القصة عمَّن بعد الصحابة كمجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، والأمر في ذلك سهل. والله ﵎ أعلم.
والجواب عن الخامس ــ وهو ما رُوِي من دَسِّ جبريل الحمأة في في فرعون ــ: أن العلماء أنكروا ذلك أشدَّ الإنكار، ففي الكشاف أنَّ ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته ﵈، وفيه جهالتان: إحداهما: أن الإيمان يصحُّ بالقلب كإيمان الأخرس، فحالُ البحر لا يمنعه. والأخرى: أنَّ مَن كره إيمان الكافر وأحبَّ بقاءه على الكفر فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر. ووافقه ابن المنيِّر مع تحرِّيه مخالفته في كل ما له مساس بالقَدَر. قال ابن المنيِّر: "لقد أنكر منكرًا وغضب لله تعالى وملائكته ﵈ كما يجب لهم". اهـ (^١).
أقول: أما الخبر في ذلك فرواه الإمام أحمد والترمذي وحَسَّنه من [١٦١] طريق عليِّ بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس مرفوعًا (^٢).
ورواه الترمذي والإمام أحمد أيضًا من طريق شعبة، أخبرني عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبيِّ ﵌ أنه ذكر أن جبريل ﷺ جعل في في فرعون الطين خشية أن يقول: "لا إله إلا الله" فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله. قال أبو عيسى: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من
_________________
(١) ١/ ٤٣١ - ٤٣٢. [المؤلف]
(٢) جامع الترمذيّ، كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة يونس، ٢/ ١٨٨، ح ٣١٠٧. مسند الإمام أحمد ١/ ٢٤٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٢ ]
هذا الوجه" (^١).
وأخرجه الحاكم من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس عن رسول الله ﵌ فذكره، ثم قال: "حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا (^٢) أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عبَّاسٍ".
قال الذهبي في تلخيصه بعد ذكر هذا الحديث: " (خ م)، وعامَّة أصحاب شعبة أوقفوه" (^٣).
أقول: الصواب وقفه؛ فإن عليَّ بن زيدٍ ضعَّفه الجمهور، وقال فيه شعبة وغيره: كان رفّاعًا أي يَرْفَعُ ما يَقِفُه غيره. والذي رفعه من الرجلين في رواية الترمذي هو عدي بن ثابت كما بيَّنَتْه روايةُ الحاكم، وقد قال شعبة نفسه [١٦٢] في عدي بن ثابت: كان من الرفَّاعين أي الذين يرفعون الموقوفات غلطًا. وفي عديٍّ هذا كلام كثير غير هذا.
على أن عطاء بن السائب فيه كلام، وقد قال فيه الإمام أحمد: "مَنْ سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومَنْ سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان وشعبة وسمع منه حديثًا جرير وخالد وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها".
_________________
(١) المسند ١/ ٢٤٠. [المؤلف]. وجامع الترمذيّ، الموضع السابق، ٥/ ٢٨٧، ح ٣١٠٨.
(٢) كذا، ولعل الصواب: لأن. [المؤلف]
(٣) المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة يونس، شرح آية: "لهم البشرى "، ٢/ ٣٤٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فهذا أقوى ما رُوي في هذه القصة، وهو موقوف على ابن عباس كما رأيت.
فإن قيل: إنه وإن كان الراجح روايةً أنه موقوف فله حكم المرفوع؛ لأنه مما لا مسرح للرأي فيه، ولم يكن ابن عباس مُولَعًا بالإسرائيليات، كيف وهو القائل: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ، وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله ﵌ أحدث، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتاب الله وغيَّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أُنزِل عليكم" (^١).
قلت: لعلَّه ﵁ إنما أراد نهي المسلمين عن سؤال مَن لم يَزَلْ على كفره من أهل الكتاب، بدليل قوله: فوالله لا يسألكم أحد منهم عن الذي أنزل [١٦٣] عليكم، فإنهم هم الذين لا يسألون المسلمين، فأما مَن أسلم منهم فإنه يسألنا كما لا يخفى.
أو لعلَّه إنما نهى من لم يرسخ الإيمان والعلم في قلبه خوفًا عليه من الضلال.
وأظهر من ذلك أن يكون إنما نهى عن سؤالهم للاحتجاج في الدين بما يحكونه، فأما ما كان من قَبِيل الوقائع التاريخية التي تتعلق بما في القرآن فلم
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب قول النبيِّ - ﷺ -: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ"، ٩/ ١١١، ح ٧٣٦٣. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يكن هو ولا غيره يرى في ذلك حرجًا، كيف وقد صحَّ عن النبيِّ ﵌ أنه قال: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، رواه البخاريُّ وغيره (^١).
ومَن تَتَبَّع ما يُرْوَى عن ابن عبَّاسٍ وغيره من الصحابة ﵃ من التفسير عَلِمَ صحَّة ما قلناه. وفي تفسير ابن جريرٍ عدَّة آثارٍ في سؤال ابن عبَّاسٍ كعبَ الأحبار عن أشياء من القرآن، وسؤاله غير كعبٍ من أحبار اليهود. والله أعلم.
فإن قيل: إن هذه القصة تتعلَّق بالدين تَعَلُّقًا عظيمًا؛ فإن فيها نسبة جبريل ﵇ إلى ما علمت، فكيف يحكيها ابن عبَّاسٍ ولا يشير إلى بطلانها إن كانت باطلة؟
قلت: ارجع إلى الاحتمالات التي مرَّت في جواب الأمر الرابع (^٢)، وقد يكون الحبر رأى أن القصة إن صحَّت فإنما فعل جبريل ﵇ ما فعل بأمر الله تعالى تنفيذًا لما علمه ﷿ وقضاه وسبق به دعاء موسى وهارون ﵉ وإجابة الله تعالى دعوتهما.
ودونك الآيات: [١٦٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، ٤/ ١٧٠، ح ٣٤٦١. [المؤلف]. وانظر: جامع الترمذيّ، كتاب العلم، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، ٥/ ٤٠، ح ٢٦٦٩، من حديث ابن عمرٍو ﵄.
(٢) وهو ما يتعلَّق بقصَّة هاروت وماروت.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٩١].
فإن قيل: وكيف يأمر الله تعالى بالمنع من الإيمان؟
قلت: كما دعا به موسى وهارون ﵉، وأجاب سبحانه دعوتهما. وإذا انتهى البحث إلى القَدَرِ وَجَبَ الإمساك.
فأما قول جار الله: "إن الإيمان يصحُّ بالقلب فحالُ البحر لا يمنعه"، فالجواب: أنه ليس المرادُ من إيجاره (^١) الحمأة مَنْعَهُ عن النطق كما تُوهِمُه بعضُ الروايات، بل تعجيل حال الغرغرة قبل أن يعقد قلبه على الإيمان.
هذا كلُّه إيضاح لعذر ابن عباس ﵄ في حكايته الواقعة ساكتًا عن اعتراضها. والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) مصدر أَوْجَرَهُ: أي جعله في فيه. وأكثر ما يستعمل في الدواء.
[ ٢ / ٣٨٦ ]