الحمد لله الذي ليس سواه واجب الوجود الذي وعد الذين سعدوا بدوام النعيم في جنات الخلود وتوعد الذي شقوا بالأبدية في النار ذات الوقود وأخبر أنه مبدلهم جلودا ليذوقوا العذاب كلما نضجت منهم الجلود وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تدافع عن قائلها إذا كانت الأعضاء هي الشهود وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صاحب المقام المحمود في يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود صلى الله عليه وعلى آله الركع السجود
وبعد فإن السائل أدام الله له التوفيق وسلك لنا وبه مناهج ذوي التحقيق طلب كشف الأستار عن وجه مسألة فناء النار ودخول المشركين من أهلها مداخل الأبرار. وهذه المسالة من غرائب المسائل ومما خلت عنها أسفار المقالات الحوافل وأشار إليها السيد الإمام محمد بن إبراهيم ﵀ في (الإيثار) (^١) وقال:
_________________
(١) يعني كتابة (إيثار الحق على الخلق) (ص ٢١٩ - طبعة الآداب والمؤيد)
[ ٦١ ]
(وقد أفردت في هذه المسألة مصنفات حافلة منها لابن تيمية (^٢) ومنها لتلميذه شمس الدين ومنها للذهبي (^٣) ومنها لي) هذا لفظه
ولم أقف على غير ما في (حادي الأرواح) ولعل الله سبحانه يعين بالوقوف على مؤلف الذهبي والسيد محمد بمنه وفضله
وحيث استكشف السائل عن حقيقتها وما عليها من الدلائل تعين [علينا] (^٤) أن نكشف عن وجوه أدلتها النقاب ونبرز المطوي تحت لثامها بعيون أذهان أولي الألباب ونستوفي فيها المقال وإن خرجنا عن الإيجاز إلى الإطناب والإسهاب لأنه عز وجود ما ألف فيها فيحال عليه ولا أعرف فيها منازعا لمدعيها فأرشد إليه
وليعتذر السائل (^٥) عن تأخر الجواب فإنه لم يكن استخفافا
_________________
(١) انظر المقدمة (ص ٨)
(٢) لعله يعني (الجزأين في صفة النار) فإنه قد ذكره الدكتور بشار عواد معروف في تقديمه لكتاب (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي (ص ١٥) . ومما ألف في المسألة: (الاعتبار ببقاء الجنة والناس) لتقي الدين علي بن عبد الباقي السبكي الشافعي المتوفى سنة ست وخمسين وسبعمائة ذكره كات جلبي في (كشف الظنون) ولم أقف عليه وكأنه رد مباشر على ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى ومن ذلك (توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين) للشيخ مرعي الكرمي الحنبلي المتوفى سنة (١٠٣٣)
(٣) سقطت من الأصل
(٤) كذا الأصل ولعل الصواب (ولنعتذر السائل) كما يدل عليه السياق
[ ٦٢ ]
بالسائل ولا تحقيرا للمسائل بل لما يتواثب على القلوب من الاشتغال. ولم يزل التسويف حتى تقضت أيام وليال فنقول:
اعلم أن هذه المسألة أشار إليها الإمام الرازي في مفاتيح (الغيب) (^٦) ولم يتكلم عليها بدليل نفي ولا إثبات ولا نسبها إلى قائل معين ولكنه استوفى المقال فيها العلامة ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح) (^٧) نقلا عن شيخه العلامة شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية فإنه حامل لوائها ومشيد بنائها وحاشد خيل الأدلة منها ورجلها ودقها وجلها وكثيرها وقليلها (^٨) وأقر كلامه تلميذه ابن القيم وقال في آخرها: (إنها مسألة أكبر من الدنيا وما فيها بأضعاف مضاعفة) هذا كلامه في آخر المسألة في (حادي الأرواح) وإن كان في (الهدي النبوي) أشار إشارة محتملة لخلاف ذلك حيث قال:
(ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار
_________________
(١) ج ١٨ ص ٦٣ - الطبعة البهية المصرية
(٢) (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح) كذا وقع في الأصل: (ديار) والذي في طرة الكتاب ومقدمته: (بلاد) والبحث في المجلد الثاني منه (ص ١٦٧ - ٢٢٨) وعزو المؤلف الاستيفاء لابن القيم مسلم وأما قوله نقلا عن شيخه ابن تيمية فغير مسلم لأن الكثير منه بل غالبه لم يعزه لابن تيمية وانظر المقدمة (ص ٨)
(٣) قلت: ابن القيم بهذا الوصف أولى من شيخه ابن تيمية كما بينته في المقدمة (ص ٧)
[ ٦٣ ]
خبثه بل لو أخرج منها عاد [خبيثا] وكما كان كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه وقد حرم الله عليه الجنة) انتهى كلامه (^٩)
قلت وحيث كانت بهذه المثابة التي ذكرها من أنها أكبر من الدنيا فلا غنى لنا عن نقل أدلتها التي ارتضاها ابن تيمية وتعقب كل دليل بما يفتح الله به من إقراره أو بيان اختلاله فنقول:
قال ابن القيم بعد نقله لأقوال الناس والمعروفة في كتب المقالات:
(السابع: قول من يقول بل يفنيها (أي النار) خالقها ﵎ فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها)
يريد ويدخل الله من كان فيها من الكفار الجنة كما ستعرفه من الأدلة التي ذكرنا - ثم قال:
[قال] شيخ الإسلام (يريد به شيخه أبا العباس ابن تيمية): وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي
هريرة وأبي سعيد وغيرهم)
_________________
(١) يعني ابن القيم في (الهدي النبوي) وهو المشهور ب (زاد المعاد في هدي خر العباد) ذكر ذلك في آخر مقدمته الرائعة. وفي كلامه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ [المائدة / ٧٢]
[ ٦٤ ]
ثم ساق بسنده إلى الحسن البصري أنه قال: قال عمر: (لو لبث أهل النار كقدر رمل عالج لكان لهم [على ذلك] يوم يخرجون فيه) . وفي رواية (عدد (^١٠) رمل عالج) (^١١) قال ابن تيمية: (والحسن وإن لم يسمع من عمر فلو لم يصح عنده عن عمر لم يجزم به) . انتهى كلامه (^١٢)
وأقول فيه شيئان:
الأول: من حيث الرواية فإنه منقطع لنص شيخ الإسلام بأنه لم يسمعه الحسن من عمر واعتذاره بأنه لو لم يصح للحسن عن عمر لما جزم به يلزم أن يجري في كل مقطوع يجزم به راويه (^١٣) ولا يقول هذا أئمة الحديث كما عرفت في قواعد أصول الحديث بل الانقطاع عندهم علة والجزم معه تدليس وهو علة أخرى ولا يقوم بمثل ذلك الاستدلال في مسألة فرعية كيف في مسألة قيل أنها أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة وهذا البخاري أمير المؤمنين في
_________________
(١) الأصل (كعد) والتصويب من (الحادي) ومخطوطة المكتب الإسلامي المصورة في المقدمة
(٢) قلت: إسناده ضعيف لانقطاعه كما سيبينه المؤلف ﵀ قريبا وكنت صنعت نحوه في المصدر السابق (٢ / ٧٣) قبل أن أقف على كلامه هذا بسنين وهو من رواية عبد بن حميد الكشني
(٣) الحادي (٢ / ١٧١ - ١٧٢) ونحوه في مخطوطة الكتب المنقولة عن رسالة ابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص ١٠) والزيادة منهما
(٤) الأصل (رواية) وهو خطأ من الناسخ
[ ٦٥ ]
علم الحديث وأشدهم تحريا في الصحيح لم يقل النقادون بأن تعاليقه المجزومة التي أودعها في كتابه الذي سماه (الصحيح) صحيحة بل فيها الضعيف كما نص عليه ابن حجر في مقدمة (الفتح)
والحسن البصري معروف عند أئمة هذا الشأن بأنه لا يؤخذ بمراسيله. قال الدارقطني في (السنن) وقد روى عاصم الأحول عن ابن سيرين (^١٤) وكان عالما بأبي العالية وبالحسن. قال: (لا تأخذوا بمراسيل الحسن ولا أبي العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا عنه) . انتهى (^١٥)
قلت ثم قال ابن تيمية ولو كان كلام عمر هذا غير صحيح
_________________
(١) الأصل (ابن أسيد) والتصحيح من (سنن الدارقطني) (١ / ١٧١ - مصر)
(٢) قلت: ومما يؤيد هذا أننا وجدنا الحسن البصري نفسه لا يأخذ ببعض مراسليه التي وردت عنه ومما يحضرن الآن على سبيل المثال حديثه عن سمرة مرفوعا: لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فسمته فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) . فقد صح عن الحسن خلافه كما هو مبين في (الضعيفة) (٣٤٢) . وما لنا نذهب بعيدا فإن مثل أثر عمر هذا الذي رواه الحسن عن أثر ابن عمرو الآتي (ص ٨٠): ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيه أحد …) رواه الفسوي وزاد: (قال ثابت البناني: سالت الحسن عن هذا؟ فأنكره وأما مرسلات الحسن التي لا يأخذ بها ابن القيم وغيره من المحققين فحدث عنها ولا حرج وقد ذكرت نماذج منها في (الضعيفة) (١ / ٧٤) منها حديث الضحك في الصلاة في الصلاة الذي أعله الدارقطني في (السنن) بكلامه الآتي قريبا في الكتاب
[ ٦٦ ]
لما تداولته الأئمة ولوجب إنكارهم له لمخالفته الإجماع والكتاب والسنة) (^١٦)
قلت: يقال: كلام عمر كغيره من الأقوال الدالة على خروج الموحدين من النار وهو قول عليه جماهير الأئمة منهم ابن تيمية وستعرف أنه لا يصح أثر عمر إلا على تقدير أنه أراد به. الموحدين وأنه يتعين حمله على ذلك عند شيخ الإسلام نفسه وعند غيره
والثاني من حيث الدراية فإنه لو ثبت صحته عن عمر لم يدل على المدعى فإن أصل المدعى هو: فناء النار وأن لها مدة تنتهي إليها. وليس في أثر عمر هذا إلا أنه يخرج أهل النار من النار والخروج لا يكون إلا وهي باقية فإنك لو قلت: لو لبث زيد في الدار كذا وكذا ثم خرج (^١٧) منها لم يدل هذا على فناء الدار لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما. فإن قيل: بل هو يدل على فنائها التزاما لأنه تعالى إنما خلقها ليعذب بها من عصاه فبعد خروجهم لم يبق لها حاجة فالحكمة تقتضي فناءها
قلت هذا دور فإنه لا يثبت أن الحكمة يقتضي فناءها إلا إذا
_________________
(١) ملخص من (الحادي) (٢ / ١٧٢) ونحوه في المخطوطة (ص ١٠)
(٢) الأصل (لم يخرج) ولعل الصواب ما أثبتنا الدور هو ترتيب شيء على شيء بحيث لا يكون هذا إلا إذا كان هذا ويمثل له بقول أحدهم: قضية الدور قامت بيني وبين من أحب فلولا شيبي ما هجر ولولا هجره لم أشب (زهير)
[ ٦٧ ]
لم يبق فيها أحد ولا يخرج أحد من أهلها إلا بعد فنائها كما تسمع تصريح ابن تيمية بذلك حيث قال:
(وأما [كون] الكفار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يقضي عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة) . هذا لفظه (^١٨)
وإذا عرفت مراده عرفت أن أثر عمر لا يدل على مدعاه بشيء من الدلالات الثابتة فإنه قال: (إنهم يخرجون منها) وهذا واضح في الخروج منها وهي باقية فلا بد من حمل أثره على معنى صحيح إذ لا يصح حمله على خروج الكفار عند أحد لا ابن تيمية كما عرفت ولا غيره فإنه لا يقول أحد بخروج الكفار من النار فإن صح أثر عمر حمل على أنه أراد خروج الموحدين الذين استحقوا
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٨٥) في (فصل في الذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق …) ولم يذكر فيه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية لكن لا يبعد أن يكون تلقى الفكرة منه ثم صاغها بأسلوبه العذب كما هي عادته في الغالب فهو من كلام ابن القيم ويؤيده أنه لم يذكر في المخطوطة المنقولة عن رسالة ابن تيمية المشار إليها آنفا
[ ٦٨ ]
دخول النار بذنوبهم كما دلت عليه الأدلة المعروفة الصحيحة الصريحة التي لا مرية في صحتها
إلا أن ابن تيمية منع من حمل كلام عمر على ذلك وقال:
(إنما أراد عمر بأهل النار الذين هم أهلها (وهم الكفار): وأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها ولا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه) (^١٩)
فأقول: ولا يخفى ضعف هذا الرد لأن كونهم قد علموا ذلك لا يمنع أن يؤدوه لمن لا يعلمه ويخبروا أنه اعتقادهم وقد علم في فن البيان: أن الإخبار يكون بفائدة الحكم أو لازمها فعلم السامعين بالحكم لا يمنع عن التكلم به وإلقائه إليهم وأما كون عصاة الموحدين لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه فمسلم ولم يقل عمر أنهم يلبثون قدر رمل عالج بل أتى بقضية شرطية فقال: (لو لبث) أي: أنه لو طال لبثهم ذلك القدر لخرجوا ولا دليل في كلامه أنهم يلبثون ذلك القدر فعرفت أيضا (^٢٠) غير مانع عن حمل أثر عمر على عصاة الموحدين مع أنه لا يصح حمله على الكفار لأنهم يلبثون أكثر من عدد رمل عالج فقد أخرج الطبراني في (الكبير) من
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٧٢) . وهو أيضا في مخطوطة المكتب الإسلامي (ص ١٠ - ١١)
(٢) هنا في الأصل خرم قدر لفظة ولعلها (أنه) أو نحوه
[ ٦٩ ]
حديث ابن مسعود مرفوعا:
(موضوع) (لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا …) الحديث (^٢١)
ومما سمعت تعين حمل أثر عمر على عصاة الموحدين عند شيخ الإسلام وعند جميع علماء الأنام
وإذا عرفت هذا طال تعجبك من نسبة ابن تيمية القول بفناء النار إلى عمر واستدلاله لذلك بهذا الأثر المنقطع رواية الذي هو بمراحل عن الدلالة من حيث الدراية
تنبيه: وأما مدة لبث عصاة الموحدين فإنها مختلفة فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في (السنة) من حديث علي يرفعه (إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين. (وفيه): أن منهم من يمكث شهرا ثم يخرج منها ومنهم من يمكث سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى) (^٢٢)
ومثله [ما] أخرج الحكيم في (نوادر الأصول) ولفظه (وأطولهم فيها مكثا مثل الدنيا منذ خلقت إلى أن فنيت وذلك
_________________
(١) هو حديث موضوع كما كنت حققته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) فراجعه فيه تحت رقم (٦٠٥)
(٢) لم يتيسر لي الآن الوقوف على إسناده لبعدي عن (معجم الحديث) الذي كنت جمعته قديما من مخطوطات المكتبة الظاهرية وغيرها فليراجع في (كنز العمال) أو (الجامع الكبير) للسيوطي
[ ٧٠ ]
سبعة آلاف سنة) (^٢٣)
ثم قال شيخ الإسلام مستدلا على فناء النار بما رواه على ابن أبي طلحة في (تفسيره) عن ابن عباس أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا) (^٢٤)
وأقول: لا يخفى على ناظر أنه لا دلالة في هذا الأثر ولا رائحة دلالة على المدعى من فناء النار بل غاية ما يفيده الإخبار عن أنه لا يجزم للمؤمن أنه من أهل الجنة ولا العاص من عصاة المؤمنين أنه من أهل النار. وهذا المعنى ثابت في الأحاديث النبوية الصحيحة
_________________
(١) أخرجه الحكيم من طريق يعلى بن هلال عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا: (إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها وهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم ولا تزرق عيونهم ولا يغلون بالأغلال ولا يقرنون مع الشياطين ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الأدراك منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج وأطولهم …) نقلته من رسالة (الكشف) للسيوطي وهذا سند ضعيف بل أخشى أن يكون (يعلى) محرفا من (المعلى) وهذا كذاب فراجع (السلسلة) (٥٢٠١)
(٢) قلت هذا أثر منقطع لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع عن ابن عباس وإن كان معناه صحيحا على ما سيبينه المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى ثم أن في الطريق إليه عبد الله بن صالح وفيه ضعف رواه عنه ابن جرير (١٣٨٩٢) وابن أبي حاتم أيضا كما في (تفسير ابن كثير) . والأثر في (الحادي) (٢ / ١٧٣) غير معزو لابن تيمية صراحة ولم يذكره الناقل عن ابن تيمية في مخطوطة المكتب
