وأخرج الحاكم في المستدرك عن ناجية بن كعبٍ (^١)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: قال أبو جهلٍ: "قد نعلم يا محمَّد أنك تصل الرحم وتَصْدُق الحديث، ولا نُكذِّبك، ولكن نُكذِّب الذي جئت به"، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ الآية [الأنعام: ٣٣].
قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط الشيخين"، تعقَّبه الذهبي، فقال: "ما خرَّجا لناجية شيئًا" (^٢).
[ب ١٢] أقول: أجل، لم يخرجا له، ولكن قد وثَّقه العجليُّ وابن حِبَّان، وقال ابن مَعين: "صالحٌ". فأما قول ابن المدينيِّ: "ما روى عنه غيرُ أبي إسحاق، وهو مجهولٌ"، فقد قال السخاوي في فتح المغيث ــ بعد ذكر مَن يقبل المجهول ــ: "وخصَّ بعضهم القَبول بمن يزكِّيه مع رواية الواحد أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل، واختاره ابن القطَّان في بيان الوهم والإيهام، وصحَّحه شيخنا، وعليه يتمشَّى تخريج الشيخين في الصحيحين لجماعةٍ " (^٣).
أقول: وبهذا الاعتبار يصحُّ قول الحاكم: "على شرط الشيخين".
فأما قول الجوزجاني في ناجية: "مذمومٌ"، فالجوزجانيُّ كان فيه نصبٌ وانحرافٌ شديد عن عليٍّ ﵇، يرى محبَّة عليٍّ جرحًا؛ ولهذا لم يلتفت العلماء إلى كلامه في أصحاب عليٍّ ومحبِّيه، وقد صرَّح بذلك ابن
_________________
(١) انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ٤/ ١٥٥. [المؤلف]
(٢) المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة الأنعام، سورة الأنعام شيَّعها من الملائكة ما سدَّ الأفق، ٢/ ٣١٥. [المؤلف]
(٣) فتح المغيث ص ١٣٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦ ]
حجرٍ وغيره في مواضع. وعليه فقوله في ناجية: "مذمومٌ" معناه أنه كان يحب عليًّا، "وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها" (^١).
نعم، أخرج الترمذي الحديث في جامعه من طريق معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليٍّ.
ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية، أنَّ أبا جهل
قال الترمذي: "فذكر نحوه ولم يذكر فيه: عن عليٍّ. وهذا أصحُّ" (^٢).
أقول: ابن مهديٍّ أثبت من معاوية، ولكن رواية المستدرك من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليّ. وقد قال ابن مهدي نفسه: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوريِّ.
أقول: ولعلم مشركي قريشٍ بمنزلة النبيِّ ﵌ من الصدق والأمانة فزعوا إلى قولهم: (مسحورٌ)، (مجنونٌ)، ونحو ذلك.
والمقصود أنه - ﷺ - لو جاءهم بخبرٍ لا يخالف هواهم أو لا يعرفون معناه لصدَّقوه، ولكنه لما جاءهم بـ (لا إله إلا الله) وهم يعرفون معناها بما يخالف هواهم أنكروا.
_________________
(١) هذا عجز بيتٍ صدره: وعيَّرها الواشون أني أحبُّها وهو لأبي ذُؤيبٍ الهذلي، وظاهرٌ عنك، أي: زائلٌ عنك، لا يَعْلَق بك. انظر: شرح أشعار الهذليِّين ١/ ٧٠.
(٢) جامع الترمذي، تفسير سورة الأنعام، ٢/ ٦٧٨، ح ٣٠٦٤. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٧ ]
وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أنَّ النبيَّ ﵌ جمع قريشًا [١٧] ثم قال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدِّقيَّ؟ " قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلَّا صدقًا، قال: "فإني [ب ١٣] نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنَزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^١) [المسد: ١].
وقال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
وقد تقدَّم بيان أن فرعون وقومه كانوا مستيقنين بصدق موسى ﵇، ومع ذلك كان منهم ما كان. وكان عمرو بن عبيد من زُهَّاد المسلمين وعُبَّادهم يُضْرَب به المثل في ذلك، حتى قال الخليفة المنصور العباسي في العُبّاد:
كلُّكم طالب صيد
كلُّكم يمشي رويد
غير عمرو بن عبيد
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، [كتاب التفسير]، تفسير سورة الشعراء، [باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾]، ٦/ ١١١، ح ٤٧٧٠. صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، بابٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾، ١/ ١٣٤، ح ٢٠٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٨ ]
ورثاه لما مات بأبياتٍ مشهورةٍ.
