إسماعيل -﵍- لكن الأسماء النَّسَبِيَّة من عدنان إلى إسماعيل -﵍- لم يتفقوا عليها.
وقوله: بغير كيف … إلخ سبق بيانه.
[ ٥٠ ]