[ ٧١ ]
فقد أخرج الترمذي (^٢٥) من حديث أنس أنه توفي رجل فقال رجل آخر ورسول الله ﷺ َ وآله وسلم يسمع: أبشر بالجنة. فقال رسول الله ﷺ َ: (وما يدريك لعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه) . بل ورد في الطفل الذي لا تكليف عليه نحو ذلك (^٢٦)
وقد صرح ابن القيم في آخر كتابه (حادي الأرواح) في الباب السبعون فيما زعم أنه عقيدة أهل السنة وعقيدة الصحابة وأهل العلم وأصحاب الأثر بأنه لا يشهد لأحد من أهل القبلة أنه من أهل النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث وأن لا يشهد لأحد أنه في الجنة بصالح عمله إلا أن يكون ذلك في حديث. انتهى (^٢٧)
_________________
(١) في (الزهد) (٢٣١٧) من طريق الأعمش عن أنس به وقال: (حديث غريب) . قلت: يعني ضعيف وذلك لأن الأعمش لم يسمع من أنس. لكنه يتقوى فإن له شاهدا من حديث أبي هريرة مرفوعا رواه أبو يعلى والبيهقي وسكت عنه المنذري ووقع في الأصل (يعنيه) مكان (ينقصه) وشاهد آخر عن كعب بن عجرة رواه ابن عساكر كما في (كنز العمال) (٣٥٢٢)
(٢) لعله يشير إلى حديث عائشة ﵂ قالت: دعي رسول الله ﷺ َ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال: (أو غير ذلك يا عائشة: إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) . رواه مسلم (٨ / ٥٥)
(٣) الحادي (٢ / ٢٦١)
[ ٧٢ ]
فهذا هو الذي أراده ابن عباس ولو لم يحمل كلام ابن عباس على هذا لكان مقتضاه بأنه لا يحكم بأن أهل الشرك يدخلون النار ولا بأن أهل التوحيد يدخلون الجنة إذ الإنزال هو الدخول وهذا رد لصريح القرآن وإثبات لقول لم يقله أحد من أهل الإيمان لا شيخ الإسلام و[لا] سائر علماء الأنام
ثم [إن] حكمنا بأن الفجار في النار والأبرار في جنات تجري من تحتها الأنهار ليس حكما منا بل الله تعالى هو الذي حكم بذلك وأخبرنا به. فالعجب كله في الاستدلال على فناء النار بهذا الأثر الذي لا يقول أنه يدل على ذلك أحد من النظار وظهور عدم دلالته عليه كالشمس في رابعة النهار وتبين أن مراده لا يحكم على معين أنه من أهل الجنة ولا أنه من أهل النار وكأنه يريد غير من حكم الله ورسوله عليه بأحد الدارين كإخباره ﷺ َ أن العشرة من الصحابة من أهل الجنة وكإخبار الله أنا أبا لهب ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾ ولو فرض دلالته على مدعاه فإنه معارض لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هاتان من المخبآت (^٢٨) قول الله تعالى: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ (^٢٩) وقوله
_________________
(١) الأصل (المخفيات) والتصحيح من (الدر المنثور) (٣ / ٣٤٩)
(٢) وتمامها مع الثلاث بعدها: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذن فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ (هود / ١٠٦ - ١٠٩)
[ ٧٣ ]
تعالى: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾ [المائدة ١٠٩] فأما قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ فهم قوم من أهل الكبائر من أهل القبلة يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم ثم يأذن بالشفاعة فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم بالنار) انتهى
فهذه الرواية كما تراها صراحة وكثرة تخريج (^٣٠) دالة على أنه كغيره من الجماهير القائلين بخروج الموحدين من النار ولا قول له بفناء النار فإنه وجه الاستثناء إلى الموحدين في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾
وابن تيمية يقول إنه عائد إلى فناء النار أيضا كما ستسمعه عند
_________________
(١) قلت: هذه الكثرة ليس معها كبير فائدة في كثير من الأحياء لأنه قد يكون مدار كل الطرق المخرجة على راو واحد فيكون غير ثقة كما يتبين لك ذلك واضحا من كتب التخريجات وبخاصة كتابي (سلسلة الأحاديث الضعيفة) فراجع إن شئت أقول هذا لأنني لم أقف على إسناد هذا الأثر عند مخرجيه الثلاثة لأن كتبهم وهي في التفسير المأثور غير معروفة اليوم إلا بعض المجلدات من تفسير ابن أبي حاتم فإني كنت وقفت عليها في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة منذ نحو عشرين سنة ثم صورتها الجامعة الإسلامية فيها منذ بضع سنين ولا تطولها يدي الآن لأني أكتب هذا وأنا في بيروت ١٢ / ١١ / ١٤٠١ هـ
[ ٧٤ ]
التكلم على الآية. وظاهر نقل ابن تيمية لأثر ابن عباس أنه قائل بفناء النار
قال شيخ الإسلام: (وأما أثر ابن مسعود فإنه ذكر عنه البغوي أنه قال: (ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد) ثم قال وعن أبي هريرة مثله) (^٣١)
وأقول هذان الأثران بهما متمسك ابن تيمية في جعل القول بفناء النار قولا لابن مسعود وأبي هريرة كما سيرويهما في صدر الاستدلال وهذان الأثران ذكرهما البغوي في تفسير (سورة هود) في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ثم قال البغوي عقب ذكرهما ما لفظه:
(ومعناه عند أهل السنة - أن ثبت - أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا) هذا لفظه (^٣٢)
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٧٦) غير مصرح بأنه من قول شيخ الإسلام ولم يذكر في المخطوطة
(٢) تفسير البغوي (٤ / ٣٩٨ - منار) ونقله عنه في (الحادي) دون قوله (وأما مواضع … .) . ثم إن البغوي علقهما ولم يسق إسنادهما وقد كنت وقفت على إسناد أثر أبي هريرة بواسطة ابن القيم فإنه ذكره في (الحادي) من رواية إسحاق بن راهويه بسنده عن أبي زرعة عنه قال: (ما أنا بالذي لا أقول: بأنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيه أحد وقرأ قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. .﴾ الآية) . قال عبيد الله (ابن معاذ شيخ إسحاق): كان أصحابنا يقولن: يعني به الموحدين. وسنده صحيح فالتشكيك في ثبوته كما تقدم عن البغوي مردود إن أقره المصنف ومعناه جزما كما قال هو وأما أثر ابن مسعود فلم أقف على إسناده نعم قد رواه ابن جرير (١٨٥٨٠): حدثت عن المسيب عن ذكره عن ابن عباس (فذكر أثرا له) قال: وقال ابن مسعود … فذكره وهذا إسناد مظلم كما ترى
[ ٧٥ ]
فشكك في الرواية أولا ثم أبان أنها إن ثبتت فهي عند أهل السنة في عصاة من الموحدين. ثم نقول بعد ثبوت هذين الأثرين عن هذين الصحابيين لا دلالة فيهما على فناء النار الذي هو محل النزاع بوجه من الوجوه فإن قوله: (ليس فيها أحد) دال على بقائها فإنك إذا قلت ليس في الدار أحد فإنه دال على بقاء الدار لا على فنائها ثم عرفت قول البغوي أن أهل السنة حملوه على خروج الموحدين من النار. وهذا الحمل متعين عند ابن تيمية بخصوصه وعند جميع من عداه. أما عنده فإنه لا يقول بخروج الكفار من النار بل يقول بعد فنائها وذهابها لا يتصور فيها بقاء الكفار وهذان الأثران حاكمان بخروج من فيها وليس إلا عصاة الموحدين أما عند غيره من أهل السنة فالأمر واضح في أن الأثرين ليسا إلا في خروج الموحدين. ولفظ أثر ابن مسعود وإن كان عاما فإنه نكرة في سياق النفي إلا أنه معلوم تخصيصه بالأدلة الدالة على أن الكفار ليسوا منها بمخرجين (^٣٣) . عند ابن تيمية وغيره كما عرفت
_________________
(١) قلت: لعل الأولى أن يقال: (بخارجين) اتباعا للقرآن فإن هذا اللفظ هو الذي جاء فيه بحق الكفار بخلاف لفظ الكتاب (بمخرجين) فإن فيه في حق أهل الجنة ولعدم الانتباه لهذا التبس الأمر على المؤلف تبعا لابن القيم فأورد آية أهل الجنة (وما هم منها بمخرجين) في جملة الآيات الواردة في أهل النار كما سيأتي التنبيه على ذلك في الدليل الثاني للقائلين بعدم فناء النار (ص ١١٧)
[ ٧٦ ]
وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما [إلى عمر] (^٣٤) . بل هو الدليل (^٣٥) على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد. فكيف يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة. (إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود وأبي هريرة) وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما
فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان نسبته إلى عمر
وأما قول شيخ الإسلام في صدر المسألة أن أبا سعيد الخدري نقل عنه القول بفناء النار فإنه استدل (^٣٦) لذلك بأنه قال أبو نضرة عن أبى سعيد أو قال جابر أو بعض أصحاب النبي ﷺ َ (أتت هذه الآية على القرآن كله ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]
_________________
(١) سقطت من الأصل والسياق يقتضي إثباتها
(٢) كذا الأصل ولعل الصواب (دليل)
(٣) قلت: إنما استدل به ابن القيم (٢ / ١٧٦ - ١٧٨) ولم يصرح بعزوه لابن تيمية ولا جاء ذكره في المخطوطة
[ ٧٧ ]
وأقول:
أولا: هذا الأثر نسبه الحافظ السيوطي في (الدر المنثور) إلى تخريج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في (الأسماء والصفات) ولفظه عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد أو رجل من أصحاب النبي ﷺ َ: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن: ﴿خالدين فيها﴾ تأتي عليه. انتهى (^٣٧)
وقد نقل ابن تيمية هذه الرواية أيضا ونسبها إلى تخريج ابن جرير أيضا ولا يخفى
أولا انه شك أبو نضرة في قائل هذا القول وردده بين ثلاثة: معلومين ومجهول وهذا الشك وإن كان انتقالا من ثقة إلى ثقة على رأي من يقول كل الصحابة عدول غير ضائر في الرواية إلا أنه لا يصح معه الجزم بنسبة القول بفناء النار إلى أبي
_________________
(١) ج ٣ ص ٣٥٠ وهو عند ابن جريج في (التفسير) برقم (١٨٥٧٩) وإسناده صحيح موقوف والتردد الذي فيه لا يضر لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة والصحابة كلهم عدول حتى من لم يسم منهم كما ذكر المصنف وتراه مفصلا في كتب المصطلح. والأثر في (الحادي) (٢ / ١٧٦ - ١٧٧ و١٧٨) من رواية إسحاق بن راهويه وابن جرير وإنما نسبه إليه ابن القيم وليس ابن تيمية كما ادعى المصنف بناء على ما جرى عليه من عزو كل دليل ذكره ابن القيم إليه
[ ٧٨ ]
سعيد حيث أن مستند القول به هو هذا الأثر لأن هذا أثر لم يتم الجزم به في رواية أنه لأبي سعيد فكيف يجزم بنسبة هذا المدلول أعني القول بفناء النار وذهابها إلى أبي سعيد كما فعله شيخ الإسلام ولم يثبت عنه الدليل؟
وثانيا: وهو على تقدير ثبوته عنه فإنه لا دلالة فيه على مدعاه وهو فناء النار ولا رائحة دلالة بل غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود لأهل النار فإن آية الاستثناء حاكمة عليه وهي عبارة مجملة لا تدل على المدعى بنوع من الدلالات الثلاث (^٣٨) . بل يحتمل أنه أراد أنها فسرت بآيات الخلود التي وردت في القرآن في خلود أهل النار كما أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧] . قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة انتهى
فنقول: من قال من الصحابة هذه الآية أتت على القرآن كله حيث كان في القرآن: ﴿خالدين فيها﴾ تفسير [٥ في رواية] ابن عباس هذه ثم هب أن معناه ما قاله ابن تيمية وأن آية ﴿إلا ما شاء ربك﴾ قيدت كل آية فيها ﴿خالدين فيها﴾ إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد فغاية (^٣٩) ذلك أن تصير كل آية خلود مثل آية
_________________
(١) وهي: المطابقة والتضمن والالتزام كما تقدم (ص ٦٧)
(٢) كذا الأصل ولعل صواب العبارة: (وأن آية ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ قيدت كل آية فيها ﴿خالدين فيها﴾ فغاية …) كما يدل عليه السياق
[ ٧٩ ]
(هود) وآية (هود) لا تدل على مدعاه كما ستعرفه قريبا من تحقيق آية المشيئة وما قيل فيها من الأقوال الصحيحة والسقيمة والمطرحة والقويمة
وإذا عرفت هذا فيا لله العجب كيف ينسب شيخ الإسلام إلى أبي سعيد القول بفناء النار بلفظ لم يتحقق صدوره عنه ولو تحقق صدوره عنه لم يدل على مدعاه فما هذا إلا مجازفة ولا يليق ممن دون ابن تيمية تحقيقا وورعا في نسبة الأقوال وتحرير الاستدلال
هذا وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء الأربعة من الصحابة الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الذين عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة وذكر أنه نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها [هم] بريئون من هذا القول ومن نسبته فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب واستدل لهم بما ادعاه منسوبا إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت. وحينئذ يعلم انه ليس معه في دعواه فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم وإن كانت عنده أدلة يصح نسبة هذا القول إليهم غير ما ذكره من الآيات فهذا وقتها فإنه قد بذل كل وسعه في هذه المسألة. فقال شيخ الإسلام بعد سرده للأربعة المذكورين من الصحابة:
(والقول بفناء النار نقل عن غير هؤلاء الأربعة من الصحابة) ويريد (بغيرهم) عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه نقل ابن تيمية
[ ٨٠ ]
عنه القول بفناء النار مستدلا على أصل مدعاه أنه قال: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيه أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا) (^٤٠)
وأقول هذا الأثر لا دلالة فيه على مدعى ابن تيمية لأنه لا يقول: أن جهنم تخلو عن الكفار ما دامت باقية إنما يقول إذا فنيت وذهبت لم يبق فيها كافر. وهذا الأثر ينادي بخلودها وهي باقية على حالها والقول بأنه سماها جهنم باعتبار ما كانت عليه رجوع إلى المجاز في مسألة هي أكثر من الدنيا بأضعاف مضاعفة. فكلام ابن عمرو هذا محمول على ما حمل عليه كلام عمر بن الخطاب وغيره من الآثار في أن مراده خروج الموحدين وقد قال عبيد الله (^٤١) بن معاذ في أثر ابن عمرو وأبي هريرة كان أصحابنا يقولون يعني من الموحدين
قلت: ويدل له ما قال الحافظ ابن حجر في (تخريج أحاديث الكشاف) أن أثر ابن عمرو أخرجه البزار. ثم ساقه بسنده إلى ابن عمرو ولفظه في آخره (يعني من الموحدين) قال الحافظ: (كذا فيه
_________________
(١) انظر (الحادي) (٢ / ١٧٧) وما تقدم نقله عنه (ص ٦٤) وهذا الأثر عن ابن عمرو ضعيف الإسناد كما يأتي بيانه قريبا ولم يرد هذا الأثر في المخطوطة ولا الاستدلال به وإنما هو لابن القيم
(٢) الأصل (عبد الله) مكبرا وهو خطأ من الناسخ
[ ٨١ ]
ورجاله (^٤٢) ثقات والتفسير لا أدري لمن هو) (^٤٣) ثم قال:
(ويؤيده ما رواه ابن عدي عن أنس مرفوعا: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها وما فيها من أمة محمد أحد) (^٤٤) . وفي الباب عن أبي أمامة رفعه: (يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد تخفق فيه أبوابها. يعني من الموحدين) انتهى. (^٤٥)
