فضل، ولا يبلغ أحد ممن بعدهم مُدَّ أحدهم ولا نصيفه، عَمِلَ ما عَمِل. ولقد ينقل لواحد من أفراد الأمة بعد القرون الفاضلة أضعاف أضعاف ما نُقِلَ عن مجموع الصحابة ﵃ وأكثر من ذلك، وأنت إذا كنت قد تدبَّرت ما قدَّمنا فقد علمت السبب الحقيقيَّ في ذلك. والله أعلم.
وأغرب من ذلك أنك تجد الصحابة وخيار التابعين ومَنْ يليهم من العارفين كانوا شديدي الخوف من الله ﷿، والمقت لأنفسهم، واتهامها بالغرور والرئاء وغير ذلك، مع أن منهم مَنْ مدحه الله ﷿ في كتابه وبشره بالجنة على لسان رسوله، وكثر ثناء النبي ﵌ عليه، وكان ممن ورد فيهم: «اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (^١)، فلا تجد أحدا منهم ادّعى لنفسه الخير والصلاح، وأن الله يحبه، وأنه من المقربين، ونحو ذلك.
[٨١ ب] وفي الصحيحين عن عائشة قالت: صنع النبي ﵌ شيئًا ترخص (^٢) وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبيَّ ﵌، فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشيةً» (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الجهاد، باب الجاسوس ، ٤/ ٥٩ ح ٣٠٠٧، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ٧/ ١٦٧ ح ٢٤٩٤ من حديث عليٍّ ﵁.
(٢) في بعض نسخ البخاريِّ: ترخَّص فيه.
(٣) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب ما يُكرَه من التعمُّق والتنازع، ٩/ ٩٧، ح ٧٣٠١، مسلم، كتاب الفضائل، باب علمه - ﷺ - بالله تعالى وشدَّة خشيته، ٧/ ٩٠، ح ٢٣٥٦، وفي رواية له: «فغضب حتى بان الغضب في وجهه». [المؤلف]
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وفي معنى ذلك أحاديث أخرى.
وفي الموطأ عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب دخل على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك، فقال له أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد (^١).
وجاء عن عمر ﵁ أنه أخذ تِبْنَة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أُخْلَق، ليتني لم أكن شيئًا، ليتني كنت نسيًا منسيًّا (^٢).
وفي مسند أحمد وغيره عن مسروقٍ (^٣).
وعن علي ﵇ أنه كان يقول في مناجاته بالليل: «آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق» (^٤).
وقال ابن سعد (^٥):
وعن ابن مسعود أنه قال رجل عنده: ما أحب أن أكون من أصحاب
_________________
(١) الموطَّأ بهامش شرحه المنتقى للباجي ٧/ ٣١٢. [المؤلف]. وهو في كتاب الجامع، باب ما جاء فيما يُخاف من اللسان، ٢/ ٥٨٦، ح ٢٨٢٥ - ط: دار الغرب-.
(٢) انظر: الزهد لابن المبارك ص ٧٩، ح ٢٣٤، الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٣٦٠، مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام عمر بن الخطَّاب، ١٩/ ١٤٩، ح ٣٥٦٢١. وفي إسناده: عاصم بن عُبَيد الله، وهو ضعيفٌ.
(٣) بيَّض له المؤلِّف.
(٤) انظر: حلية الأولياء ١/ ٨٥، تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٠١. وفي إسناده: محمد بن السائب الكلبي، وهو متهم بالكذب. وله طريق آخر عند ابن عبد البر في الاستيعاب ٣/ ٤٤ (بهامش الإصابة)، وفيه رجل مبهم.
(٥) بيَّض له المؤلِّف.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
اليمين، أكون من المقربين أحب إليَّ. فقال عبد الله بن مسعود: لكن هاهنا رجل ودّ أنه إذا مات لا يُبْعَث، يعني نفسه (^١).
وعنه قال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم عليّ التراب (^٢).
وعنه قال: لو وقفت بين الجنة والنار فقيل لي: اختر نخيِّرْك، من أيهما تكون أحب إليك، أو تكون رمادًا؛ لأحببت أن أكون رمادًا (^٣).
يريد أن يخيّر بين أمرين:
أحدهما: أن يكون رمادًا.
الثاني: أن يُقْضَى له بما يستحقه من الجنة أو النار، فهو يختار الأول، أي: أن يكون رمادًا، لأنه لو اختار الثاني لا يدري لعله يقضى له بالنار.
وعن ابن عمر قال: لو علمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائبٌ أحبَّ إليَّ من الموت، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (^٤).