ومع ذلك فإنها أخذته فتنةٌ في القَدَر غلا فيها حتى قال: "إن كان ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ في اللَّوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجَّةٌ".
وسُئل مرَّةً عن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال: "ليس هكذا كانت"، قيل: وكيف كانت؟ فقال: "تبَّت يدا مَن عمل بمثل ما عمل أبو لهبٍ"، كأنه يريد أنها كانت: "تبَّت يدا مَن أشرك بالله وكذَّب رسوله" مثلًا، ثم لما أشرك أبو لهب وكذَّب علم الله تعالى ذلك منه، فجعل بدل هذا ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ لأنَّ مقصود عمرٍو نفي علم الله بأن فلانًا سيكفر وفلانًا سيفجر، وإنما يَعلم ذلك بعد وقوعه.
ورُوِي له عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ ﵌ حديثٌ (^١) رآه مخالفًا لهواه، فقال: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبته، ولو سمعته من زيد بن وهبٍ لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعودٍ يقوله لما قبلته، ولو سمعتُ رسول الله ﵌ (^٢) لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا [١٨] لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا!
ونُقِلَت عنه أشياء أخرى من هذا الباب. وجاء عنه أنه قال: "لو أن عليًّا
_________________
(١) هو حديث: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطْن أمه أربعين يومًا" إلخ، وهو في الصحيحين، انظر: صحيح البخاري، كتاب القدر، باب ١، ٨/ ١٢٢ ح ٦٥٩٤، وصحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ٨/ ٤٤ ح ٢٦٤٣
(٢) زاد في تاريخ بغداد ١٢/ ١٧٢ هنا: (يقول هذا)، وهو أوضح.
[ ٢ / ٢٩ ]
وعثمان وطلحة والزُّبير شهدوا عندي على شِراك نعلٍ ما أجزته" (^١).
وليس هذا رأي عمرٍو وحده، بل كلُّ مَن يعتقد عقيدةً مستندًا فيها إلى عقله يزعم أنها يقينيَّةٌ عنده، بحيث يستحيل أن يجيء يقينٌ بخلافها.
قال الغزالي: "أمَّا اليقين فشرحه أنَّ النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تتيقَّن وتقطع به بل حيث لو حُكي لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادَّعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبي، وأنَّ ما ظن [ب ١٤] أنه معجزة فهي مخرقة (^٢)، وبالجملة فلا يؤثِّر هذا في تشكيكها بل تضحك من قائله وناقله " (^٣).
وقد عرّفتك أن كلَّ معتقد عقيدة مسندًا لها إلى العقل يزعم أنها يقينية. ومعنى ذلك أنه لو لقي النبي ﵌ فشافهه النبي ﵌ بما يخالف تلك العقيدة لكذّبه، والعياذ بالله. [١٩]
فلا تحسبنْ هندًا لها الغدر وحدها سجيةَ نفسٍ، كلُّ غانيةٍ هندُ (^٤)
ولكن القوم إذا جاء دليل شرعي يخالف عقيدتهم فتارة ينكرون ثبوته
_________________
(١) انظر ترجمته من: تهذيب التهذيب وغيره، وانظر: الاعتصام ١/ ٣٠٩ - ٣١٣، وتاريخ الخطيب ١٢/ ١٧٠ - ١٨٨. [المؤلف]
(٢) ما عُمِل بتمويهٍ وخداعٍ. انظر: تاج العروس، مادَّة (مخرق).
(٣) المستصفى ١/ ٤٣. [المؤلف]
(٤) البيت لأبي تمام، ديوانه ٢/ ٨١.
[ ٢ / ٣٠ ]
عن النبيِّ ﵌، بل يزعمون أن ثبوته محال، وتارة يستكرهونه على التأويل، وقد مرَّ مثال ذلك عن عمرو بن عُبيدٍ.