_________________
(١) الأصل (كذا في رجاله) والتصحيح من (تخريج الكشاف) لابن حجر وفي إطلاقه التوثيق نظر فإن منهم أبا بلج واسمه يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم فإنه وإن كان ثقة ففيه ضعف ولذلك استنكر له الذهبي هذا الأثر وعده من بلاياه كما كنت ذكرت في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (٢ / ٧٢) والحافظ نفسه قال فيه في (التقريب): (صدوق ربما أخطأ) . ثم إن هذا قد عزاه ابن حجر الهيتمي في (الزواجر) (١ / ٣٤) لأحمد وما أظنه إلا وهما وزعم أن في سنده من قالوا فيه أنه غير ثقة وصاحب أكاذيب كثيرة عظيمة
(٢) قلت: كنت استظهرت أنه للحافظ البزار لعدم وروده في رواية الفسوي المخرجة في (الضعيفة) (٦٠٧) لكن يعكر عليه ما ذكره المؤلف ﵀ عن عبيد الله بن معاذ فهو صريح في أنه لأصحابه وهو من رواية إسحاق بن راهويه عقب أثر ابن عمر وهذا وأبي هريرة المتقدم (ص ٧٥) فلا التفات بعد هذا إلى الأصل الذي تمسك به المؤلف هنا ولا إلى الحديث المرفوع لما عرفت أنه موضوع
(٣) قلت: هذا حديث موضوع فيه العلاء بن زيدل كان يضع الحديث وهو مخرج في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) رقم (٦٠٦) فالعجب من المصنف كيف سكت عنه بل هو يحتج به كما يأتي منه قريبا ولعله قلد في ذلك الحافظ ابن حجر فإنه سكت عنه في (تخريج الكشاف) وتبعه المناوي كما كنت بينته هناك
(٤) قلت: يعني كلام الحافظ. وهذا الحديث موضوع أيضا فيه جعفر بن الزبير وهو وضاع أيضا ولذا خرجت حديثه هذا عقب الحديث الذي قبله
[ ٨٢ ]
فعرفت أن حديث ابن عمرو في الموحدين وقول الحافظ: (لا يدري لمن التفسير) يريد قوله: (يعني من الموحدين) يقال عليه الأصل أنه من كلام ابن عمرو ثم إنه لا بد من حمل كلامه المطلق على هذا التفسير عند ابن تيمية وغيره. ثم هب أنها لم تثبت تلك الزيادة فيه فالحديث المرفوع مقدم عليه وهو حديث أنس
وبعد هذا تعرف أنه لا دليل له في أثر عمرو على أصل المدعى
هذا: وأما أصحاب (الكشاف) (^٤٦) فإنه لما كان وعيدي الاعتقاد قائلا: بأنه لا يخرج من النار من دخلها من عصاة الموحدين وأهل الإلحاد سلك في أثر ابن عمرو مسلكا آخر فإنه لما ذكره قال:
(وأقول: [أما كان] (^٤٧) لابن عمرو في بغيه بيده ولسانه ومقاتلته بها علي بن أبي طالب ما شغله عن تسيير هذا الحديث) . انتهى
كأنه يشير إلى القدح في أثر ابن عمرو ببغيه على أمير المؤمنين
_________________
(١) هو الإمام المفسر المعتزلي المشهور محمود بن عمر الخوارزمي المتوفى سنة (٥٣٨) وكتابه: (الكشاف عن حقائق التنزيل) أشهر من أن يذكر وقد اعتنى به العلماء من بعده شرحا واختصارا ونقدا وتجريحا كما تراه مبينا في (كشف الظنون) وهو محشو بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة في إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن. وغير ذلك من أصول المعتزلة
(٢) زيادة من (الكشاف) وقد صححت منه كلمات وقعت في الأصل مخرمة
[ ٨٣ ]
﵇ وقد تعقبه في (الكشف) (^٤٨) . فقال: لا يلتفت هذا عن المنصف وإيثاره طريقة قدمام المعزلة من نسبته وضع الحديث إليه تلويحا ونسبة مقاتلته أمير المؤمنين عليا بالنص فإن هذا من جلة الصحابة. انتهى
قلت: أما نسبة الوضع إليه فما (^٤٩) يظهر من كلام (الكشاف) (^٥٠) نعم البغاة مقبولة روايتهم عند المعتزلة كما عرفت من الأصول
ثم استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على مدعاه بما أخرجه ابن مردويه في (تفسيره) من حديث جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ الآية [هود / ١٠٧ - ١٠٨]
_________________
(١) لم أقف عليه ولعله حواشي الإمام الطيبي على (الكشاف) التي سماها: (فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب) . توفي الطيبي الحسن بن محمد سنة (٧٤٣)
(٢) الأصل (مما) ولعل الصواب ما أثبته
(٣) كذا ولعله سقط من الأصل قوله: (فمردود) أو نحوه وقد أحسن الرد عليه الإمام الشوكاني رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى فقال في (فتح القدير): (وأما الطعن على صاحب رسول الله ﷺ َ وحافظ سننه وعابد الصحابة عبد الله بن عمرو ﵁. فإلى أين يا محمود أتدري ما صنعت وفي أي واد وقعت وعلي أي جنب سقطت؟ ومن أنت حتى تصعد إلى هذا المكان وتتناول نجوم السماء بيدك القصيرة ورجلك العرجاء؟ أما ما كان لك في مكسري طلبتك من أهل النحو واللغة ما يردك عن الدخول فيما لا تعرف والتكلم بما لا تدري؟ فيا الله العجب ما يفعل القصور في علم الرواية والبعد عن معرفتها إلى أبعد مكان من الفضيحة لمن لم يعرف قدر نفسه ولا أوقفها حيث أوقفها الله سبحانه)
[ ٨٤ ]
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن شاء الله أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل) (^٥١)
وأقول: لا دليل فيه على مدعاه وهو فناء النار وذهابها بل فيه دليل على خلافه لأنه لا ينكر الإخراج من النار ولا يقوله ابن تيمية في حق الكفار. فتعين أنه في عصاة الموحدين وقد سمعت مما نقلناه عن ابن عباس أن الله سمى عصاة الموحدين أشقياء وقد صرح ابن تيمية بهذا هنا فقال بعد سرده للحديث:
(إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهو حق بلا ريب وهو بناء على انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك
والحديث دل على أمرين: أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل فيكون معنى الاستثناء ﴿إلا ما شاء ربك﴾ من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٧٩) وساق إسناده ابن مردويه من طريق الطبراني ومنه تبين أن فيه من كذبه ابن معين وآخر لا يعرف ولذلك خرجته في (الضعيفة) (٥٢٠٠) وإن سكوت المؤلف عنه قصور فما حسن فإنه أوهم ثبوته حين اقتصر في رده استدلال ابن تيمية بمتنه بأنه لا دليل فيه فكان عليه أن يبين حال إسناده أولا ثم يرد دلالته ثانيا كما يقتضيه المنهج العلمي السليم: ثم إنه ليس في (الحادي) التصريح بذكر ابن تيمية مستدلا بهذا الأثر ولا جاء ذكره في المخطوطة
[ ٨٥ ]
نوعين: نوعا يخرجون منها ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فيجتمع لهم السعادة والشقاوة في وقتين) انتهى. (^٥٢)
وهو صحيح وفيه إقرار منه على أنه لا دلالة فيه على فناء النار كما ساقه دليلا لذلك. على أنا نقول:
الحديث ليس نصا في الإخراج بل إخبار مقيد بقضية شرطية وهو إن شاء الله أن يخرج أخرج وليس فيه أنه تعالى شاء ذلك بل هو مثل ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة / ١٣]
وسيأتي تحقيق ذلك في الكلام على آية المشيئة إن شاء الله
إذا عرفت هذا كله فهؤلاء الستة من الصحابة الذين زعم أنه نقل عنهم القول بفناء النار أي وبدخول أهلها بعد ذلك ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [التحريم / ٨] . وهم الذين أشار إليهم السيد الإمام محمد بن إبراهيم في (الإيثار) حيث قال (^٥٣):
(وطول في الثاني ابن تيمية فقف (^٥٤)
على علمه في كتبه والتراجم
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٨٠) ولم يعزه لابن تيمية ولا ذكر في المخطوطة
(٢) ص ٢١٨ طبعة الآداب والمؤيد
(٣) الأصل (وقفه) والتصحيح من (الإيثار)
[ ٨٦ ]
وأسنده عن ستة نص قولهم
أكابر من صحب (^٥٥) . النبي الأكارم
وأراد بالثاني حمل الاستثناء في وعيد أهل النار على فنائها وانقطاع عذابها
هذا بيان مراده
ولكنك إذا تحققت ما أسلفناه عرفت أنه لم يتم لابن تيمية ما نسبه إلى الستة المذكورين من القول بفناء النار وانه ليس بنص قولهم كما قال السيد محمد ولعله يريد نص لفظهم وإن لم يدل على مدعى ابن تيمية أو أنه نص عنده فيما ادعاه وإن كان غير صحيح ويرشد إلى أنه أراد ذلك قوله بعد ذلك (^٥٦) البيت:
فلا تعتقد إن لم يصح مقالهم وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم
ثم قال ابن تيمية مستدلا لفناء النار وانقطاعها أنه قال الله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ إلى قول ﴿كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا﴾ [النبأ / ٢٣ - ٢٨]
وقال: (هذا صريح [في] وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر الأبدي بمدة الأحقاب) (^٥٧)
_________________
(١) الأصل (أصحاب) والتصويب من المصدر المذكور سابقا
(٢) الأصل (قوله على ذلك بعد ذلك) ولعل الصواب ما أثبتناه
(٣) الحادي (٢ / ١٨١) وليس فيه التصريح بابن تيمية أيضا لكن هو في المخطوطة باختصار
[ ٨٧ ]
فأفاد مفهوم ﴿الأحقاب﴾ أنه لا خلود فيها إذ الأبدي لا يقدر بزمان. وأما دلالتها على أن المخبر عنهم باللبث (أحقابا) هم الكفار فلقوله فيهم ﴿إنهم كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا﴾
وهذه صفات الكفار
وهذا تقرير مراد شيخ الإسلام
والعجب من استدلاله بصدر الآية وذهوله عما عقب به من قوله ﴿فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ فإن المراد لن نزيدكم بعد لبثكم أحقابا إلا عذابا ضرورة أنهم معذبون حين لبثهم ﴿أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا﴾ فزيادة العذاب بعد الأحقاب بل خص تعالى الزيادة على العذاب وأنه تعالى لا يزيدهم بعد لبث الأحقاب إلا عذابا فانتفى مفهوم العذاب الذي أفاده الجمع الذي جعله ابن تيمية دليلا على فناء النار وعدم أبديتها مع أنه استدلال بمفهوم العدد وهو من أضعف المفاهيم على هذه المسألة المعظمة الذي لا يعتمد عليه محقق وكيف يجعل أقوى من التأييد المصرح به في عدة آيات من آيات وعيد أهل النار (^٥٨) فلو عارض مفهوم العدد منطوق التأبيد لكان الحكم للمنطوق اتفاقا
هذا وذكر البغوي أنه قال مقاتل بن حيان: هذه الآية منسوخة
_________________
(١) انظر بعض الآيات الواردة في ذلك في المقدمة وفيما يأتي في الدليل الثاني من أدلة القائلين بعدم فناء النار (ص ١١٧)
[ ٨٨ ]
يريد ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ نسختها ﴿فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ [النبأ ٣٠] يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل هذا لفظه
ومراده بالنسخ أن لا حكم لمفهوم العدد وإلا فإنه لا يجري النسخ المصطلح عليه في الأخبار
وقال الحسن: (ليس للأحقاب عدة إلا الخلود) . وذكره عنه البغوي (^٥٩)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: (الأحقاب) ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء بعده حقب
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ قال: ليس فيها أجل كلما مضى حقب دخل في الآخر. وبهذا تعرف رواية ودراية ضعف استدلال شيخ الإسلام على فناء النار وانقطاعها بمفهوم الأحقاب
ثم استدل ابن تيمية على فناء النار وذهابها بقوله تعالى في [سورة الأنعام] ﴿قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك
_________________
(١) أي في تفسيره المسمى ب (معالم التنزيل) (سورة النبأ) . ذكره معلقا بدون إسناد بأتم مما هنا فقال: (قال الحسن: (إن الله لم يجعل لأهل النار مدة بل قال: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى الأبد فليس للأحقاب عدة إلا الخلود)
[ ٨٩ ]
حكيم عليم﴾ [آية / ١٢٨]
وبقوله تعالى في [سورة هود] ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ [آية / ١٠٧] وقرر كون آية (الأنعام) في المشركين بقوله تعالى في صدرها: ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس﴾ قال: فإن أولياء الجن من الإنس يدخل فيه الكفار قطعا يريد أنه لا يقال الآية في عصاة الموحدين فقط. ثم أبان أن الاستثناء عائد إلى الفريقين: الكفار وعصاة الموحدين والكفار بفناء النار والعصاة بالخروج منها وقرر هذا التقرير في آية الاستثناء في [سورة هود] (^٦٠)
وأقول قد اختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أئمة الرواية والدارية في هذا الاستثناء ولنذكر ما وقفنا عليه من ذلك وقد ألم به ابن القيم في هذا الكتاب أعني (حادي الأرواح) وألم به شيخه شيخ الإسلام في كلامه في هذه المسألة وفاتهما بعض ما قيل في الآية قال ابن القيم في (الباب السابع والستين) (^٦١):
(واختلف السلف في هذا الاستثناء فقال معمر عن الضحاك (هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة) فقوله تعالى
_________________
(١) الحادي ٢ / ١٧٣ - ١٧٦ ولم يذكر فيه ابن تيمية صراحة ولا ذكره في المخطوطة
(٢) يعني من (الحادي) (٢ / ١٥٥)
[ ٩٠ ]
﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ إلا مدة مكثهم في النار)
قلت يضعف هذا أن الاستثناء من الخلود يقتضي أن يكون بعد الدخول لا قبله سيما بعد قوله ﴿ففي النار﴾ وقد أشار إلى تضعيف هذا الوجه بما قلناه ابن تيمية في غضون أبحاثه في هذه المسألة قال ابن القيم:
(وقالت فرقة: هو استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله [كما تقول:] والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه)
قلت: هذا الوجه أحد وجهين ذكرهما جار الله في (الكشاف) في آية (الأنعام) فقال:
(أو يكون (يريد الاستثناء) من قوله الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب منه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد فيكون قوله (إلا إذا شئت) من أشد الوعيد مع تهكم بالتوعد في خروجه في صورة الاستثناء الذي فيه أطماع انتهى
واختار هذا الوجه صاحب (الإتحاف) (^٦٢) (والصفوي) (^٦٣)
_________________
(١) لعله يعني كتاب (الإتحاف في شرح خطبة الكشاف) لحامد بن علي بن إبراهيم العمادي الدمشقي المفتي الحنفي توفي (١١٧١) كما في (ذيل كشف الظنون) (١ / ١٩) ولم أقف عليه
(٢) كذا الأصل بالواو هنا وفيما يأتي قريبا ولم أعرفه ولعله خطأ من الناسخ والصواب (الصفدي) بالدال المهملة وهو صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي أديب مؤرخ كثير التصانيف منها (الوافي بالوفيات) وهو كبير جدا في التراجم طبع منه أربع مجلدات في تراجم المحمدين ولما تنته ولعل اختياره المذكور أورده في ترجمة الزمخشري. والله أعلم
[ ٩١ ]
وهو مروي عن ابن عباس أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) (^٦٤) فقال قد شاء ربك أن يجعل هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة قلت إلا أنه يختلف صاحب (الكشاف) وصاحب (الإتحاف) في عصاة الموحدين فصاحب (الكشاف) يجعلهم داخلين في الذين شقوا لأن أصله أنهم لا يخرجون من النار وصاحب (الإتحاف) والصفوى يجعلانهم داخلين في الذين سعدوا لقيام الأدلة عندهم بخروجهم من النار
هذا وقد تعقب ابن الخطيب الرازي في (مفتاح الغيب) هذا الوجه فقال:
(وهذا ضعيف لأن قوله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك معناه لأضربنك إلا إن رأيت أن أترك الضرب. وهذا لا يدل على أن هذه الرؤية حصلت أم لا بخلاف قوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ فإن معناه الحكم بخلودهم فيها المدة التي
_________________
(١) لم يطبع فيما علمت والمخطوط منها لا سبيل إليه الآن فإن في الجامعة الإسلامية في المدينة نسخة مصورة منه فليراجع إسناده من تيسر له ذلك