_________________
(١) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ١٩٥ و١٩٨، حلية الأولياء ١/ ١٣٣، صفة الصفوة ١/ ٤٠٥.
(٢) انظر: الزهد لأبي داود، ص ١٤٤، ح ١٤٨، المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٤٩، المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب عبد الله بن مسعودٍ، ٣/ ٣١٦، حلية الأولياء ١/ ١٣٣، صفة الصفوة ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٣) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام ابن مسعود، ١٩/ ١٦٥، ح ٣٥٦٨٣، المعجم الكبير للطبراني ٩/ ١٠٥، ح ٨٥٣٥، حلية الأولياء ١/ ١٣٣، صفة الصفوة ١/ ٤٠٦. قال الهيثمي: (ورجاله ثقاتٌ، إلَّا أني لم أجد للحسن سماعًا من ابن مسعود). مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٧.
(٤) انظر: تاريخ دمشق ٣١/ ١٤٦، صفة الصفوة ١/ ٥٧٦.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وروى ابن سعد في ترجمة ابن عمر من الطبقات عن أبي الوازع أنه قال: قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم. قال: فغضب وقال: إني لأحسبك عراقيًّا، وما يدريك ما يُغْلق عليه ابن أمّك بابه؟ (^١).
وعن أبي ذرٍّ قال: والله لوددت أن الله ﷿ خلقني يوم خلقني شجرة تُعْضَد، ويؤكل ثمرها (^٢).
[٨١ ج] وعن أبي الدرداء قال: أخوف ما أخاف أنْ يقال لي يوم القيامة: أعَلِمْتَ أم جَهِلْتَ؟ فإن قلتُ: علمتُ لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أُخِذْتُّ بفريضتها، الآمرة هل ائتمرت، والزاجرة هل ازدجرت (^٣).
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٤/ ١٦١. وانظر: الزهد لابن المبارك (زيادات نُعَيم بن حمَّادٍ) ص ١٤، ح ٥٤، المعرفة والتاريخ ٣/ ١٩١، المدخل للبيهقيِّ ٢/ ٩١، ح ٥٤٢، تاريخ دمشق ٣١/ ١٥٧ - ١٥٨، صفة الصفوة ١/ ٥٧٢.
(٢) انظر: مسند أحمد ٥/ ١٧٣، مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام أبي ذرٍّ، ١٩/ ٢٠٩، ح ٣٥٨٢٧، الزهد لأبي داود، ص ١٨٦ - ١٨٧، ح ٢٠٣، الزهد لوكيعٍ ١/ ٣٩٣، ح ١٥٩، المستدرك، كتاب الأهوال، بشارة النبيِّ للمؤمنين أن يكونوا شطر أهل الجنَّة، ٤/ ٥٧٩. الزهد لهناد ص ٢٥٩، ح ٤٥٠، الزهد لابن أبي عاصم، ص ٤٢، ح ٦٦، حلية الأولياء ١/ ١٦٤، صفة الصفوة ١/ ٥٩٥. وروي مرفوعًا، أخرجه الترمذيُّ في كتاب الزهد، باب قول النبيِّ - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا»، ٤/ ٥٥٦، ح ٢٣١٢، وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ). وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، ٢/ ١٤٠٢، ح ٤١٩٠، والحاكم في المستدرك، الموضع السابق، ٤/ ٥٧٩، وقال: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ولم يتعقَّبه الذهبيُّ. والموقوف هو الأشبه، كما قال الألباني في السلسلة الضعيفة ٤/ ٢٦١، ح ١٧٨٠، والسلسلة الصحيحة ٤/ ٢٩٩، ح ١٧٢٢.
(٣) انظر: حلية الأولياء ١/ ٢١٤، صفة الصفوة ١/ ٦٣٠. وورد نحوه في الزهد للإمام أحمد ص ١٧٠، وشعب الإيمان للبيهقيِّ ٤/ ٤١١، ح ١٦٤٦، وجامع بيان العلم ١/ ٥٤٩، ح ١٢٠١. ورُوِي مرفوعًا، وأوَّله: «كيف أنت يا عُوَيمر إذا قيل لك يوم القيامة: أعلمتَ أم جهلتَ ». أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، كما في بغية الباحث ٢/ ١٠٠٤، ح ١١٢٤، والخطيب في اقتضاء العلم العمل ص ١٩، ح ٥، وابن عساكر في تاريخه ٦٧/ ١٨١. وضعَّفه الألبانيُّ في السلسلة الضعيفة ٩/ ١٧٩، ح ٤١٥٧.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂؛ دخل عليها ابن عباس وهي محتضَرة فبشرها، وذكر فضائلها. فقالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده، لوددت أني كنت نسيًا منسيًّا (^١).