وقد علمنا أنهم مختلفون في العقائد؛ فهذا يعتقد أمرًا ويزعم أنه يقينيٌّ، وذاك يعتقد نقيضه ويزعم أنه يقينيٌّ. وبهذا يُعلَم أن من العقائد التي يزعم أصحابها أنها يقينيَّةٌ ما هو باطلٌ قطعًا، فلو فرضنا أن أصحابها لقوا النبيَّ ﵌ فأخبرهم ببطلان عقيدتهم فماذا يكون حالهم؟ أيردُّون قوله ﵌ ويكذِّبونه ويقطعون بأنه ليس بنبيٍّ وأن معجزاته مخرقةٌ ويضحكون منه وممن يتَّبعه، أم يتردَّدون، أم يرجعون عن عقيدتهم التي زعموا أنها يقينيَّةٌ يستحيل أن يجيء يقينٌ بخلافها؟ ومَنْ تأمل تأويلاتهم المستكْرَهة للآيات القرآنيَّة وما وقع فيه شجعانهم كابن سينا وابن رشدٍ وغيرهما لم يجزم بحسن الظنِّ بهم.
إنَّ مَن غَرَّه النساء بودٍّ بعد هندٍ لجاهلٌ مغرورُ
كلُّ أنثى وإن بدا لك منها آية الحبّ حبُّها خيتعورُ (^١) (^٢)
هذا مع أن هؤلاء ــ وعمرٌو في مقدمتهم ــ إذا سمعوا آية من القرآن لم يفهموا معناها لم يتردَّدوا في تصديقها، وكذلك إذا كانت مخالفةً لعقيدتهم فإنهم يصدِّقونها بعد تأوُّلها على ما يوافق عقيدتهم، ولكن لو فُرِض [٢٠] أنَّ آيةً جاءت قطعيَّة الدلالة على خلاف قولهم فما ندري ماذا يصنعون؟ وقد
_________________
(١) هو كلُّ شيءٍ يتغيَّر ويضمحلُّ ولا يدوم على حالٍ، والسراب المضمحِلُّ، وشيءٌ كنسيج العنكبوت يظهر في الحرِّ كالخيوط في الهواء. المعجم الوسيط ٤٥٤.
(٢) البيتان لآكل المرار حجر بن مطاوية. البيان والتبيين للجاحظ: ٣/ ٣٢٨، والأغاني: ١٦/ ٣٨٠ - ٣٨١.
[ ٢ / ٣١ ]
نُقِل عن عمرٍو أنه جحد أن تكون ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] السورة، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآيات، من القرآن.
وذهب بعض المنتسبين إلى الإسلام من المتفلسفين إلى أنَّ [ب ١٥] في القرآن والأحاديث الثابتة كذبًا كثيرًا، ويقولون: هو كذبٌ حسن للمصلحة. وذهب بعضهم إلى إنكار أن يكون القرآن من عند الله، وإنكار أن يكون الأنبياء معصومين عن الكذب، قالوا: وإنما هم رجالٌ صالحون مصلحون تكلَّموا بمقدار فهمهم وعلمهم فغلطوا كثيرًا.
وفي قصة ابن أبي سرحٍ أنه كان يكتب للنبيِّ ﵌، فربَّما أملى عليه النبيُّ ﵌: "عليمٌ حليمٌ"، فيقول: أو: "عزيزٌ حكيمٌ"، فيقول النبيُّ ﵌: "كلاهما سواءٌ"، فارتدَّ ابن أبي سرحٍ (^١). هذا ضربٌ.
والضرب الثاني، من أمثلته: ما في صحيح مسلمٍ من حديث أبيِّ بن كعبٍ في اختلاف القراءة، وفيه: قال أُبيٌّ: "فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﵌ ما قد غشيني ضرب في صدري، فَفِضْت عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فَرَقًا" (^٢).
وفي خبر الرجل الذي قاتل مع النبي ﵌ أشدَّ
_________________
(١) انظر الروايات وتوجيه القصَّة في الصارم المسلول ص ١١٨ وما بعدها. [المؤلف]
(٢) صحيح مسلمٍ، كتاب الصلاة [وفي بعض النسخ: كتاب صلاة المسافرين وقصرها]، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرفٍ، ٢/ ٢٠٣، ح ٨٢٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٢ ]