[ ٩٢ ]
يشاء ربك فيها فهذا يدل على أن المشيئة قد حصلت جزما فكيف يحسن قياس هذا الكلام وعلى ذلك) انتهى (^٦٥)
ولا يخفى أن المشار المفروض واقع على هيأة القطع والجزم كما هو صريح كلام ابن القيم وصاحب (الكشاف) فقول الرازي: وهذا لا يدل على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا خلاف المفروض وقوله: فهذا يدل على أن المشيئة إلخ إن أراد مشيئة الخلود فهو مراد صاحب هذا القول كما يشعر به المثال وينطبق ويتعلق عليه وإن أراد مشيئة عدم الخلود كما هو مقتضى كلامه فمحل النزاع ولا يتم تضعيف كلام الخصم بإيراده كما لا يخفى
ثم قال ابن القيم:
(وقالت طائفة أخرى: العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى (إلا) في ذلك ومعنى الواو سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة السموات والأرض وهذا قول الفراء. وسيبويه يجعل (إلا) بمعنى (لكن) قالوا: ونظير ذلك أن تقول: لي عليك ألف إلا الألفين اللذين قبلهما أي سوى الألفين. قال ابن جرير: هذا أحد الوجهين إلي لأن الله لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله (عطاء غير مجذوذ) وقالوا نظيره أن تقول أسكنك داري حولا إلا ما شئت. أي سوى ما
_________________
(١) مفاتيح الغيب (١٨ / ٦٥ - البهية) ووقع في الأصل هنا وفيما يأتي (ص ٩٩): (مفتاح) وهو خطأ من الناسخ فقد تقدم على الصواب. (ص ٦٣)
[ ٩٣ ]
شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه) (^٦٦)
وأقول: هذا مبني على أنه أريد بالسموات والأرض سموات الدنيا وأرضها أي مقدار بقاء دار الدنيا فإنه لو أراد سماء الأخرى وأرضها لما تم أن يقال إلا ما شاء الله من الزيادة على مدتهما فإنهما أبديتان لا يتصور عليهما زيادة والظاهر انه أريد من السموات والأرض سموات الآخرة وأرضها لأن آيات التأبيد في الفريقين قاضية بأبدية أرضها وسمواتها إذ لا بد لهم من شيء يقلهما وشيء فوقهما وهو المراد من سموات الآخرة وأرضها ولأن قوله: (ما دامت السموات والأرض) ظاهر في ذلك إذ [أن] أرض الدنيا وسمواتها قد ذهبت ولو أريد لقيل: ما كانت السموات والأرض ثم قال ابن القيم:
وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم خلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ)
وأقول فيه ما سلف في الوجه الأول وهو أن الاستثناء إنما هو بعد دخولهم الجنة. ثم قال ابن القيم:
(وقالت فرقة أخرى: العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلا أن يشاء الله خلاف ذلك إعلام لهم بأنهم مع خلودهم في
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٥٦) وليس فيه قوله: (عليه)
[ ٩٤ ]
مشيئته وهذا كما قال تعالى لنبيه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦] ونظائره يخبر عباده أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (^٦٧)
وأقول: إن كان تقيدا على حقيقة لزم بقاء الخوف في دار النعيم والله يقول: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ [الزخرف: ٦٨] ويقول: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٦] والإجماع قائم على أن الجنة لا خوف فيها ثم يلزم أن يبقى لأهل النار طمع في الخروج منها وروح بذلك وليس لهم روح ولا فرج وإن أريد الإخبار بأنه لو شاء تعالى عدم خلود الفريقين لكان له في ذلك حكمة. وان المراد من الاستثناء الإعلام للعباد باتساع نطاق حكمه فهذا قد يقال: إنه وجه وجيه
ثم ذكر ابن القيم وجها قاله لابن قتيبة كالوجه الذي نقله عن الفراء ولم ينقله لأنه هو وإنما اختلفت العبارة. ثم قال:
(وقالت طائفة (ما) بمعنى (من) من قبل قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] المعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء والفرق بين هذا القول وأول الأقوال أن الاستثناء على ذلك من المدة. وعلى هذا القول من الأعيان) (^٦٨)
_________________
(١) ج ٢ ص ١٥٧ منه
(٢) الحادي (٢ / ١٥٧ - ١٥٨)
[ ٩٥ ]
وأقول: هذا القول يفتقر إلى تقرير يتضح معه مراد قائله وتقريره: أن الاستثناء من الذين سعدوا قبل الحكم عليهم بقوله (ففي الجنة) فيكون المعنى وأما الذين سعدوا إلا من شاء الله ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض لما تقرر في النحو والأصول: أن إخراج المستثنى من المستثنى منه قبل الحكم عليه بالخبر إلا أنه يلزم على هذا القول أن تكون الأقسام أربعة
قوم سعدوا حكم لهم بالكون في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وهم الذين استثنى منهم
وقوم سعدوا أيضا لكن لم يبين من الآية حكمهم وهم الذين أفادهم (إلا من شاء الله)
وقوم شقوا محكوم عليهم بالكون في النار خالدين ما دامت السموات والأرض
وقوم شقوا لم يتبين حكمهم كما عرفت
ومعلوم أن الموجود في الواقع ثلاثة أقسام: موحدون وملحدون وعصاة الموحدين. فيكون المراد من الآية على هذا أن قوما دخلوا في السعداء باعتبار أنهم شاركوهم في التوحيد ولكنهم فارقوهم في الكون في الجنة خالدين فيها ودخلوا في الأشقياء باعتبار أنهم قارفوا ما أغضب الله عليهم من المعاصي ولكنهم فارقوا بعدم الكون في النار خالدين
[ ٩٦ ]
فالقسم الثالث تحته قسمان باعتبار دخولهم تحت (^٦٩)
بالسعادة مع الذين سعدوا وبالشقاوة مع الذين شقوا كما عرفت فكانت الأربعة ثلاثة وتكون الآية قد بين فيها حكم الفريقين من الموحدين والملحدين ولم يبين حكم الفريق الثالث منها وقد بينه الله في قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء / ٤٨ و١١٦] فمآل المعنى في الآية: فأما الذين سعدوا سعادة خالصة ففي الجنة خالدين فيها وأما الذين شقوا شقاوة خالصة ففي النار خالدين فيها وأما الذين اخرجوا من الفريقين فباقون تحت مشيئة الله تعالى. وهذا الوجه بعد التقرير لا يخفى حسنه
ثم ذكر أقوالا راجعة إلى ما سلف ثم قال:
(وهذه الأقوال متقاربة قال: ويمكن الجمع بينها بأن يقال: أخبر الله عن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا شاء الله ألا يكونوا فيها وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف القيامة على الصراط وكون بعضهم في النار) (^٧٠)
قلت: هذه الإطرفة شيء واحد عائد إلى كونه قبل دخولهم الجنة ولكن يبعده ما مر غير مرة قال فإن الاستثناء من خلود الداخلين وحيث كانوا في عين الجنة لا يفيد ذلك الكون بخالدين
_________________
(١) خرم في الأصل قدر لفظتين
(٢) الحادي (٢ / ١٥٨)
[ ٩٧ ]
فيها. ثم قال:
(وعلى [كل] تقدير فهذا الأمر من المتشابه وقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ محكم وقوله ﴿أكلها دائم وظلها﴾ ولهذا أكد خلود أهل الجنة في غير موضع من كتابه وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء من قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ تبين لك المراد من الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وكذلك مفارقة الجنة تقدم على خلودهم فيها) انتهى كلامه (^٧١)
وأقول: قد أفاد أن الاستثناء من خلود أهل الجنة من المتشابه وأن المحكم أن آية الخلود فيجب برد المتشابه إلى المحكم فالمحكم هو الخلود. وهذا حسن وتخصصه بالاستثناء في أهل الجنة بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولما علم يقين من أنه لا يخرج من الجنة أحد ممن دخلها وسيأتي لنا أنه يمكن (^٧٢) . آخر هذا الوجه في الاستثناء في آية العذاب وأما ابن القيم فإنه فيه (^٧٣) ابن تيمية من الاستثناء فيها على
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٥٩)
(٢) كذا الأصل وهو غير مفهوم المعنى ولعله سقط منه شيء
(٣) خرم في الأصل قدر لفظين أو ثلاثة ولعل الأصل فإن فيها مع شيخه ابن تيمية
[ ٩٨ ]
حقيقته وأنه لا خلود في النار لأهلها من الكفار كما عرفته من أدلة دعواه وأما قوله: (إن الاستثناء في الآية كالاستثناء في قوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان / ٥٦] فإنها موتة تقدمت على الحياة الأبدية وكذلك مفارقة الجنة تقدم على خلودهم فيها)
فأقول: الفرق بين الآيتين واضح فإن آية الموتة الأولى وقع المستثنى منه فيها من أحوال الدنيا الواقعة فيها المعلوم نقضها ولذا كان أحسن الأقوال في هذه الآية أعني آية ﴿إلا الموتة الأولى﴾ أنه من باب التقييد بالمحال من باب قول شعيب: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ [الأعراف: ٨٩]
إذا الآية سيقت لبيان أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت أصلا وأنه أمر محال فعلق بالمحال لتمام التبشير بنعمة الحياة الأبدية وآية الخلود المستثنى منه فيها من أحوال الآخرة والكون في الجنة فكيف يقاس ما لم يمض ولم ينقض بما مضى وانقضى على أنه لا يصح لغة تسمية اللبث في الدنيا وفي البرزخ وفي الموقف خلودا حتى يخرج من مدة الخلود
وبعد هذا رأيت فخر الدين الرازي وقد تعقب هذا في مفتاح الغيب فقال بعد نقله لفظه:
(وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار ومن المعلوم أن الخلود
[ ٩٩ ]
كيفيات من كيفيات الحصول في النار فقبل الحصول في النار يمتنع حصول الخلود وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وإذا لم يحصل المستثنى منه امتنع حصول الاستثناء) . هذا لفظه (^٧٤)
فهذه الوجوه التي ذكرها ابن القيم في الاستثناء على آية الخلود مع ما تراه من الأبحاث التي أوردناها في المقام. وقد بقي فيه وجه ذكره جار الله في (الكشاف) في آية (هود) فقال:
(إن الاستثناء هو استثناء من الخلود من نعيم الجنة وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار [وحده بل] (^٧٥) يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار وبما أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكثر منها وأجل موقعا وهو رضوان الله كما قال الله: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة [في جنات عدن] ورضوان من الله أكبر﴾ ولهم [ما] يتفضل الله عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو فهو المراد باستثناء) . انتهى
وتعقبه الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب) فقال:
(لو كان كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد
_________________
(١) مفاتيح الغيب (١٨ / ٦٦)
(٢) خرم في الأصل فاستدركته من (تفسير الزمخشري) أما الزيادة التالية فقد سقطت من الأصل
[ ١٠٠ ]
انقضاء مدة السماوات والأرض. والأخبار الصحيحة دالة على أن التنقل من النار وبالعكس يحصل كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه) انتهى كلامه (^٧٦)
قلت: ولا يخفى ضعف كلامه فإن معنى الآية أن أهل النار في النار خالدين فيها مدة دوام السموات والأرض إلى وقت مشيئة ربك عدم خلودهم فيها فهو إخراج بوقت مشيئة عدم الخلود من القيد بدوام السموات والأرض والإخراج من المقيد إخراج منه ومن قيده بمعنى أن إخراج منه بعد اتصافه بالقيد فالقيد جزء منه ومعناه أن يخرج من النار إليها إلى غيرها مع بقاء السموات والأرض لا بعد انقضاء مدتها
ثم هذا الذي أورده الرازي لازم لما اختاره في الآية كما ستعرفه
هذا وقد اعترض كلام (الكشاف) صاحب (الإتحاف) فقال (^٧٧):
(لا أدري ما حمله على ما لا تقبله العقول في حمل الاستثناءين على الخروج إلى الهموم والغموم في أهل النار وإلى رضوان الله في
_________________
(١) الرازي (١٨ / ٦٧)
(٢) لعله (الإتحاف في شرح خطبة الكشاف) للشيخ حامد بن علي بن إبراهيم العمادي المفتي الحنفي ولم أقف عليه لا مطبوعا ولا مخطوطا وقد ذكره الأستاذ الزركلي ﵀ في جملة كتب له من (الإعلام) ولم يشر له بشيء فالظاهر أنه غير معروف اليوم والله أعلم وقد تقدم ذكره (ص ٩٢)
[ ١٠١ ]
أهل الجنة ونحو ذلك مما ذكر والغموم لازم أهل النار ورضوان الله ملازم لأهل الجنة ولأجله دخولها. وكذلك سخط الله لأهل النار وكيف الخروج من الأمور الحسية وهي الجنة والنار إلى المعنوية وهي السخط والرضى وسائر ما ذكرناه مما اشتمل عليه دار العقاب ودار النعيم) . انتهى
ثم جنح إلى حمل الاستثناء في آية (هود) على الوجه الذي حمله عليه صاحب (الكشاف) في آية (الأنعام) وقد سبق ذكره هذا إن لم يحمل كلام صاحب (الكشاف) على ما روي عن ابن مسعود وإن حمل عليه لم يتم إيراد صاحب (الإتحاف) كما أنه لا يرد على صاحب (الكشاف) ما أورده عليه الرازي وكلام (الإتحاف) هذا صحيح إلا قوله: (إن رضوان الله لازم لأهل الجنة ولأجله دخولها) . فإنه قد يقال: أنه أخرج أحمد والشيخان والترمذي والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات) (^٧٨) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ َ: (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا)
_________________
(١) كذا في (الدر المنثور) وهو في (المسند) (٣ / ٨٨)
[ ١٠٢ ]
وأخرج ابن أبي حاتم عن [أبي] (^٧٩) عبد الملك الجهني قال: قال رسول الله ﷺ َ: (رضوان الله على أهل الجنة نعيمهم بما في الجنان) (^٨٠)
وهذا دال على أن رضوان الله تعالى هذا متأخر عن دخول أهل الجنة (^٨١) . والآية التي ساقها في (الكشاف) دالة على ذلك أيضا فإنه جعل رضوانه تعالى الأكبر قسما للجنات ولعله يقال: إن هذا الرضوان الذي يبشرهم به الرب ويخاطبهم به الموصوف بأنه لا يسخط بعده أبدا. متأخر وهو المراد من الآية والحديثين ومجرد الرضى حاصل لهم من أول الأمر كما يدل له قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر: ٢٧ ٣٠] فإنه دال على الرضى من
_________________
(١) سقطت من الأصل واستدركتها من (الدر) ولم أعرف أبا عبد الملك هذا أو عبد الملك ولم يورده الدولابي في (الكنى)
(٢) كذا وقع هذا الحديث في الأصل وأنا أظن أنه نقله من (الدر) وكأنه اختصره فإن لفظه فيه: (لنعيم أهل الجنة برضوان الله عنهم أفضل من نعيمهم بما في الجنان)
(٣) قلت: ويؤيده حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﷿: هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ فيقول: رضواني أكبر) وإسناده صحيح أخرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما كما تراه مبنيا في (الصحيحة) (١٣٣٦) وعزاه ابن كثير للمحاملي والبزار وقال: قال الضياء المقدسي في (صفة الجنة): (هذا عندي على شرط الصحيح)
[ ١٠٣ ]
أول الأمر قبل دخول الجنة. ويحتمل أنه خاص بصاحب هذه النفس المطمئنة
والحاصل أن هذا الرضى الذي أراده صاحب (الكشاف) واستدل عليه بالآية متأخر وهو المراد من الحديثين ولا ينافيه مجرد الرضى اللازم لأهل الجنة فلا يرد اعتراض صاحب (الإتحاف) عليه وأما قوله: (والهموم والغموم لازمة لأهل النار) فقد أشار إلى جوابه المحقق أبو السعود فقال: (ولك أن تقول إنهم ليسوا مخلدين في العذاب الذي هو عذاب النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله ﷾ وهو العقوبات والآلام الروحانية التي لا يقف عليها في الدنيا المنغمسون في أحكام الطبيعة المقصود إدراكهم ما ألفوا به من الأحوال الجسمانية وليس لهم استعداد لتلقي ما وراء ذلك من الأحوال الروحانية وهذه العقوبات وإن كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسونها وهذا كاف في تحقيق معنى الاستثناء) انتهى كلامه (^٨٢)