وعن زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵈ أنه حجَّ فلما أحرم واستوت به راحلته اصْفَرَّ لونه، وانتفض، ووقع عليه الرِّعْدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: مالك لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك فيقال لي: لا لبيك، فقيل له: لا بدَّ من هذا، فلما لَبَّى غُشِيَ عليه، وسقط عن راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجَّه (^٢).
وعن محمد بن عليِّ بن الحسين أنه كان يقول في جوف الليل: إلهي أمرتني فلم آتَمِرْ، وزجرتني فلم أزدجر، هذا عبدك بين يديك ولا أعتذر (^٣).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب التفسير، سورة النور، باب: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا ﴾، ٦/ ١٠٦، ح ٤٧٥٣، حلية الأولياء ٢/ ٤٥، صفة الصفوة ٢/ ٣٧ - ٣٨.
(٢) ذُكِرَتْ هذه القصة في ترجمة علي بن الحسين من تهذيب التهذيب [٧/ ٣٠٦]. [المؤلف]. وانظر: المجالسة وجواهر العلم ٣/ ١٥٤، تاريخ دمشق ٤١/ ٣٧٨. قال الذهبي: (إسنادها مرسلٌ). سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٩٢.
(٣) انظر: التوبة لابن أبي الدنيا، ص ٩٢، ح ١٠١، حلية الأولياء ٣/ ١٨٦، صفة الصفوة ٢/ ١١١.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وعن الفضيل بن عياضٍ قال: لو خيرت بين أن أعيش كلبًا أو أموت كلبًا ولا أرى القيامة لاخترت أن أعيش كلبًا أو أموت كلبًا ولا أرى القيامة (^١).
وعنه قال: أخذت على يد سفيان بن عيينة في هذا الوادي، فقلت: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك؛ فبئس ما تظن (^٢).
[٨١ د] وعن بشرٍ الحافي أنه قال: شهرني ربي في الدنيا فليته لا يفضحني في القيامة، ما أقبح بمثلي يُظَنُّ بي ظنٌّ وأنا على خلافه، إنما ينبغي لي أن يكون أكثر ما يُظَنُّ بي أني أكره الموت، وما يكره الموت إلا مريب، ولولا أني مريب لأيِّ شيء أكره الموت (^٣).
وعنه: لقيه سكران وجعل يقبِّله ويقول: يا سيّدي، فلما ولّى تغرغرت عينا بشر بالدموع، وقال: رجل أحبَّ رجلًا على خيرٍ توهَّمه، لعلَّ المحبّ قد نجا، والمحبوب لا يدري ما حاله (^٤).
وعنه قال: ربما رفعت يدي في الدعاء فأردُّها أو قال: فأستلها، أقول: إنما يعمل هذا من كان له عنده وجه (^٥).
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٨٤، صفة الصفوة ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) انظر: حلية الأولياء ٨/ ١٠١، صفة الصفوة ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠. ونحوه في تاريخ دمشق ٤٨/ ٤١٨.
(٣) انظر: طبقات الصوفية ص ٥٠، صفة الصفوة ٢/ ٣٢٦.
(٤) انظر: تاريخ دمشق ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤، صفة الصفوة ٢/ ٣٢٧.
(٥) انظر: صفة الصفوة ٢/ ٣٣٠.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وعن السَّريِّ السقطي (^١) فيما حكاه الجنيد عنه، قال: ما أرى لي على أحد فضلًا، قيل: ولا على المخنثين، قال: ولا على المخنثين (^٢).
وعنه فيما حكاه الجنيد أيضًا عنه قال: ما أحب أن أموت بحيث أُعْرَف، أخاف أن تقذفني الأرض، فأفتضح (^٣).
قال الجنيد: وسمعت سَريًّا يقول: إني لأنظر إلى أنفي كلَّ يوم مرتين مخافة أن يكون قد أسودَّ وجهي (^٤).
وعن أبي عبد الله البراثي (^٥) قال: حملتنا المطامع على سوء الصنائع، نذلّ لمن لا يقدر لنا على ضرٍّ ولا نفع، ونخضع لمن لا يملك لنا رزقًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، وكيف أزعم أني أعرف ربي حق معرفته، وأنا أصنع ذلك، هيهات هيهات (^٦).
