الحجج والشبهات
إن قال قائلٌ: قد عرفنا اقتضاء الحكمة أن لا تكون حجج الحق ظاهرةً مكشوفةً، وبقي أمرٌ آخر وهو أنه قد يتراءى للناظر أنه لو كانت حجج الحقِّ كلُّها بحيث يَعْرِفُ يقينًا مَنْ وَصَلَ إليها أنه قد وصل، ويَعْرِفُ يقينًا مَنْ لم يصل إليها أنه لم يصل، لكان أولى.
قلت: حاصلُ هذا أن تكون حجج الحقِّ كلها يقينيَّةً، لا تشتبه على أحد.
فالجواب: أنه مَنَعَ مِنْ ذلك موانعُ، نكتفي هنا بذكر واحدٍ منها، وهو أنه قد سبق أن هذه الدار مبنيَّة على الابتلاء، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
فكلُّ ما يجري من الإنسان في هذه الدار تَصَرُّفٌ في الأمانة، ولا يتمُّ الابتلاء إلا بأن يُمَكَّنَ من الخيانة، والخيانةُ لها درجات كثيرة، فلا بدَّ أن يكون الابتلاء بحيث يتناول الدرجات كلَّها.
فلو عَمَدْتَ إلى عشرة رجالٍ قد أُودِعَ كلٌّ منهم وديعةً وجدتهم متفاوتين في الأمانة والخيانة بحسب تفاوتهم في ثلاثة أمورٍ:
الأوَّل: الباعث على الخيانة.
الثاني: المانع الدنيويُّ.
الثالث: المانع الدينيُّ.
[ ٢ / ٦٦ ]
أما الأوَّل، فمن البواعث: الحاجة، وأن تكون الوديعة ثمينةً، وإرادة الإضرار بالمودِع، قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]. [ز ٥] وحُبُّ السمعة إذا كان الناس يمقتون المودِعَ، وكلُّ واحدٍ من هذه يتفاوت.
وأما الثاني فمن الموانع الدنيويَّة: ظَنُّهُ أنه ستُقَام عليه البيِّنةُ، ويؤخذُ منه المال، أو أنه سَيُعَاقَبُ بأخذ ماله أو بحبسه أو ضَرْبِه أو نحو ذلك، أو أنه يُحْرَمُ من فوائد أخرى، أو أنه يفتضح بين الناس، وكلٌّ من هذه يتفاوت. مثال التفاوت في الأخير: أن من الناس مَن لا يبالي بالفضيحة البتَّة، ومنهم مَن لا يبالي بالفضيحة إذا رأى أن كثيرًا من الناس سيشكُّون في أمره، ومنهم مَنْ لا يبالي بها إذا رأى أن كثيرًا مَن الناس سيحسنون الظنَّ به، ومنهم من يأبى الفضيحة ولا يبالي بالرِّيبة كأن رأى أن الناس إذا سمعوا بالقصَّة يرتابون ولا يجزمون بأنه خانَ، ومنهم مَن يأبى الرِّيبة العامَّة ولا يخون إلا إذا ظنَّ أن كثيرًا من النَّاس سيحسنون الظنَّ به، ومنهم مَنْ يأبى الريبة ولا يخون إلا إذا رأى أن النَّاس سيحسنون الظنَّ به. ومنهم مَنْ يزيد على هذا فيأبى أن يفتضح عند المودِعِ فلا يخونُه إلا إذا رأى أنه سيجوِّز براءته، ومنهم مَنْ لا يخون إلا إذا رأى أن المودِع سيحسن الظنَّ به كأن يحترق بيته ومتاعه فيزعم أن الوديعة احترقت فيما احترق. ومنهم مَنْ يزيد على هذا فلا يأمن سوء الظنِّ، ولكنه يخون إذا رأى أن المودِعَ نَسِيَ الوديعة. ومنهم مَنْ لا يخونُ إلا إذا أَمِنَ التهمةَ البتَّة، كأن يموت المودِعُ ولم يَعْلَمْ أحدٌ غيرهما بالوديعة.
وأما الثالث: فالمانع الديني رقيب الإيمان في قلب الإنسان، وقد يَقْوَى
[ ٢ / ٦٧ ]
بحيث لا يغلبه شيء، وقد يضعف بحيث تغلبه شبهةٌ من الشُّبَه، ثم يتفاوت الحال بتفاوت قوَّة الرقيب، وقوَّة الشبهة. فمن الشبهات أن يقول: الله غفور رحيم، قال الله ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
ومنها أن يقول: سيشفع لي فلانٌ. المودِع غنيٌّ فإذا خنتُه في هذه لم يضرَّه. هو فاجرٌ، وأخْذُ مال الفاجر فيه مصلحةٌ. هو كافرٌ، والإضرار بالكافر مطلوبٌ. قد ظلمني زيدٌ فأظلم عمرًا، فيتكافأ الذي لي بالذي عَلَيَّ. قد ظلمني ابنُ عَمِّهِ أو أخوه فأظلمه استيفاءً لحقِّي. قد كنتُ أَوْدَعْتُهُ شيئًا فادَّعى أنه سُرِقَ، وما أُرَاهُ إلا كاذبًا فأخونه كما خانني. هو غنيُّ وأنا محتاجٌ، فهذا من جملة حقِّ المحتاج في مال الغنيِّ. هو غنيٌّ ولا أراه يؤدِّي الزكاة ولي حَقٌّ في الزكاة، فهذا منه. لي حسناتٌ كثيرةٌ تُكَفِّرُ هذه السيِّئة. سوف أتوب. مضت مُدَّةٌ ولم يطالبني بالوديعة فلعلَّه قد سمح لي بها. قد قلتُ له: ألا تأخذ وديعتك؟ فتبسَّم فكأنَّه أراد أن يُفْهِمَنِي أنه وهبها لي. قد قلتُ له: إني أريد أن أستمتع بالوديعة فسكت، والسكوت يدلُّ على الإذن. قد نفعته مرَّةً فلم يكافئني. قد سَبَّني مرةً فصار لي حقٌّ عليه. إلى غير ذلك.
وقد يَقْوَى الرقيبُ حتى لا ينقاد إلا لنحو قوله: قد كنتُ أودعتُه مثلَ هذا المال أو أكثر فجحدني فقد ظفرتُ بحقِّي، وقد يكون أقوى من هذا فيقول: ورد في الحديث: "أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تخن مَن خانك" (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الإجارة، بابٌ في الرجل يأخذ حقَّه مَن تحت يده، ٣/ ٢٩٠، ح ٣٥٣٥. والترمذيّ في كتاب البيوع، باب ٣٨، ٣/ ٥٥٥، ح ١٢٦٤، من حديث أبي هريرة. وقال: "حسنٌ غريبٌ". وأخرجه الحاكم في كتاب البيوع، "أدِّ الأمانة "، ٢/ ٤٦، وقال: "صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرجاه، وله شاهدٌ عن أنسٍ "، فذكره.
[ ٢ / ٦٨ ]