وهذا وجه حسن محتمل على أنه الذي أراد صاحب (الكشاف) ويندفع به اعتراض صاحب (الإتحاف)
_________________
(١) في كتاب تفسيره المعروف ب (إرشاد العقل السليم) سورة (هود) (٣ / ٦٩ - دار العصور)
[ ١٠٤ ]
هذا وفي (الكشف على الكشاف) ما لفظه (^٨٣)
(هذا في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهري والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليبا أما دعوى الغلبة حتى هجر الأصل فلا ألا ترى إلى قوله: ﴿نارا تلظى﴾ [الليل: ١٤] وقوله: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤ والتحريم: ٦] وكم. وكم
وأما رضوان الله عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى (الاستثناء) كيف وقوله: ﴿خالدين فيها﴾ لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلا عن انفرادها بنعيمهم بها. ثم قال: ولعل الوجه - والله أعلم - أن يكون من باب ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] وأشار إليه سلمه الله (يريد الفاضل الطيبي) (^٨٤)
وذكر أنه وقف بعد ذلك على نص من قبل الزجاج) انتهى
_________________
(١) لم أرد لمن هو وقد ذكر كاتب جلبي في ترجمته ل (الكشاف) عديدا من الكتب التي ألفت حوله ليس فيها شيء بهذا الاسم أقربها إلى هذا كتاب (الكشف عن مشكلات الكشاف) للعلامة عمر بن عبد الرحمن الفارسي القزويني المتوفى سنة (٧٤٥) وهو حاشية على (الكشاف) منه نسخة في مخطوطة في ظاهرية دمشق وأخرى في مكتبة الرباط في المغرب. وذكر أيضا (الكشاف على الكشاف) لشيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني في ثلاثة مجلدات توفي سنة (٨٠٥)
(٢) لعله يعني في حواشيه على (الكشاف) سماها (فتح الغيوب في الكشف عن قناع الريب) وهي في ست مجلدات ضخمات كما قال الجلبي وهو معاصر القزويني فإنه توفي سنة (٧٤٣) ويشعر بذلك قوله: (سلمه الله) ففيه ما يرجح أن القائل إنما هو القزويني وليس البلقيني فلعل قوله في الأصل: (الكشف على الكشاف) سهو من المؤلف أو الناسخ والصواب (الكشف عن الكشاف) وهو اختصار (الكشف عن مشكلات الكشاف)
[ ١٠٥ ]
يريد أنه تقيد بالمحال في الآيتين وعصاة الموحدين داخلون في السعادة فإنهم خالدون في الجنة وإن تأخر دخولهم إياها فإنه من المعلوم أن الداخلين إلى الجنة لا يدخلون دفعة واحدة بل يدخلون أرسالا بل فيها من يسبق إليها بمقدار خمسمائة عام كما ثبت ذلك في فقراء المهاجرين (^٨٥) . والذي رجحه الفخر الرازي بعد سرده للأقوال وتعقبه لها أن عصاة الموحدين داخلون في الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم وقوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ يوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة وهذا الكلام قوي في هذا الباب انتهى
_________________
(١) يشير إلى حديث: (إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار خمسمائة سنة) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٣) وأحمد (٣ / ٦٣ و٩٦) من طريقين عن أبي سعيد الخدري مرفوعا يقوي أحدهما الآخر وله شواهد أحدها عن أبي هريرة نحوه. أخرجه أحمد (٢ / ٢٩٦ ٣٤٣ ٤٥١ ٥١٤٣ ٥١٩) وغيره بسند حسن وصححه ابن حبان (٢٥٦٧) وعزاه ابن تيمية في (المجموع) (١١ / ١٢٧) ل (الصحيح) وهو وهم وإنما رواه مسلم نحوه بلفظ: (بأربعين عاما) فتنبه
[ ١٠٦ ]
وأقول يرد عليه في هذا الوجه (الذين استقوا) إلى ما أورده هو على من قال: أن معنى الاستثناء في آية أهل النار أنهم ينقلون من عذابها إلى الزمهرير فإنه أورد عليه ما أسلفناه من أنه يقتفي أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض. فيقال عليه: هذا عين ما قاله هناك: أنه يلزم أن لا يخرج عصاة من الموحدين عن النار إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض ولا دليل عليه بل الأدلة قائمة على خلافه كما قدمناه في التثنية مما سبق فالحق ما قدمناه لك من أن إيراده غير وارد على من أورده ولا لازم له لبطلانه في نفسه
هذا وكلام الفخر الرازي هذا هو كلام المفسرين من أئمة السنة وذكره سعد الدين في (شرحه على التلخيص) (^٨٦) . لأنه جعل الاستثناء في الآيتين معا لإخراج عصاة الموحدين وآن المراد بعدم خلودهم في الجنة فراقهم لها أيام عذابهم وأنهم داخلون في السعداء باعتبار الإيمان وفي الأشقياء بسبب المعاصي ولكن فيه ما
_________________
(١) (تلخيص المفتاح في العاني والبيان) هو للشيخ جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني المتوفى سنة (٧٣٩) وقد اهتم به العلماء شرحا واختصارا منها شرح العلامة سعد الدين هذا وهو مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى سنة (٧٩٢) وهو شرح عظيم سماه (المطول) ثم اختصره وسماه (المختصر) وهما أشهر شروح (التخليص) وما أشار إليه المؤلف هو في (الفن الثالث: علم البديع - الاستخدام) من (المختصر) (٢ / ٦٠٧ - العثمانية بحاشية الدسوقي)
[ ١٠٧ ]
عرفت من أن الاستثناء إنما هو من المحكوم عليهم بدخول الجنة خالدين فيها وعصاة الموحدين قبل دخولهم لا يصح في حقهم الاستثناء كما عرفته وقد نبه على هذا المحقق الشريف (^٨٧) . في (حواشيه على المطول) حيث قال:
(أقول: الخلود إنما هو بعد دخول الجنة فكيف ينقضي بما سبق على الدخول؟) فالصواب أن يقال: الاستثناء الأول محمول على ما تقدم من أن فساق المؤمنين لا يخلدون في النار
وأما الثاني: (فهو) محمول على أن أهل الجنة لهم سوى نعيمها ما هو أجل وأكبر وهو رضوان الله ﷿ وبقاؤه لا على أن فيهم بعضا يخرج انتهى
ولا يخفى أن كلامه في الاستثناء الثاني هو كلام صاحب (الكشاف) بعينه وأنه يرد عليه ما أورده صاحب (الإتحاف) وقد سبق لنا رده كما عرفت وهكذا يرد عليه ما أورده صاحب (الكشاف) كما سبق قريبا أيضا فالأحسن أن يقال: أن الاستثناء في آية الجنة من باب (^٨٨) ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ تقييد بالمحال وأن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدا بدليل الاجتماع المعلوم ضرورة من الدين وبدليل قوله تعالى: ﴿عطاء غير
_________________
(١) هو السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى سنة (٨١٦)
(٢) الأصل (من آيات) والصواب ما أثبتنا فقد مضى على الصواب قريبا (ص ١٠٥)
[ ١٠٨ ]
مجذوذ﴾ وفي آية أهل النار محمول على ما ذكر من خروج الموحدين ولا يقال: أن هذا يوجب اختلاف في نظم الكلام حيث عدل بالاستثناء الثاني عما حمل عليه الاستثناء الأول مع أنهما سيقا مساقا واحدا لأنا نقول: قد دفع الشريف هذا الإيراد لأنه ورد ما وينهي إليه بقوله: الأول محمول على الظاهر وقد عدل بالثاني عنه بقرينة واضحة مما ذكرنا فلا إشكال ولا اختلاف
إذا عرفت حقيقة هذه الأقوال التي حققها الاستدلال وأساطين المفسرين وعيون العيون من المحققين عرفت أن آية الاستثناء كما قال صاحب (الكشاف) من المعضلات وقد اختلفت فيه كما رأيت أذهان المحققين الأثبات وقد سبق قول ابن القيم في آية الاستثناء في أهل الجنة أنه على كل تقدير أن الاستثناء فيه من المتشابه وأن المحكم قوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] و﴿ظلها دائم﴾ (^٨٩) وآيات الخلود التي وردت في الكتاب العزيز (^٩٠) فلك أن تقول بغير هذا القول في آية الاستثناء في أهل النار أنه من المتشابه وأن المحكم ﴿خالدين فيها﴾ ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨] (^٩١) والآيات المصرحة بخلود
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار﴾ (الرعد / ٣٥)
(٢) انظر بعضها فيما يأتي قريبا (ص ١١٧)
(٣) حشر هذه الفقرة من هذه الآية الكريمة في سياق خلود الكفار في النار خطأ فاحش توارد عليه جمع فإنها في خلود أهل الجنة كما سيأتي بيانه قريبا بإذنه تعالى رقم التعليق (١٠٤)
[ ١٠٩ ]
أهل النار في القرآن كثيرة جدا وسيأتي عد بعضها فيرد المتشابه وهي آية الاستثناء إلى المحكم وقد حكم الله بخلود أهل النار في النار وتواترت الأحاديث بإخراج عصاة الموحدين وقد ورد الاستثناء فلا ندري ما أراد الله هل بإخراج (^٩٢) العصاة من الموحدين كما قال جماهير أهل السنة وهو المروي عن ابن عباس كما أسلفناه عنه أو هو قريب أو هو عين المراد. أو أراد به أمرا استأثر الله بعلمه فنقول: ﴿آمنا بالله كل من عند ربنا﴾ [آل عمران: ٧٦] وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فإن الله أعلم ثنيته (^٩٣) على ما وقعت وأخرج ابن جرير عن (^٩٤) ابن زيد قال: قد أخبرنا الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ولم يخبرنا بالذي شاء لأهل النار وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل أنه كان إذا سئل عن الشيء في القرآن قال قد أصاب الله به الذي أراده
هذا وإذا عرفت ما ألقينا عليك عرفت أنه لم يتم ما ادعاه ابن
_________________
(١) كذا الأصل ولعل الصواب (هل هو إخراج)
(٢) الأصل (تثنيته) والتصويب من ابن جرير (١٥ / ٤٨٢) . وسنده صحيح إلى قتادة و(الثنية) على وزن فعيلة: الاستثناء
(٣) الأصل (على) والتصويب من ابن جرير (١٥ / ٤٨٤) والبغوي وذكره معلقا (والدر المنثور) (٣ / ٣٥٠)
[ ١١٠ ]
تيمية في الآية. وأنه أريد بالاستثناء فناء أهل النار فإنه قول في الآية بلا دليل ولا قال به من السلف أحد ولا من الخلف وأنه ليس في يد شيخ الإسلام شيء لا من كتاب ولا من سنة ولا من صحابي كما قررناه فليس في يديه إلا دعوى بغير برهان لا يقول فيها دون دق الشأن (^٩٥) ولا يعتمد عليها أهل الإتقان وعرفت أنه ما صفا قول قائل في الاستثناء في آية أهل النار عن كدر الإشكال وأن الأقوال فيه كلها أراء محضة إلا القول بأنه أريد به عصاة الموحدين فإنه قول قويم قد قاله بحر الأئمة وحبرها المدعو له بتعليم التأويل ابن عباس كما أسلفناه ودلت عليه أدلة أثرية وقرائن قرآنية فالقول به قويم ولا يدخل تحت التفسير بالرأي الذي ورد الوعيد على (من قال في القرآن برأيه) (^٩٦) . فلا يقال إنه يتعين الوقف عن ذلك الخوض والإيمان بما أراده الله ورد علمه إليه
ثم استدل شيخ الإسلام على سعة رحمة الله تعالى أنها أدركت أقواما ما فعلوا خيرا وساق أحاديث دالة على أن الرحمة أدركت من كان من عصاة الموحدين كما ستعرفه وليس من محل النزاع
فمن الأدلة التي ساقها على مدعاه قصة الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الرياح في البر والبحر خشية أن يعذبه الله قال: (فقد
_________________
(١) كذا الأصل ولعل الصواب: لا يقول بها ذووا الشأن
(٢) يشيروا إلى حديث: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) وفي آخر: (… فأصاب فقد أخطأ) . رواهما الترمذي وغيره بسندين ضعيفين
[ ١١١ ]
شك في المعاد فأحياه الله تعالى قال فهذا لم يعمل خيرا قط وأدركته رحمة الله تعالى) (^٩٧)
_________________
(١) الحادي (٢ / ٢١٧) في (فصل: ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار …) (٢ / ١٨٩ - ٢٢٨) ولم يذكر فيه ابن تيمية البتة ولا جاء ذكره في المخطوطة المصورة في المقدمة. قال العلامة السيد محمد بن إبراهيم المرتضى اليماني في (إيثار الحق على الخلق) (ص ٤٣٦): (وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) . ذكر هذا في بحث هام بين فيه أصل الكفر ومتى يكفر المسلم فليراجعه المبتلون اليوم بتكفير المسلمين واعتبارهم مرتدين لشبهات قامت في نفوسهم لجهلهم بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح أودت بهم إلى مفارقة المسلمين حتى في مساجدهم فلا يصلون معهم جمعة ولا جماعة والله المستعان ثم ذكر السيد ﵀ أن الحديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة منهم حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر كما في (جامع الأصول) و(مجمع الزوائد) قلت: وقد جزم بتواتره شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١٢ / ٤٩١) وقد ذكرت لفظ الحديث من رواية أبي هريرة في المقدمة (ص ٢٠) ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر الحديث في (مجموع الفتاوى) (١ / ٢٣١) محتجا به على وجوب الاحتياط في التكفير فقال: (فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. وقد بسط القول في ذلك في مكان آخر منه (١١ / ٤٠٨ - ٤١١) فليراجعه من شاء التوسع في هذا الموضوع الهام
[ ١١٢ ]
وأقول هذا ليس من محل النزاع فهذا مؤمن بالله عالم بأن الله يعذب من عصاه وقد وقع من خوفه وخشية أمره بتحريقه ففي قلبه خير. وإن لم يعمل خيرا قط. ولذلك الخير أدركته رحمة الله
واستدل أيضا على مدعاه بما أخرجه أحمد في (مسنده) من حديث الأسود بن سريع مرفوعا ([يأتي] أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة أما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل عليهم ليدخلوا النار قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) (^٩٨)
_________________
(١) أورده في الفصل المشار إليه آنفا (٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤) وما بين المعكوفتين زيادة منه سقطت من الأصل في ظني وليس من المؤلف وقوله بعد سطور: (والحديث لم يذكره شيخ الإسلام بتمامه) فيه أمران: الأول أنه لا علاقة لشيخ الإسلام بالحديث هنا كما ذكرت في التعليق آنفا والآخر: أن الحديث تام لا نقص فيه كما أورده ابن القيم وهو كذلك في (المسند) (٤ / ٢٤) وإسناده جيد ورواه عقبة بإسناد آخر عن أبي هريرة مثله غير أنه قال في آخره: (فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها) ورجاله ثقات لولا أن فيه عنعنة الحسن البصري وقد ذكره ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢٤٦) مختصرا نحوه وقال: (إسناده مقارب) . والأول أخرجه ابن حبان أيضا (١٨٢٧) والطبراني في (الكبير) (٨٤١) بلفظ: (أربعة يحتجون يوم القيامة …) . وهذا أتم ولعله الذي أشار إليه المؤلف. لكن لفظ أحمد كما سبق. ثم رأيت الحديث من حديث أبي هريرة في (السنة لابن أبي عاصم) (٤٠٤ - بتحقيقي) وفيه الإحالة في تخريج حديث الأسود إلى (الصحيحة) (١٤٣٤) ولو كان تحت يدي لأغناني عن كثير من هذا التعليق
[ ١١٣ ]
وأقول ليس الحديث أيضا في محل النزاع إذ هو في فناء النار ودخول أهلها الجنة وهؤلاء الثلاثة الأولون ليسوا بمشركين فإنهم كانوا في دار الدنيا غير مكلفين فلم يتحقق منهم أنهم كانوا مشركين وليسوا ممن دخل النار ثم فنيت وهم فيها: والرابع الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله بنص قوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤] والحديث لم يذكره شيخ الإسلام بتمامه وهو حديث مشكل ولا حاجة لنا إلى الكلام عليه بعد بيان أنه ليس من محل النزاع