_________________
(١) السري بن المغلس السقطي، أبو الحسن البغدادي، الإمام القدوة شيخ الإسلام، ولد في حدود الستين ومائة، وتوفي في رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سبع وخمسين. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ١٨٧، سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٨٥.
(٢) انظر: طبقات الصوفية ص ٥٣، حلية الأولياء ١٠/ ١٢٤، صفة الصفوة ٢/ ٣٧٥.
(٣) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٦٩، ح ٦٩٢، حلية الأولياء ١٠/ ١١٦، صفة الصفوة ٢/ ٣٧٦.
(٤) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٦٩، ح ٦٩١، حلية الأولياء ١٠/ ١١٦، صفة الصفوة ٢/ ٣٧٦.
(٥) محمد بن خالد بن يزيد بن غزوان البراثي، كان كثير البر والإحسان، وكان صديق بشر بن الحارث. اللباب ١/ ١٣١.
(٦) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٣٢٣، صفة الصفوة ٢/ ٣٨٩.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وعن الجنيد قال: كنت بين يدي السَّرِيِّ السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة [٨١ هـ] يتكلّمون في الشكر فقال لي: يا غلام! ما الشكر؟ فقلت: ألاّ تعصي الله بنعمه، فقال لي: أخشى أن يكون حظُّك من الله لسانَكَ. قال الجنيد: فأنا أبكي على هذه الكلمة التي قالها السريُّ لي (^١).
وعن الربيع بن خُثَيْم أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا (^٢).
وقال: أدركنا أقوامًا كنا في جنوبهم لصوصًا (^٣).
وعن داود الطائي أنه وعظ رجلًا ثم قال: إني لأقول لك هذا، وما أعلم أحدًا أشدَّ تضييعًا مني (^٤).
وعن سفيان الثوري رآه رجل يكثر البكاء فقال له: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب فرفع شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت (^٥).
_________________
(١) انظر: الرسالة القشيرية ص ٩٥، تاريخ بغداد ٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥، صفة الصفوة ٢/ ٤١٧.
(٢) انظر: الزهد لابن المبارك (زيادات نعيم بن حماد) ص ٣٨، ح ١٥١، الزهد لهنَّاد بن السريِّ ص ٢٩٣، ح ٥١٣، مصنَّف ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، كلام ربيع بن خُثَيمٍ ١٩/ ٢٦٦ - ٢٦٧، ح ٣٥٩٨٧، الطبقات الكبرى ٦/ ١٨٥، المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٦٤، الدعاء للطبراني ١/ ٥٤١، ح ١٩٤٠، حلية الأولياء ٢/ ١٠٩، صفة الصفوة ٣/ ٦٧.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ٦/ ١٨٩، الرقَّة والبكاء لابن أبي الدنيا، ص ١٦٣، ح ٢١٨، حلية الأولياء ٢/ ١٠٩، صفة الصفوة ٣/ ٦٨.
(٤) انظر: الزهد لابن أبي الدنيا، ص ١٩٠، ح ٤٩٠، حلية الأولياء ٧/ ٣٤٦، اقتضاء العلم العمل، ص ١١٠ - ١١١، ح ١٩٣، صفة الصفوة ٣/ ١٣٨.
(٥) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٣٣ - ١٣٤، ح ٨٣٩، حلية الأولياء ٧/ ١٢، صفة الصفوة ٣/ ١٥٠.
[ ٢ / ٢٨١ ]
وعن هرم بن حيان (^١) قال: والله لوددت أني شجرة من هذه الشجر، أكلتني هذه الراحلة، ثم قذفتني بَعْرًا، ولم أكابد الحساب، إني أخاف الداهية الكبرى؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار (^٢).
وعن الحسن البصري؛ بكى مرة، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي (^٣).
وعنه قال: لقد أدركت أقوامًا ما أنا عندهم إلا لصٌّ (^٤).
وعن مالك بن دينار قال: رأيت أبا عبد الله مسلم بن يسار في منامي بعد موته، فسلّمت عليه فلم يردَّ السلام، فقلت: ما يمنعك أن تردّ عليّ السلام؟ فقال: أنا ميِّت، فكيف أرد عليك السلام، قال: قلت له: فماذا لقيت بعد الموت؟ قال: فدمعت عينا مالك عند ذلك، وقال: لقيت والله أهوالًا زلازل (^٥) عظامًا شدادًا، [٨١ و] قال: فقلت: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه يكون من الكريم؟ قبل منا الحسنات وعفا لنا عن السيِّئات، وضمن عنا التبعات، قال: ثم شهق مالك شهقة خرّ مغشيًّا عليه، قال: فلبث بعد ذلك
_________________
(١) هو العبدي الأزديُّ البصريُّ، أحد العُبَّاد، قال ابن سعدٍ: كان عاملًا لعمر، وكان ثقةً، له فضلٌ وعبادةٌ. سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٨. وانظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٣١ - ١٣٢، حلية الأولياء ٢/ ١١٩.
