وقوله ﵎ في حكاية توبيخ موسى ﵇ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩].
وقوله عز اسمه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وأهل العلم مختلفون، فمنهم مَن يختار أنه بمعنى معبودٌ فقط ويتأوَّل أدلَّة القول الآخر، ومنهم من يعكس.
والصواب
_________________
(١) إن شاء الله تعالى : إبقاء الآيات على ظواهرها، وأنه قد يجيء بمعنى: ما من شأنه أن يُعْبَد، فيؤخذ من ذلك قيد الاستحقاق، فمعناه حينئذٍ: مستحق للعبادة، وقد يجيء بمعنى معبود، أي بالفعل، ومعناه حينئذٍ: معبود، بلا قيد.
(٢) فحاصل ما تدلُّ عليه الآيات أن القول بوجود إله غير الله تعالى إن كان بمعنى مستحق للعبادة فشرك وإن كان بمعنى معبود بالفعل غير مستحق فلا. فأما اتخاذ إله غير الله تعالى فشرك مطلقًا، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإنهم مجمعون أن عبادة غير الله تعالى شرك بل هذا من ضروريَّات الإسلام. وكلمة الشهادة تتضمن الأمرين أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلما قدمنا في أوائل الرسالة أن النطق بكلمة الشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام ألَّا يعبد إلا الله. وإيضاح ذلك: أن لفظ (إله) في كلمة الشهادة بمعنى مستحق للعبادة، وإذا
[ ٢ / ٣٩٨ ]
شهد المرء أنه لا مستحق للعبادة إلا الله ﷿ ثم اعتقد أو ادَّعى أو جوَّز أن غير الله تعالى مستحق للعبادة فقد نقض الشهادة، ثم قد علم من شهادته بذلك اعترافه بأنه إن عبد غير الله تعالى فقد عبد ما لا يستحق العبادة.
وقد علم المشركون أن دعوة المسلمين هي إلى ترك الشرك ومنه عبادة غير الله تعالى، وإلى توحيد الله تعالى بأن يعبده ولا يشرك به شيئًا، وأنهم يكتفون من المشرك بأن يشهد ألَّا إله إلا الله [١٧٩] وأن محمدًا عبده ورسوله على سبيل البراءة من الشرك كلِّه والتزام التوحيد كلِّه، بل الإسلام كلِّه.
أولا ترى أننا لا نطالب الكافر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة وترك الخمر وغير ذلك، فإذا أسلم طالبناه وقتلناه إن لم يُصَلِّ، وقاتلناه إن لم يزكِّ، وحَدَدْناه إن شرب الخمر.
وهل ذلك إلا لأن الكافر لم يلتزم أحكام الإسلام، فإذا تشهَّد على سبيل التزام الإسلام فقد التزم ورضي بجميع الأحكام. وفي لفظ الإسلام ما يومئ إلى ذلك أي أنه أسلم نفسه لكلِّ ما يَحْكُمُ به الدين، فإن قتلناه أو قاتلناه أو حَدَدْنَاه فبمقتضى رضاه.
ولهذا إذا حكَّمَنَا الكفار في قضية حكَمْنَا بينهم بحكم (١) ديننا ونفَّذْناه عليهم لرضاهم بذلك حين حكَّمونا، وهذا (١) يوضح لك أن النطق بالشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام (١) جميع أحكام الإسلام، فإذا خالف بعد الشهادة شيئًا من (١) الأحكام فقد أَخَلَّ بالشهادة، إلا أن الإخلال قد يكون نقضًا لأصل (^١) الشهادة كزعم أن غير الله تعالى مستحق للعبادة
_________________
(١) هذه بدايات خمسة أسطر في المخطوط، وقد تآكلت الورقة فلم تظهر بعض حروف هذه الكلمات، والمثبت اجتهاد منِّي.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وكتكذيب النبي ﵌ أو إهانته، وقد يكون نقضًا لما تقتضيه بمعونة القرائن القطعية كما تقدَّم مع دلالة المنطوق عليه، كأن يعبد غير الله تعالى مع اعترافه أن ذلك الشيء لا يستحق العبادة؛ فإن منطوق الشهادة أنه لا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، وعلم منه أن عبادة غيره تعالى شرك، وقد يكون الإخلال تقصيرًا دون ذلك كشرب الخمر.
فخلاصة ما تقدَّم: أن لفظ (إله) قد يأتي بمعنى مستحق للعبادة، وقد يأتي بمعنى (معبود)، وأن كلمة الشهادة تتضمن التوحيد في الأمرين، وأن الإخلال بأحدهما شرك.
ولكن الاشتباه الذي نشكوه لا يزول إلا بمعرفة معنى العبادة، فنقول (^١): "أصل العبادة في اللغة التذليل (^٢) والعبادة والخضوع والتذلُّل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلانٌ لفلانٍ إذا تذلَّل له، وكلُّ خضوعٍ ليس فوقه خضوعٌ فهو عبادةٌ طاعةً كان للمعبود أو غيرَ طاعةٍ، وكلُّ طاعةٍ لله على جهة الخضوع والتذلُّل فهي عبادةٌ، والعبادة نوعٌ من الخضوع لا يستحقُّه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والعبادة لا تستحقُّ إلا بالنعمة؛ لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النعم، لأن أقلَّ القليل من العبادة يَكْبُرُ عن أن يستحقه إلا مَن كان له أعلى جنسٍ من النعمة [؟] (^٣) إلا الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله".
_________________
(١) المخصَّص. [المؤلف]. لابن سيده، المجلَّد الرابع (١٣/ ٩٦).
(٢) كذا في الأصل، والوجه التذلُّل. ونقل في موضع آخر عن أبي عليٍّ: "وأصل التعبيد: التذليل". انظر المجلد الأول ٣/ ١٤٣.
(٣) كذا في الأصل، إشارة إلى الخلل في العبارة؛ لأن الاستثناء هنا لا مناسبة له، إلا أن يكون بدلًا من الاستثناء الأوَّل.
[ ٢ / ٤٠٠ ]