ثم استدل شيخ الإسلام بحديث رواه ابن المبارك من حديث أبي
قلت: لم يتبين لي وجه الإشكال إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية ﴿. . إلا خلا فيها نذير﴾ وبين قوله الذي مات في الفترة: (ما أتاني من نذير) . فإن كان هذاهو المشكل فلا إشكال عندي لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة كل فرد من أفراد كل أمة بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة. حتى في هذه الأمة المحمدية فمن الذي يستطيع أن يقول بأن سكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد بلغتهم دعوة النبي ﷺ َ لا سيما قبل عصرنا هذا الذي تيسرت فيه طرق التبليغ كالراديو وغيره. ولكن أين المبلغون للدعوة إليهم وإلى أمثالهم على وجه الأرض وبلغاتهم؟ بل أين المبلغون للدعوة الحق التي نزلت على قلب محمد ﷺ َ للمسلمين أنفسهم حين انحرف الكثيرون منهم عنها بل وحاربوها هذا أولا
وثانيا: فإن قول المؤلف: أن الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله. . لا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن من أمة﴾ لأن المعنى: (ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها) كما قال الشوكاني في (فتح القدير) . وأما أنها تدل على أن من مات فيها نذير من الأنبياء ينذرها) كما قال الشوكاني في (فتح شيء لا تدل عليه الآية لا من قريب ولا من بعيد بل لا بد له من دليل خاص. فكيف والثابت خلافه وهو قوله ﷺ َ: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) . رواه الشيخان وهو مخرج في (الإرواء) (٢٨٥)
[ ١١٤ ]
هريرة مرفوعا: أن رجلين (^٩٩) دخلا النار واشتد صياحهما فقال الرب ﷻ أخرجوهما فقال لأي شيء اشتد صياحكما فقالا: فعلنا ذلك لترحمنا. فقال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما في النار. فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها عليه بردا وسلاما ويقوم الآخر فلا يلقي فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك] كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجو أنك لا تعيدني فيها بعد أن أخرجتني منها. فيقول: لك رجاؤك فيدخلان جميعا الجنة برحمة الله)
وأقول: هذا كما تراه في إخراج العصاة من الموحدين فإنه لا يقول ابن تيمية أن يخرج الكفار من النار كما يقول غيره
_________________
(١) قلت: الأصل: (وفيه رجلين) وهو خطأ صححته وغيره من الترمذي (٢٦٠٢) وأخرجه من طريق ابن المبارك وقال: (إسناده ضعيف لأنه عن رشدين بن سعد عن ابن أنعم الإفريقي وهما ضعيفان عند أهل الحديث) . ثم إنه لم يستدل به ابن تيمية وإنما تلميذه ابن القيم فإنه أورده في الفصل السابق الذكر وقد عرفت قولنا فيه فتنبه
[ ١١٥ ]
ثم ساق حديثا ثالثا مثل هذا الحديث ليس من محل النزاع
ثم تعرض لأدلة القائلين بعدم فناء النار (١٠٠) فقال: (لهم ست طرق أحدها الإجماع على عدم فنائها) قال: (والإجماع غير معلوم إنما يظنه في هذه المسألة من لم يعرف النزاع فيها وقد عرفت النزاع قديما وحديثا قال: (ولو كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم أنه قال النار لا تفنى لم يجد إلى ذلك سبيلا) ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك
وأقول: قد عرفت أنه نقل عن ستة من الصحابة عبارات لا تدل على مدعاه وهو فناء النار بنوع من الدلالات كما أوضحناه ولا يصح نسبته لتلك الدعوى إلى واحد من أولئك الستة فلم يوجد لأحد مما وجدنا عن واحد من الصحابة أنه يقول بفناء النار كما أنه لا يوجد قائل من الصحابة أنه يقول بعدم فناء النار فإن هذه المسألة وهي فناء النار لا تعرف في عصر الصحابة ولا دارت بينهم فليس نفي ولا إثبات بل الذي عرفوه فيها هو ما في الكتاب والسنة من خلود أهل النار أبدا وأن أهلها ليسوا منها بمخرجين وعرفوا ما ثبت من خروج عصاة الموحدين
_________________
(١) في (فصل: والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق …) فذكرها وأطال النفس في ذلك (٢ / ١٨١ - ١٨٩) . وليس فيه ذكر لابن تيمية أيضا ولا له ذكر في المخطوطة
[ ١١٦ ]
إذا عرفت هذا عرفت أن دعوى فناء النار أو عدم فنائها قول للصحابة دعوى باطلة إذ هذه الدعوى لا توجد في عصرهم حتى يجمعوا عليها نفيا أو إثباتا نعم القول الذي دل عليه القرآن من خلود النار أهلها فيها أبدا يتضمن القول عنهم بما تضمنه القرآن ودل عليه الأصل فيما أخبر الله به عن الدارين الأخروين البقاء فلا يحتاج مدعي عدم الفناء إلى الدليل على ذلك الأصل ثم قال:
(الثاني (أي من الستة الأدلة للقائلين بعدم الفناء) أن القرآن دل على ذلك دلالة قاطعة فإنه تعالى أخبر أنه ﴿عذاب مقيم﴾ [المائدة: ٣٧] وأنه ﴿لا يفتر عنهم﴾ [الزخرف: ٧٥] وأنه لا يزيدهم إلا عذابا (١٠١) وأنهم ﴿خالدين فيها أبدا﴾ (١٠٢) وأنهم ﴿وما هم بخارجين (١٠٣) من النار﴾ [البقرة: ١٦٧] ﴿وما هم منها
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ . سورة النبأ آية ٣٠
(٢) وردت في عدة آيات: الأولى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا﴾ (النساء / ١٦٨ و١٦٩) . الثانية: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا. خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا﴾ . (الأحزاب / ٦٤ و٦٥) . الثالثة: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾ (الجن / ٢٣)
(٣) الأصل (بمخرجين) وهو خطأ فاحش من الناسخ وتمام الآية: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾
[ ١١٧ ]
بمخرجين﴾ (١٠٤) وإن الله حرم الجنة على الكافرين (١٠٥) وأنهم ﴿لن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (١٠٦) و﴿أن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥] . قال: والجواب أن هذا كله مسلم وأنهم لا يخرجون منها وأنه لا يفتر عنهم العذاب ما دامت باقية وليس محل النزاع إنما محل النزاع لا تفنى النار قال: وهذه النصوص تقضي بخلودهم في النار ما دامت باقية) (١٠٧) هذا جوابه
وأقول: قد عرفت أنه لا يتم هذا الجواب ما لم يؤخذ بأدلة ناهضة على فناء النار ولم يقم دليل على ذلك قال:
(الطريق الثالث (من أدلة القائلين بعدم فناء النار): أن السنة
_________________
(١) حشر هذه الجملة هنا سهو من المؤلف تبعا لابن القيم رحمهما الله تعالى. فإنها في أهل الجنة. قال تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ (سورة الحجر / ٤٥ - ٤٨) . وقد وقع هذا السهو من ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة) أيضا ولم يتنبه له مختصره الشيخ محمد ابن الموصلي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى وفي (شفاء العليل) أيضا (ص ٢٥٨ و٢٥٩) على الرغم من وقوع ذلك منه في موضعين آخرين (ص ٢٢٥ و٢٢٨) من (المختصر) مطبعة الإمام بمصر
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ (المائدة / ٧٢)
(٣) يعني قوله تعالى: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين﴾ . (الأعراف / ٤٠)
(٤) الحادي (٢ / ١٨١ و١٨٥)
[ ١١٨ ]
المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه أدنى ذرة من إيمان دون الكفار فأحاديث الشفاعة كلها صريحة في خروج الموحدين دون الكافرين قال:
الجواب: أن هذا لا شك فيه وهو إنما يدل (١٠٨) على ما قلناه من خروج الموحدين فيها وهي باقية ويبقى المشركون ما دامت باقية)
وأقول: الجواب ما سلف. ثم قال:
(الطريق الرابعة (للقائلين بعدم فناء النار): أوقفنا الرسول على ذلك وعلمناه من دينه ضرورة كما علمنا دوام الجنة (١٠٩) . وأجاب بأنه لا ريب أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا هو المعلوم من دينه ضرورة وأما كونها أبدية لا تفنى كالجنة. فمن أين في القرآن والسنة دليل واحد على ذلك؟)
وأقول: الدليل يتوجه على من ادعى الفناء ولم يأت شيخ الإسلام بشيء واحد والأصل هو خلود النار وأبديتها كما دل عليه الكتاب والسنة فلا يحتاج مدعي عدم الفناء إلى دليل آخر بعد هذا الأصل. قال:
(والدليل الخامس (من أدلة القائلين بفناء النار): أن في عقائد
_________________
(١) الأصل: (وهو ما يدل) والتصويب من (الحادي) (٢ / ١٨٦)
(٢) الحادي (٢ / ١٨٦)
[ ١١٩ ]
أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا والقول بفنائها من أقوال أهل البدع. قال:
والجواب: أنه لا ريب أن القول بفنائها قول أهل البدع وأما القول بفناء النار وحدها فقد أوجدناكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف تقولون: إنه من قول أهل البدع؟) (١١٠)
وأقول لأنه يصدق عليه رسم البدع ففي (القاموس): (البدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما أحدث بعد رسول الله ﷺ َ من الأهواء والأعمال) انتهى
والمعلوم أنه لم يقع في ذلك العصر قول بفناء النار ودخول الكفار جنات تجري من تحتها الأنهار ولا أوجدنا شيخ الإسلام مع تبحره في العلوم وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف على قول واحد من الصحابة بفناء النار ودخول الكفار الجنات. وإن كان كذلك فالقول به بدعة قطعا. قال (١١١):
(والدليل السادس (للقائلين بعدم فناء النار): أن العقل يقضى بخلود
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٨٦ - ١٨٧)
(٢) قلت: وهذا هو الصواب جزما ومما يدلك عليه أن إمام السنة الإمام أحمد لما حكى عن الجهمية القول بفناء الجنة والنار رده عليهم بشقيه كما سبق في المقدمة ولم يفرق كما فعل ابن تيمية هنا عفا الله عنا وعنه بل هو نفسه ذكر اتفاق السلف على ذلك كما بينته هناك. فسبحان من لا يضل ولا ينسى
[ ١٢٠ ]
الكفار: ثم قرر وجه الاستدلال بما حاصله أنه مبني على أن المعاد وإثابة النفوس المطيعة وعقوبة النفوس العاصية مما يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع (قال) كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره تعالى على من زعم أنه يخلق خلقه عبثا وأنهم إليه لا يرجعون وأنه يتركهم سدى لا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن ذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه ينسبه إلى ما لا يليق ثم قرره تقريرا آخر. وأجاب عنه بقوله:
وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق ثم أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالا وأما تفصيلا فلا يعلم إلا بالسمع وقد دل السمع على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فدل دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهو من معترك النزال فمن كان السمع في جانبه فهو أعلم بالصواب) (١١٢)
قلت: وهو تحقيق حسن إلا أني لا أدري من الذين قالوا أن العقل حكم بخلود العصاة في النار فإن أشد الناس بهم الوعيدية والمعتزلة إلا القليل وأكثرهم قائلون بأن العقل يقضي بحسن العفو
(١) الحادي (٢ / ١٨٨ - ١٨٩)
[ ١٢١ ]
عن الكفار لولا ورود السمع بان الله لا يغفر أن يشرك به
هذا وقد انتهت المناظرة التي ساقها ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام بين الفريقين. ومن له نباهة وهو من أولي الألباب لا يخفى عليه بعدما قررناه وجه الصواب
ثم ساق شيخ الإسلام من الأدلة على مدعاه فقال مستدلا:
(إن الله خلق عباده على الفطرة وخلقهم حنفاء فلو خلوا وفطرهم لما نشئوا إلا على التوحيد. (قال): والأشقياء غيروا الفطرة إلى ضدها واستمروا على ذلك التغيير ولم تغن عنهم الآيات والنذر في هذه الدار فأتاح الله لهم آيات أخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا يستخرج الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار فإذا زال موجب العقاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له) (١١٣) . وأراد (بمقتضى الرحمة) الميثاق الذي أخذ عليهم بالإيمان وهم في عالم الذر (١١٤)
وأقول: لا شك أنه يدخل النار من كفار الجن والشياطين أمم لا
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٩٣ - ١٩٤) من الفصل الذي سبقت الإشارة إليه وليس فيه ذكر لابن تيمية فتنبه وقد صححت منه بعض الأخطاء وقعت في الأصل
(٢) انظر (باب ذكر أخذ ربنا الميثاق من عباده) في (السنة) (١٩٦ - ٢٠٦) و(سلسلة الأحاديث الصحيحة) (١٦٢٣) و(تخريج الطحاوية) (ص ٢٤٠ - ٢٤٧) (تخريج السنة) (٣٤ باب ذكر أخذ ربنا الميثاق من عباده) (١ / ٨٧ - ٩١) . وانظر (ابن حبان) (١٧٥٢)
[ ١٢٢ ]
يحصون بل ربما يدعى أنهم أكثر من كفار بني آدم وما ذكره شيخ الإسلام من عود أهل النار بعد زوال خبيث الكفر إلى الفطرة والإقرار الذي كان في عالم الذر إن ساعدناه عليه ثم له في من أقر في عالم الذر بالربوبية من بني آدم لا غير ودعواه فناء النار وأن سكانها وأهلها يدخلون الجنة وهو حكم عام لكل من دخل النار والدليل خاص ببعض بني آدم وإنما قلناه: (إن ساعدناه) لأنه قد ثبت في الأحاديث أن الكفار لم تشملهم الفطرة. والإقرار بالربوبية في عالم الذر [لم يكن] إلا كرها فليس لهم حظ من فطرة الله التي فطر الناس عليها كما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ َ:
(يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما في الأرض أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي) (١١٥) والتعقيب بالفاء يشعر بأن الإباء كان عند أخذ الميثاق عليه وهو في ظهر أبيه [أن] لا يشرك في الدنيا ويوضح ذلك ما أخرج ابن عبد البر في (التمهيد) من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية: أن الله مسح صفحة ظهر آدم فأخرج فيها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر ومسح صفحة
_________________
(١) قلت: ورواه ابن أبي عاصم في (السنة) (رقم - ٩٩ - بتحقيقي) وهو مخرج فيه وهو في (صحيح الجامع) (١٩٠٨ و٧٩٧٩)
[ ١٢٣ ]
ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر فذلك قوله: ﴿أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] و﴿أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال﴾ [الواقعة: ٤١] ثم أخذ الميثاق فقال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأعطاها طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية (إلى أن قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها﴾ [آل عمران: ٨٣] وهذا المعنى كثير في الأحاديث ومنه حديث الغلام الذي قتله الخضر أخرج مسلم وأبو داود والترمذي (١١٦) وعبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) وابن مردويه عن [أبي] بن كعب عنه ﷺ َ قال: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا) (١١٧) وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس مثله (١١٨) . نعم أحاديث كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما (١١٩) وتفسير الفطرة بالدين منصوص عليه فلا