(٢) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ٢٨٤ - ٢٨٥، المتمنِّين لابن أبي الدنيا ص ٣٦ - ٣٧، ح ٣٧، حلية الأولياء ٢/ ١٢٠، صفة الصفوة ٣/ ٢١٤.
(٣) انظر: صفة الصفوة ٣/ ٢٢٣.
(٤) انظر: شعب الإيمان ٩/ ٢٨٥، ح ٤٦٧٣، حلية الأولياء ٨/ ٢٤٠، صفة الصفوة ٣/ ٢٣٤.
(٥) كذا في الأصل، وفي المصادر: وزلازل.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أيامًا مريضًا من غشيته، ثم مات (^١).
وقال صالح المرِّي: وقف مُطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير وبكر بن عبد الله المزني بعرفة، فقال مطرِّف: اللهم لا تردَّهم اليوم من أجلي. وقال بكر: ما أشرفه من مقام وأرجاه لأهله لولا أني فيهم (^٢).
وعن العلاء بن زياد أنه قال: إنما نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار، فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجَنا (^٣).
وعن محمد بن واسع أنه قال: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي (^٤).
وعنه أنه لما مرض كثر عُوَّاده فقال لرجل: أخبرني ما يغني هؤلاء إذا أُخِذَ بناصيتي وقدمي غدًا وأُلْقِيتُ في النار؟ ! ثم تلا هذه الآية: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] (^٥).
وعن مالك بن دينار أنه قال له محمد بن واسع: يا أبا يحيى! إن كنت
_________________
(١) انظر: المنامات لابن أبي الدنيا ص ٣٩، ح ٣٠، حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا ص ١١٤، ح ١٣١، المجالسة وجواهر العلم ١/ ٤٥٢، ح ١٤٠، حلية الأولياء ٢/ ٢٩٥، صفة الصفوة ٣/ ٢٤١.
(٢) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ٢٩٨، صفة الصفوة ٣/ ٢٤٨.
(٣) انظر: الزهد للإمام أحمد ص ٣١٢، شعب الإيمان ٣/ ٢١١، ح ٩٥٣، حلية الأولياء ٢/ ٢٤٥، صفة الصفوة ٣/ ٢٥٤.
(٤) انظر: حلية الأولياء ٢/ ٣٤٩، صفة الصفوة ٣/ ٢٦٨.
(٥) انظر: المحتضرين لابن أبي الدنيا ص ١٤٢ - ١٤٣، ح ١٨٣ - ١٨٤، حلية الأولياء ٢/ ٣٤٨، صفة الصفوة ٣/ ٢٧١.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
من أهل الجنة فهنيئًا لك، فقال مالك: ينبغي لنا إذا ذكرنا الجنة أن نخزى (^١).
وعنه قال: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شرّ مَنْ في المسجد لبادرتكم إليه (^٢).
وعنه أنه قال له رجل: يا مرائي! فقال: متى عرفت اسمي، ما عَرَفَ اسمي غيرُك (^٣).
وعنه لما حضرته الوفاة قال: لولا أني أكره أن أصنع شيئًا لم يصنعه أحد قبلي [٨١ ز] لأوصيت أهلي إذا أنا متُّ أن يقيِّدوني، وأن يجمعوا يديَّ إلى عنقي، وأن ينطلقوا بي على تلك الحال حتى أُدْفَن، كما يُصْنَع بالعبد الآبق (^٤).
وقال عبد الواحد بن زيدٍ: إن حبيبًا أبا محمدٍ وهو العجميُّ جزع جزعًا شديدًا عند الموت، فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قطُّ ثم أُوْقَف بين يدي الله فأخاف أن يقول لي: يا حبيب هات تسبيحةً واحدةً سبَّحتني في ستِّين سنةً، لم يظفر بك الشيطان فيها بشيءٍ، فماذا أقول وليس لي حيلةٌ؟ أقول: يا ربِّ قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد: هذا قد عبد الله ستِّين سنةً مشتغلًا به، ولم يشتغل من الدنيا
_________________
(١) انظر: تاريخ دمشق ٥٦/ ٤٢٢، صفة الصفوة ٣/ ٢٧٩.