_________________
(١) قلت: وذكره ابن القيم في (الروح) (ص - ١٥٩ - صبيح) من رواية محمد بن نصر وزاد في آخره: (يعني يوم أخذ عليهم الميثاق)
(٢) وأخرجه آخرون منهم ابن أبي عاصم (١٩٤ - ١٩٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب وقد خرجته هناك
(٣) قلت: لعل بعض الرواة قصر في إسناده فلم يذكر فيه أبيا فقد عرفت آنفا أنه في (الصحيح) من رواية ابن عباس عنه ﵄
(٤) قلت: هو في (الصحيحين) وغيرهما بألفاظ متقاربة من حديث أبي هريرة ﵁ وله عنه طرق كثيرة خرجت خمسا منها في (إرواء الغليل) وخرجت له فيه شاهدين من حديث الأسود بن سريع وجابر بن عبد الله ﵄ فمن شاء فليرجع إليه (١٢٢٠)
[ ١٢٤ ]
بد من الجمع بين الأحاديث بتخصيص أحاديث الفطرة ونحوها وهي أحاديث كثيرة من الجانبين وهي كلها في بني آدم ثم لك أن تجمع بين أحاديث عموم الفطرة وحديث أنس الذي عند أحمد والشيخين الذي أسلفناه بأن نقول: الكل على الفطرة أي فطرة الإقرار بالتوحيد من أقر تقية كرها ومن أقر طوعا حقيقة كذلك فيتم العموم ثم إن المقرين تقية اجتالتهم الشياطين كما في لفظ الحديث (١٢٠) وهودهم الآباء ونصروهم ومجسوهم واقتادوهم وانقادوا لهم وللشياطين لما في طبائعهم الخبيثة من أول وهلة حين أقروا تقية تجتمع الأحاديث والله أعلم
ثم قال شيخ الإسلام:
(فإذا أخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن العذاب لم يكن سدا وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا
_________________
(١) يشير إلى حديث عياض بن حمار المشاجعي أن رسول الله ﷺ َ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي ضعفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن اله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال: إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا. وإن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت: رب إذن يثلبوا رأسي ويدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وانفق فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك)
[ ١٢٥ ]
حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب) (١٢١)
وأقول لم يقم شيخ الإسلام دليلا على أن الحكمة المطلوبة لله في تعذيب الكفار هي زوال النجاسة الكفرية وخبثه الذي لا يزول إلا بعذاب النار وإنما قال ذلك تظننا منه وتحسبا تفرع عن اعتقاده فناء النار وقد أورد على نفسه سؤالا فقال:
(إن قيل: سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان عارضا كمعاصي الموحدين أما ما كان لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب وقد أشار الله تعالى إلى ذلك فقال: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام ٢٨] إخبارا بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقبل (١٢٢) غير الشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا قال [تعالى]: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ [الإسراء: ٧٢] فأخبر أن ضلالهم عن الهدى دائم لا يزول
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٩٦ و١٩٧) وهو من كلام ابن القيم وكذلك الآتي بعده لم يعزه لابن تيمية كما سبق التنبيه عليه مرارا وليس هو في المخطوطة
(٢) في (الحادي): (لا تقتضي)
[ ١٢٦ ]
مع معاينتهم الحقائق التي أخبرت بها الرسل وقال: ﴿لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣] فهذا يدلك على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع [عليهم] أثر وهو يدل على أنه لا خير فيهم هنالك أيضا) (١٢٣)
وأجاب بقوله: (لعمر الله إن هذا أقوى ما يتمسك به في هذه المسألة ولكن هل هذا الكفر والخبث والتكذيب أمر ذاتي [لهم] زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال؟ وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي قد أخبر الله أنه فطر عباده على الحنفية وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم على الكفر والتكذيب وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده (١٢٤) وإذا كان هذا الحق الذي فطروا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك كان زوال الكفر والشرك بضده أولى وأحرى ولا ريب [أنهم] لو ردوا على تلك الحال لعادوا لما نهوا عنه لكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تبدل بنشأة أخرى ينشؤهم عليها ﵎ (١٢٥)
_________________
(١) الحادي (٢ / ١٩٤ - ١٩٥)
(٢) الأصل (ومحبته منه ومحيلة وتوحيده) والتصحيح من (الحادي)
(٣) الحادي (٢ / ١٩٥ - ١٩٦)
[ ١٢٧ ]
أقول: قد دار جواب هذا الإيراد والذي أقر أنه من أقوى ما يتمسك به المخالف على أن الكفار مخلوقون على الفطرة أي فطرة الدين الحنيف وهو التوحيد وقد سمعت من حديث ابن عباس وابن مسعود وغيرهم أنها لم تشملهم الفطرة ولا وقع منهم الإقرار بالوحدانية في عالم الذر إلا تقية
ثم هب أن الفطرة شاملة لبني آدم كما قال تعالى: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٩] والفطرة إنما هي للناس كما في الآية والحديث: (إنهم خلقوا حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (١٢٦) . فإن ساعدناه على أن الناس مفطورون على التوحيد فيما يصنع بالجن والشياطين وهم من جملة من تفنى عنهم النار ويدخلون الجنة؟ أيزعم أنهم مفطورون على التوحيد مخلوقون حنفاء؟ فمن اجتالهم فإنهم هم الذين اجتالوا العباد. فهذا وارد على عمومهم الفطرة مع التسليم والمماشاة. وأما قوله: (فمن أين لكم أنه لا يزول)؟
قلنا: من إخبار الله في الآيات التي ساقها في صدر السؤال ولعدم الدليل على زوال ما كانوا عليه. وكفى دليلا (١٢٧) على عدم زوال نجاسة الكفر وخبث الشرك ودرن التكذيب بالنار قوله تعالى:
_________________
(١) قطعة من حديث عياض بن حمار الذي سقته آنفا
(٢) الأصل (وكفى بقوله دليلا) . ولعل الصواب ما أثبتنا
[ ١٢٨ ]
﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ إلا أنه قال شيخ الإسلام:
(إن هذا الإخبار منه تعالى عنهم قبل دخولهم النار فإنه تعالى قال: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب …﴾ إلى قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ (١٢٨)
أي لو ردوا من شفير جهنم قبل دخولها لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب والكفر وذلك لازم لهم لم يزل عنهم خبث الشرك فإنه لا يزول إلا بدخول النار
قلت: قد حكى الله عنهم أنهم يقولون وهم بين أطباقها يصلونها: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وأنه يقول في جوابهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلم يجبهم تعالى وقد ذاقوا العذاب واعترفوا بالظلم إلا بقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ ولم يقل ابقوا حتى تطهروا من خبث الكفر ولعل شيخ الإسلام يقول لم يكن عند هذا الاعتراف قد طهرت تلك النفوس من خبث الشرك
وجوابه: أن هذه الدعوى [من] العنت وتقريره أن زوال خبث الشرك والكفر بالنار من عيب تفرع عن دعوى الفناء للنار والأصل بقاؤه ما لم يقم عليه دليل كما عرفت
_________________
(١) الحادي (٢ / ٢١٥ - ٢١٦) ولم يعزه لابن تيمية ولا له ذكر في المخطوطة وكذلك ما بعده
[ ١٢٩ ]
ثم استدل على ذلك المدعى بأحاديث الشفاعة الثابتة في (الصحيحين) وغيرها وفيها (أن الله يقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط) قال:
فهذا يدل على إخراج قوم لم يكن في قلوبهم خير قط كما يدل له السياق فإن لفظ الحديث هكذا: (أخرجوا من في قلبه مثقال ذرة من خير فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله: شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفعت المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة …) الحديث (١٢٩) قال:
(فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة)
_________________
(١) وتمامه: (من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما …) الحديث وهو من رواية أبي سعيد الخدري. وأخرجه أحمد أيضا (٣ / ٩٤) والحاكم (٤ / ٥٨٣) وصححه ووافقه الذهبي وهو عنده مطول جدا. وفي طريق أخرى: (قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها) . أخرجه أحمد أيضا (٣ / ١١ - ١٢) وصححه الحاكم (٤ / ٥٨٤ - ٥٨٦) على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي ويشهد للحديث ما جاء في آخر حديث ابن مسعود الطويل في الشفاعة في (المستدرك) (٤ / ٦٠٠): (ثم قرأ عبد الله ﴿ما سلككم في سقر﴾ وقال بيده فعقده فقالوا: ﴿لم نك من المصلين. ولم نك تطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين﴾ هل ترون في هؤلاء من خير؟ وما يترك فيها أحد فيه خير فإذا أراد الله أن لا يخرج أحدا غير وجوههم وألوانهم … فعند ذلك قالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ فإذا قال ذلك انطبقت عليهم فلم يخرج منهم بشر) . وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) . ورده الذهبي بقوله: (قلت: ما احتجا بأبي الزعراء) . قلت: واسمه عبد الله بن هانئ الكوفي وثقه العجلي كما في (التقريب)
[ ١٣٠ ]
أقول: الحديث ليس من محل النزاع فإنه في إخراج أقوام من النار وهي باقية وقد قرر شيخ الإسلام فيما سلف أنه لا يخرج منها الكفار وهي باقية وإن كان إنما استدل به عليه بعموم الرحمة
ثم يقال: الحديث دل على أن الملائكة أخرجت من علمت في قلبه مثقال ذرة من خير ولا دليل أنهم يعلمون كل من في قلبه مثقال ذرة من خير فإنهم لا يعلمون من أحوال القلوب إلا ما أعلمهم الله كما قال تعالى: ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٢] فهم يعلمون أفعالنا لا ما انطوت عليه قلوبنا ولهذا وردت الأحاديث أنهم يصعدون بالعمل يرونه حسنا ويرد فيقول الله أن فاعله أراد به كذا وكذا أي من الرياء ونحوه فأخرج البزار والطبراني في (الأوسط) والدارقطني والأصبهاني في (الترغيب والترهيب) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ َ: (يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة فتنتصب بين يدي الله فيقول: ألقوا هذه واقبلوا هذه. فتقول الملائكة وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل. فيقول الله أن هذا كان لغير وجهي وأنا لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي) (١٣٠)
_________________
(١) وقال المنذري في (الترغيب): (رواه البزار والطبراني بإسنادين) رواه أحدهما رواة الصحيح و(البيهقي) . وكذا قال الهيثمي في (الجمعي) (١٠ / ٣٥٠) إلا أنه قيد الطبراني بالأوسط كما في الكتاب ولم يذكر البيهقي وقد كنت حققت الكلام على هذا الحديث وأودعته في (صحيح الترغيب) أو في (ضعيفه) ولا أطولهما لأبين مرتبته
[ ١٣١ ]
وهذا الحديث فيه الإخبار بأن الملائكة قالت: (لم نذر فيها خيرا) أي: أحدا فيه خير والمراد ما علموه بإعلام الله. ويجوز أن يقال لم يعلمهم بكل من في قلبه خير وأنه بقي من أخرجهم بقبضته ويدل له أن لفظ الحديث (أنه أخرج بالقبضة من لم يعملوا خيرا قط) فنفى العمل ولم ينف الاعتقاد وفي حديث الشفاعة تصريح بإخراج قوم لم يعملوا خيرا قط ويفيد مفهومه أن في قلوبهم خيرا. ثم سياق الحديث يدل على أنه أريد بهم أهل التوحيد لأنه تعالى ذكر الشفاعة للملائكة والأنبياء والمؤمنين ومعلوم أن هؤلاء يشفعون بعصاة أهل التوحيد. فإنه لا يقول ابن تيمية ولا غيره أنه يشفع للكفار بقرائن القبض التي قبضها الرب في عصاة الموحدين والأليق بالسياق أنها أيضا فيهم (١٣١) وقد أخرج البيهقي في
_________________
(١) قلت: ويشهد لهذا نصوص كثيرة منها حديث أنس مرفوعا: (ما زلت أشفع إلى ربي ﷿ ويشفعني وأشفع ويشفعني حتى أقول: أي رب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: هذه ليست لك يا محمد ولا لأحد هذه لي وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدا يقول: لا إله إلا الله) أخرجه ابن خزيمة في (التوحيد) وابن أبي عاصم في (السنة) (٨٢٨) وهو حديث صحيح وقد أخرجه مسلم وغيره بمعناه كما بينت هناك
[ ١٣٢ ]
الشفاعة (١٣٢) من حديث جابر مرفوعا وفيه: (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فاخرجوا (إلى أن قال) ثم يقول الله تعالى: الآن أخرجوا بعلمي وحلمي فيخرج أضعاف ما أخرجوا وأضعافه) . فقوله تعالى: (بعلمي) يدل على أنه علم قوما في قلوبهم الخير لم تعلمهم الملائكة. وهب أنا ساعدناه وأن تعالى أخرج قوما من الكفار من النار أين هذا من محل النزاع وهو فناء النار وإدخال من كان فيها من الكفار الجنة؟
ثم قال شيخ الإسلام مستدلا أيضا:
(إن العبد إذا اعترف بذنوبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه والحمد والرحمة والكمال المطلق لربه وفي كل وقت يستعطف ربه ويستدعي رحمته وإذا أراد الله أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه لا سيما إذا اقترن بذلك عزم العبد على ترك المعاودة وعلم الله ذلك من داخل قلبه وسويدائه فإنه لا يختلف عن الرحمة فإذا علمت تلك النفوس الخبيثة أن العذاب أولى لها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فقد ذابت تلك الخبائث وتلاشت وتبدلت وبذل وانكسار وثناء على رب العالمين ﵎ - لم يكن في حكمته أن يستمر العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها
_________________
(١) لعله يعني في كتابه (البعث والنشور) المتقدم ذكره بحديث آخر مع التعليق عليه فراجعه برقم (٦٤)
[ ١٣٣ ]
بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها) (١٣٣)
وأقول: قال الله تعالى مخبرا عن المشركين واعترافهم المذكور: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠ و١١] فهذا نص في اعترافهم الاعتراف الحقيقي فإنه لا يطلق تعالى على ما ليس باعتراف أنه اعتراف ثم قال: ﴿فسحقا لأصحاب السعير﴾ أي: بعدا لهم عن الرحمة والإغاثة والغفران فهذا نص في وجه هذا القول الذي قاله تظننا. وقال تعالى لما قالوا وهم في دركات النار: ﴿أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فاعترفوا بظلمهم وأخبروا عن عزيمتهم أنهم لا يعودون أي إن عدنا إلى ما كنا فيه من الكفر والتكذيب كما يفيده لفظ العود ولم يجب عليهم تعالى إلا بقوله: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]
وأخرج الترمذي (١٣٤) والبيهقي من حديث أبي الدرداء مرفوعا وفيه: (أن أهل النار ينادون خزنة جهنم ثم يدعون مالكا ثم يقولون
_________________
(١) الحادي (٢ / ٢١٨ و٢١٥) بتقديم وتأخير وهو من كلام ابن القيم لم ينسبه لابن تيمية وله نحوه في المخطوطة المصورة في المقدمة
(٢) قلت: أخرجه في (صفة جهنم) (٢٥٨٩) من طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ: (يلقى على أهل النار الجوع. .) الحديث وفيه ما ذكره المؤلف ﵀ وأعله الترمذي بالوقف على أبي الدرداء وإعلاله بشهر أولى لأنه ضعيف سيئ الحفظ ومن طريقه أخرجه البيهقي كما ذكر المنذري في (الترغيب) للمنذري وقد ذكره بتمامه وكذلك هو في (المشكاة) (٥٦٨٦) . ولعل الأولى الاستدلال بما رواه الحاكم (٤ / ٥٩٨) بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو في قوله ﷿: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) قال: يخلي عنهم أربعين عاما لا يجيبهم ثم أجابهم (إنكم ماكثون) فيقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ فيخلي عنهم مثل الدنيا ثم أجابهم ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ قال: والله ما ينبس القوم بعد هذه الكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق. وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي. ولبعضه شاهد تقدم برقم (١٢٩) وعزاه في (المجمع) (١٠ / ٣٩٦) للطبراني وقال: (ورجاله رجال الصحيح) بلفظ: (ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق شبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير)
[ ١٣٤ ]
ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم فيقولون: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٦ و١٠٧] فيجيب عليهم الرب: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . (فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك أخذوا في الزفير والشهيق والويل)
ثم يقال: وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ في آيتين من سورة (النساء) [٤٨ ١١٦] وهو غير مقيد بزمان ولا حال فيجب الوقوف والتسليم في هذا المقام والاعتراف بالعجز عن إدراك حكمة الحكيم العلام فكيف يقول شيخ الإسلام لم يكن في حكمته أن يستمر بها العذاب؟ وأين للعقول الاطلاع على أسرار حكمته وكيف لها
[ ١٣٥ ]
الوصول إلى معرفة عجائب ملكوته وجبروته
ثم أخذ شيخ الإسلام يستدل بأحاديث (آخر الناس خروجا من النار) وأحاديث (أدنى الناس منزلة في الجنة) وهي أحاديث واضحة في عصاة الموحدين ولا حاجة إلى سردها فهي معروفة في محالها (١٣٥)
ثم قال مستدلا على مدعاه: أنه تعالى يخبر عن العذاب أنه ﴿عذاب يوم عقيم﴾ و﴿وعذاب يوم عظيم﴾ و﴿عذاب يوم أليم﴾ [الزخرف: ٦٥] ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد (١٣٦)
وأقول: ورد ﴿عذاب يوم عظيم﴾ في قصة صالح في قوله لقومه: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم﴾ [الشعراء: ١٥٦] والمراد به اليوم الذي أخذهم فيه العذاب بالدنيا وهو العقاب
ومن قول شيخ الإسلام في فصل له في إثبات حكمة أحكم الحاكمين وأن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين يقرون بها لله في خلقه وأمره قال: (لكن قد يعرف أحدهم وقد لا يعرفها ويقرون بما جعله من الأسباب وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده … وأن كل ما وقع من خلفه وأمره فعدل وحكمة سواء عرف العبد ذلك أو لم يعرفه) . انظر (مجموع الفتاوى) (١٧ / ١٩٨ - ٢٠٥)
_________________
(١) قلت: في بعضها ما فيه حجة عليه وهو قوله ﷺ َ: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة …) الحديث متفق عليه
(٢) الحادي (٢ / ٢١٢) وليس لابن تيمية فيه ذكر
[ ١٣٦ ]
القريب الذي أوعدهم به في قوله: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾ [هود: ٦٤] (١٣٧) قال تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾ إلى قوله: ﴿ومن خزي يومئذ﴾ [هود: ٦٦] أي: يوم أخذهم العذاب العظيم القريب فهو يوم من أيام الدنيا. وورد ﴿عذاب يوم عظيم﴾ في قصة شعيب: ﴿فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم﴾ [الشعراء: ١٨٩] وورد ﴿عذاب يوم عقيم﴾ في قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه … .﴾ الآية إلى قوله: ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ [الحج: ٥٥] وفسر بيوم بدر كما أخرجه ابن مردويه والضياء في (المختارة) عن ابن عباس وأخرجه أيضا ابن مردويه عن أبي بن كعب. وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة. فهذه كلها من أيام الدنيا وهب أنه ورد ذلك في صفة عذاب الآخرة فإنه قد ثبت بنص القرآن أنهم لابثون فيها أحقابا والحقب - كما ذكره ابن تيمية في هذه المسألة - خمسون ألف سنة قال: أخرجه الطبراني من
_________________
(١) في الأصل هنا (عذاب يوم قريب) فلعل لفظة (يوم) ذكرها المؤلف في الآية على سبيل التفسير وإلا فهي زيادة من الناسخ ذكره السيوطي في (الدر المنثور) (٤ / ٣٦٨) وسكت عن إسناده كعادته وكذا سكت عن الآثار التي بعده
[ ١٣٧ ]
حديث أبي أمامة مرفوعا (١٣٨) . والأحقاب جمع (١٣٩) وأقله ثلاثة يعني (١٤٠) مائة ألف سنة وخمسين ألف سنة
هذا وقد ورد في أهل الجنة ﴿أن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهين﴾ [يس: ٥٥] وهذا تقييد لنعيمهم وكونهم فاكهين والفاكه المتنعم المتلذذ ومعلوم أنهم في شغل فاكهون أبد الآباد وقال تعالى: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ [الزخرف: ٦٨] فإن قيل أراد به مبدء زوال الخوف والحزن
قلنا كذلك ﴿عذاب يوم﴾ أريد به مبدأه وحينئذ فلا دليل بالتقييد مطلق الزمان فمن أيام الآخرة ليس لها قيد به من نعيم ولا عذاب (١٤٠) . بل أريد به مطلق الزمان فإن أيام الآخرة ليس لها مقدار فمتى [أطلق اليوم] أطلقه على مطلق المدة ﴿هذا يوم لا
_________________
(١) الحادي (٢ / ٢١٦) وليس لابن تيمية فيه ذكر وبالرجوع إلى (معجم الطبراني الكبير) (٧٩٥٧) تبين أن لفظ الحديث فيه: (ثلاثون) وليس (خمسون) كما وقع فيه وأن إسناده موضوع فيه جعفر بن الزبير راوي الحديث الآخر الموضوع المتقدم برقم التعليق (٤٥) ولذلك خرجته في (الضعيفة) (٥٢٠٢)
(٢) أي هو جمع (حقب) وهو المدة من الزمان وقد اختلفوا في مقداره والآثار في ذلك متباينة وقد ذكر ابن كثير بعضها
(٣) الأصل (عن) ولعل الصواب ما أثبتنا
(٤) كذا الأصل وهو غير مفهوم ولعل المراد: فلا دليل لتقييد مطلق الزمان في أيام الآخرة فليس … إلخ
[ ١٣٨ ]
ينطقون﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿هذا يوم الفصل﴾ [الصافات: ٢١] ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ﴿اليوم نختم على أفواههم﴾ [يس: ٦٥]
﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٤] فليس المراد من الجميع اليوم المعروف للمقدار المذكور قطعا ومن إطلاقه على مطلق المدة قوله في قصة عاد: ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ [الشعراء: ١٣٥] ثم يبينه في (الحاقة) بقوله: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ إلى قوله: ﴿ثمانية أيام حسوما﴾ [٦ و٧] . فهذا تفسير لليوم العظيم بأيام وليالي. وبهذا يعلم ضرورة أنه إذا أطلق اليوم في تقييد الأمور الأخروية علم يقينا أنه مطلق الزمان ولا تحديد له ولا تعيين ولا نهاية إلا بدليل. وقد كان أعجبني استدلاله بما ذكر من تقييد عذاب الآخرة باليوم في آيات وعدم تقييد نعيم الجنة ولا في آية فلما حققته وجدته لا شيء نفيا وإثباتا
أما إثباتا فإنه ما ثم دليل على مدعاه وأما نفيا فإنك قد سمعت ما سقناه من تقييد نعيم أهل الجنة فاليوم كما قال الله في الجنة ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾ [ق: ٣٤] انتهى
[ ١٣٩ ]
وقد انتهى (١٤٢) إلى هنا ما اجلب إليه شيخ الإسلام من خيل الأدلة ورجلها وكثيرها وقلها ودقها وجلها وأجرى فيها قلمه ونشر فيها علمه وأتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل واستنفر كل قبيل وجيل وسردها تلميذه ابن قيم الجوزية وقال في آخرها
هذه نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب) (١٤٣)
قلت وقد سقنا أدلته النظرية والأثرية ولم نترك منها إلا ما كان مكررا وتكلمنا على تفصيلها وتجميلها بما هدانا الله إليه وله الحمد من غير عصبية مذهبية ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية بل [بما أشهدتنا أنوار الأدلة]
واعلم أن هذه المسألة التي أتى بها شيخ الإسلام هي فرع عن مسألة خلق الأشقياء التي حار فيها أرباب النوى وتحير فيها فرسان الأذكياء وترددت حولها أذهان الفطانا وتفرع عنها أقوال اقشعرت منها جلود الأمة الفضلاء
فطائفة أوهم الجهل بذلك إلى الإقدام على نفي حكمة الله في أقواله وهم غلاة الأشعرية وأخطأوا في ذلك ورد عليهم الأئمة الأعلام من أهل مذهبهم وغيرهم من علماء الأنام وآخر من بين ما
_________________
(١) الأصل (وقد قال انتهى) وهو خطأ ظاهر
(٢) الحادي (٢ / ٢٢٧)
[ ١٤٠ ]
في كلامهم من الاختلال وما في نفيهم الحكمة من الداء العضال المحقق العلامة نزيل حرم الله صالح بن مهدي المقبلي في كتابه (العلم الشامخ) ولواحقه (١٤٤) وفي أبحاثه المسددة ونقلت كلامه ورددت عليه في (إيقاظ الفكرة) وطائفة أقدموا على أن الله ليس بقادر على هداية الكافر لأنه خلق على هيئة لا يقبل اللطف معهما وهم غلاة المعتزلة
وقد رد عليهم الأئمة من أهل التحقيق وأبانوا أنه قول بالقبول غير حقيق وأن فيه من الشناعة والبشاعة ما لا يليق وأما ابن تيمية ومن تابعه فأثبتوا الحكمة وعموم قدرة الله على كل شيء وقال: بما سمعت من فناء النار وأنه تعالى خلق الأشقياء ليتفضل عليهم بعفوه ورحمته ولقد أصاب بإثبات الأمرين الذين نفاهما غيره ولكنه غير وجه الحكم وحكم بفناء النار ولم ينهض له دليل على ذلك كما عرفته
وقد أشار السيد العلامة الكبير محمد بن إبراهيم الوزير إلى هذه الثلاثة الأقوال وإلى ما تفرع عليها من الدعاوى في إثبات الإجادة في الإرادة حيث قال:
_________________
(١) هو مطبوع طبعة المنار وهو كتاب عظيم فيه بحوث هامة في علم الكلام والعقيدة واسمه الكامل. (العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ) ومؤلفه عالم فضل محقق من زيودية اليمن المتحررين أمثال المؤلف الصنعاني والشوكاني وغيرهما رحمهم الله تعالى
[ ١٤١ ]
ولما أتى ذكر الخلود بناره على جوده في ذكره والجوازم
تعاظم شأن الخلد في النار كل من تفكر في أسماء رب العوالم (١٤٥)
يشير إلى ما قاله ابن تيمية من:
(أن صفاته تعالى من الرضا والرحمة صفتان ذاتيتان) (١٤٦) . فلا منتهى لرضاه وأن سخطه وعذابه ليسا من صفات ذاته التي يستحيل انعكافه عنها كعلمه وحياته والعفو أحب إليه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضى أحب إليه من الغضب والفضل أحب إليه من العدل ثم إن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ما ذكر إلى نفسه وأما العذاب والعقاب فإنهما من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعذب والمعاقب بل يفرق بينهما فيجعل هذا من أوصافه وهذا من مفعولاته من الآية الواحدة كقوله تعالى: ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ [الحجر: ٤٩ و٥٠] وقال: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٦٧] ومثلها في آخر (الأنعام) فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له في أسمائه وصفاته [وأما الشر وهو العذاب فلا يدخل في أسمائه
_________________
(١) إيثار الحق على الخلق (ص ٢١٧)
(٢) الأصل (دائمتان) والتصويب من (الحادي) (٢ / ١٩٨)
[ ١٤٢ ]
وصفاته] وإن دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفني بخلاف الخير فإنه سبحانه دائم المعروف ولا ينقطع معروفه أبدا على الدوام وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لم يزل معاقبا على الدوام غضبان على الدوام فتأمل هذا تأمل فقيه في أسماء الله فإنه يتضح لك باب من أبواب معرفته ومحبته (١٤٧)
ثم أشار السيد محمد إلى ما تفرع من معارضته ما يفيده صفات جوده وفضله وما صرح به من خلود الكفار فأشار إلى الوعيد بقوله:
فمن قائل بالخلد من أجل كثرة ال
وعيد به في المنزلات القواصم
وذلك لأنهم حكموا بعموم الخلود لمن دخل النار من عصاة الموحدين والكفار
والمسألة مبسوطة في علم الكلام وما لها وعليها مما أثاره المحققون الأعلام. وأشار إلى من قال بالتخصيص لآيات الخلود بقوله:
ومن قائل أن الخصوص (١٤٨) مقدم وساعده أسماء أحكم حاكم
_________________
(١) قلت: هذا كله من كلام ابن القيم ﵀ في (الحادي) لخصه المؤلف منه (٢ / ١٩٨ - ١٩٩ و٢٠١ - ٢٠٢ و٢٠٥ - ٢٠٦) وعزاه لابن تيمية كعادته وليس في المخطوطة. وكان في الأصل بعض الأخطاء والسقط فاستدركت ذلك منه حتى استقام المعنى
(٢) وقع في الإيثار (ص ٢١٧): (الخصوم) وهو خطأ ظاهر والذي عندنا هو الصواب
[ ١٤٣ ]
فإنه أشار إلى من قال: أن الأحاديث الواردة في سعة رحمة الله وصفاته تعالى من أنه أرحم الراحمين وورود آية الاستثناء تخصص آيات الوعيد: وأراد بهذا البيت ما تشتمل عليه مقالة ابن تيمية إذ هي عائدة إلى القول بتخصيص آيات الوعيد بالخلود. ويبعد فناء النار (١٤٩) كما دل عليه قوله:
وثالثها المنصور يرجى لمسلم ومن عاند الإسلام ليس بسالم
فإنه أراد أن ثالث الأقوال في المسألة التفصيل وهو أن التخصيص من الوعيد يرجى للمسلم ومن عاند الإسلام وهم الكفار فلا يشمله التخصيص من الوعيد وإن قصرت عبارته عن هذا الحكم لعدم مساعدة النظم فهو مراده فجعل الأقوال ثلاثة بقاء الوعيد على عمومه من غير تخصيص عصاة الموحدين والكفار
تخصيص الموحدين لا غير. وهذا هو الذي سبق عن ابن عباس في تفسير آية (هود) ثم قال مشيرا إلى منشأ مقالة كل من القائلين وأن الحاصل له المحافظة على قاعدة تعود إلى تعظيم الله جل وعلا قوله:
فمن قاصد تعظيمه (١٥٠) لو رعى له من الجبروت الحق عز التعاظم
_________________
(١) كذا الأصل ولعل المراد: ويبعد القول بفناء النار
(٢) وقع في الإيثار (ص ٢١٧) تنزيهه
[ ١٤٤ ]
فهذه إشارة إلى الوعيدية وأنهم قصدوا بالقول بالتخليد في النار لكل من دخلها تنزيه الله عن خلف الوعد الذي أفاده قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ [ق: ٢٩] ونحوه وأشار إلى منشأ ما ذهب إليه غلاة نفاة الحكمة بقوله:
ومن قاصد تعظيمه لو رعى له … محامد ممدوح بأحكم حاكم
انتهى والله سبحانه أعلم
وصلى الله على خير خلقه محمد
وآله وصحبه وسلم
_________________
(١) وكان الفراغ من تحقيق هذا الكتاب والتعليق عليه صبيحة يوم الجمعة في ٢٥ ذي القعدة سنة ١٤٠١ هجرية وكان ذلك من حكم ابتلاء الله لعباده وهو العزيز الحكيم. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك محمد ناصر الدين الألباني يقول زهير الشاويش: قدر الله لهذه الرسالة وعدد من الكتب التي عزمنا على طبعها التأخير الطويل لأسباب عديدة: أحدها ما جرى ويجري في لبنان واضطرار أستاذي الشيخ ناصر الدين لمغادرة مكان إقامته مرات متعددة وما أصابني من ذلك أيضا. أضف إلى ذلك عقبات لا نملك - حتى الآن - القدرة للإفصاح عنها وكتب الله العون والأجر لعباده وأننا راضون بقضائه وقدره وما شاء فعل ولا حول ولا قوة إلا بالله بيروت غرة رمضان ١٤٠٤ هـ
[ ١٤٥ ]