(٢) انظر: صفة الصفوة ٣/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٣) انظر: شعب الإيمان ١٤/ ٥١٥، ح ٨١٠٨، حلية الأولياء ٨/ ٣٣٩، تاريخ دمشق ٥٦/ ٤٢٠، صفة الصفوة ٣/ ٢٨٧.
(٤) انظر: المنتخب من كتاب الزهد والرقائق للخطيب البغدايِّ ص ١٠١، ح ٧١، صفة الصفوة ٣/ ٢٨٨.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
بشيءٍ قطُّ، فأيُّ شيءٍ حالنا؟ واغوثاه بالله! (^١).
وعن بشر بن منصورٍ (^٢) قال: كنت أوقد نارًا بين يدي عطاءٍ السلمي (^٣) في غداةٍ باردةٍ، فقلت له: يا عطاء، يَسُرُّك الساعة لو أنك أُمِرْتَ أن تُلْقِيَ نفسك في هذه النار ولا تبعث إلى الحساب؟ فقال لي: إي ورب الكعبة. قال: ثم قال: والله مع ذلك لو أُمِرْتُ لخشيت أن تخرج نفسي فرحًا قبل أن أصل إليها (^٤).
وقال عبد الواحد بن زيدٍ: ربما سهرت مفكِّرًا في طول حزن عُتبة (الغلام) (^٥)، ولقد كلَّمته ليرفق بنفسه، فبكى، وقال: إنما أبكي على تقصيري (^٦).
وعن سهل التستري أنه قال: أول الحجاب الدَّعْوَى، فإذا أخذوا في الدعوى حُرِمُوا (^٧).
_________________
(١) انظر: المجالسة وجواهر العلم ٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠، ح ١٥٩٤، صفة الصفوة ٣/ ٣٢١.
(٢) السَّليمي، أبي محمد الأزدي البصري، عابد زاهد. توفي سنة ١٨٠ هـ. انظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢/٨٤ برقم ١٧٧٠، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٥٩ - ٣٦١.
(٣) من صغار التابعين، نُقلت عنه أشياء في الخوف فيها غلو. توفي بعد الأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٨٦ - ٨٨.
(٤) انظر: شعب الإيمان ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، ح ٨٩٠، حلية الأولياء ٦/ ٢١٦، صفة الصفوة ٣/ ٣٢٥.
(٥) هو عتبة بن أبان بن صمعة، من عباد أهل البصرة وزهادهم ممن جالس الحسن. روى عنه البصريون الحكايات. مات غازيًا. الثقات لابن حبان ٧/ ٢٧٠، السير ٧/ ٦٢.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٦/ ٢٣٦، صفة الصفوة ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٧) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٢٠٢، صفة الصفوة ٤/ ٦٥.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وعنه أنه قال: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدَّعْوَى، ولا طريق أقرب من الافتقار (^١).
[٨١ ح] وعن شاه بن شجاعٍ الكرماني (^٢) أنه قال: لأهل الفضل فضلٌ ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولايةٌ ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم (^٣).
وعن يحيى بن معاذ الرازي (^٤) أنه قال: ليس بعارفٍ مَنْ لم يكن غاية أمله من ربه العفو (^٥).
وعنه أنه قال: لا يفلح مَنْ شمِمْتَ منه رائحة الرياسة (^٦).
وقال: ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة، ثم قال: إلهي! سلامة إن لم يكن كرامة (^٧).
_________________
(١) انظر: المنتخب من كتاب الزهد والرقائق للخطيب البغداديِّ ص ١٢٣، ح ١٠١، صفة الصفوة ٤/ ٦٥.
(٢) هو شاه بن شجاع بن محمد بن المظفر، جلال الدين، أبو الفوارس، كان من أولاد الملوك، فتزهَّد، وصحب أبا تراب النخشبي، قال السُّلَميُّ: كان من علماء هذه الطبقة، وله رسالاتٌ مشهورةٌ، توفِّي قبل الثلاثمائة. انظر: طبقات الصوفيَّة للسلميِّ ١٩٢، الوافي بالوفيات ١٦/ ٩١.
(٣) انظر: طبقات الصوفية للسلميِّ ١٩٣، صفة الصفوة ٤/ ٦٨.
(٤) زاهدٌ، له كلامٌ جيِّدٌ، ومواعظ مشهورةٌ. توفِّي بنيسابور سنة ثمانٍ وخمسين ومائتين. انظر: طبقات الصوفيَّة ١٠٧ - ١١٤، سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٥.
(٥) انظر: القصَّاص والمذكِّرين ص ٢٧٢، ح ١٣٤، صفة الصفوة ٤/ ٩٣.
(٦) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٥٣، صفة الصفوة ٤/ ٩٤.
(٧) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٩٦.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وعن محمد بن أسلم الطوسي أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا الله هو ما رأيت نفسًا تصلِّي إلى القبلة شرًّا عندي من نفسي (^١).
وعن إبراهيم بن أدهم أنه كان ناطورًا في كَرْمٍ، فمرَّ به رجل، فقال: ناوِلْنا من هذا العنب، قال إبراهيم: ما أذن لي صاحبه. فقَلَب الرجل السوط فجعل يُقنِّعُ (^٢) رأس إبراهيم، فطأطأ إبراهيم رأسه، وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله (^٣).
وعن رَابِعَة العدوية أنه قال لها رجل: ادعي، فالتصقت بالحائط، وقالت: مَنْ أنا يرحمك الله، أَطِع ربك وادعه؛ فإنه يجيب المضطرَّ (^٤).
وعن شقيق البلخي (^٥) أنه قال: مَثَلُ المؤمن كمثل رجل غرس نخلة وهو يخاف أن تحمل شوكًا، ومَثَل المنافق كمَثَل رجل زرع شوكًا وهو يطمع أن يحصد تمرًا (^٦).
وعن أبي سليمان الداراني أنه قال: من حَسَّن ظنَّه بالله ثم لا يخاف الله فهو مخدوع (^٧).
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٤٤، صفة الصفوة ٤/ ١٢٧.
(٢) قنَّع رأسه بالسوط: علاه به.
(٣) انظر: حلية الأولياء ٧/ ٣٧٩، تاريخ دمشق ٦/ ٣١٦.
(٤) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٨.
(٥) الإمام الزاهد شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي، أبو علي، صاحب إبراهيم بن أدهم، قُتل في غزاة كولان سنة ١٩٤ هـ. حلية الأولياء ٨/ ٥٨، سير أعلام النبلاء ٩/ ٣١٣.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٧١، صفة الصفوة ٤/ ١٦٠.
(٧) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٧٢، صفة الصفوة ٤/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وعنه أنه قال: ربّما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتُني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، وكيف تهنأ الدنيا مَنْ كانت هذه صفته (^١).
وعنه أنه قال: إنما ارتفعوا بالخوف، فإن ضيَّعوا نزلوا، وينبغي للعاقل وإن بلغ أعلى درجة [٨١ ط] أن يُفَزِّع (^٢) قلبَه بأسفل درجة من ذكر الموت في المقابر والبعث (^٣).
وعنه أنه قال: ليس العبادة عندنا أن تَصُفَّ قدميك وغيرُك يَفُتُّ لك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبَّد، ولا خير في قلب يتوقَّع قَرْعَ الباب يتوقَّع إنسانًا يجيئه يعطيه شيئًا (^٤).
وقال أحمد بن أبي الحواري (^٥): قلت لأبي سليمان: إن فلانًا وفلانًا لا يقعان على قلبي، قال: ولا على قلبي، ولكن لعلّنا أُتِينا من قلبي وقلبك، فليس فينا خير، وليس نحبُّ الصالحين (^٦).
وعن الجنيد أنه قال: لولا أنه يُروى أنه يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم؛ ما تكلَّمت عليكم (^٧).
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٦١، صفة الصفوة ٤/ ٢٢٧.
(٢) أي: يخوِّف.
(٣) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٢٧.
(٤) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٦٤، صفة الصفوة ٤/ ٢٣٠.
(٥) هو أحمد بن عبد الله بن ميمون، شيخ أهل الشام، إمام زاهد عالم، توفي سنة ٢٤٦ هـ. حلية الأولياء ١٠/ ٥، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٨٥.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣، صفة الصفوة ٤/ ٢٣٢.
(٧) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٢٦٣، صفة الصفوة ٢/ ٤٢٠. وعبارة: «وكان زعيم القوم أرذلهم» وردت في حديثٍ ضعيفٍ أخرجه التِّرمِذيِّ في كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، ٤/ ٤٩٤، ح ٢٢١٠، ضمن خمس عشرة خصلةً إذا فعلتها الأمَّة حلَّ بها البلاء، وقال التِّرمِذيُّ: (هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ إلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلَّم فيه بعض أهل الحديث وضعَّفه من قبل حفظه ). وانظر كلام الأئمَّة في تضعيفه في السلسلة الضعيفة ٣/ ٣١٢ - ٣١٣، ح ١١٧٠.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الزعيم: هو الرئيس، يعني: أني إذا تكلمت عليكم أجعل نفسي رئيسكم فأنا أخاف من ذلك أن يلزم منه تزكيتي لنفسي، ولكن هذه الرواية دفعت الخوف؛ لأنها تُشْعِر بأني إذا تكلّمت عليكم فأنا أرذلكم.
وعن ذي النون المصري (^١) أنه قال: من تطأطأ لقط رُطَبًا ومن تعالى لقي عطبًا (^٢).
وعن أبي يزيد البسطامي أنه قال: لو صَفَتْ لي تهليلةٌ ما باليت بعدها بشيء (^٣).
وعنه أنه قال: ما دام العبد يظنّ أن في الخلق من هو شرٌّ منه فهو متكبِّر (^٤).
_________________
(١) هو ثوبان بن إبراهيم، وقيل في اسمه غير ذلك، الإخميميُّ النوبيُّ، يكنى أبا الفيض أو الفياض، الزاهد، كان عالمًا واعظًا فصيحًا حكيمًا، توفي سنة ٢٤٥ هـ. تاريخ بغداد ٨/ ٣٩٣، سير أعلام النبلاء ١١/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٢) انظر: حلية الأولياء ٩/ ٣٧٦، صفة الصفوة ٤/ ٣١٩.
(٣) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٤٠، صفة الصفوة ٤/ ١٠٨.
(٤) انظر: حلية الأولياء ١٠/ ٣٦، صفة الصفوة ٤/ ١٠٩.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وعن أبي بكرٍ الهلالي (^١) أنه قال: رَمَوا بِهِمَمِهم إلى أعلى الفضائل وضيّعوا الفرائض، فلا إلى هممهم وصلوا ولا قاموا بقليلٍ ما به وُكِلُوا، ومَن قام بقليل ما وُكِل به اؤتمن على الكثير، ومن لم يقم بقليل ما وُكِلَ به لم يؤتمن على قليلٍ ولا كثيرٍ (^٢).
وسئل يوسف بن أسباط عن غاية (التواضع) فقال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدًا إلا رأيت أنه خيرٌ منك (^٣).
وعنه أنه قال: خرجت سَحَرًا لأؤذِّن فإذا عليّ ليلٌ، فقعدت فإذا أَسْوَد في يده حجرٌ يريد أن يضربني، ووراءه شيءٌ أبيض بيده حجرٌ يريد أن يصرفه عني، فقلت: هذان شيطانان يريدان أن يُرِيَاني أني رجلٌ صالحٌ، فقلت: كلاكما شيطان؛ فطارا (^٤).
وعن حذيفة بن قتادة المرعشي (^٥) أنه قال: إن لم تخش أن يعذِّبك الله على أفضل عملك، فأنت هالك (^٦).
وقال: لو جاءني رجلٌ، فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما عَمَلُك
_________________
(١) هو محمد بن معمر، من أهل طبرية. تاريخ دمشق ٥٦/ ١٦.
(٢) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٣) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٣٨، صفة الصفوة ٤/ ٢٦٥.
(٤) انظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٦٥.
(٥) من العُبَّاد، صحب سفيان الثوري، وروى عنه. مات سنة ٢٠٧ هـ، الثقات لابن حبان ٨/ ٢١٥ - ٢١٦، حلية الأولياء ٨/ ٢٦٧، سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٨٣.
(٦) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٦٨، صفة الصفوة ٤/ ٢٦٨. قال الذهبي تعليقًا على هذا الكلام: يعني: لما يعتوِرُه من الآفات. انظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٤٧.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
عملَ من يؤمن بيوم الحساب؛ لقلت له: يا هذا! لا تكفِّر عن يمينك، فإنك لم تحنث (^١).
وجاء سعيد بن عبد العزيز (^٢) إلى سليمان الخوَّاص (^٣) بِصُرَّةٍ، وقال له: تنفق هذا وأنا أحلف لك بين يدي الله تعالى أنه حلالٌ، فقال: لا حاجة لي فيها، فقال له: ما ترى ما الناس فيه؟ دعوةً، فصرخ سليمان صرخةً، ثم قال: ما لك يا سعيد، فتنتني بالدنيا وتَفْتِنُني بالدين، مالي والدعاء؟ مَن أنا؟ ! (^٤).
وعن فتح الموصلي (^٥) قال: كبرت عليَّ خطاياي وكثرت، حتى لقد آيسَتْني من عظيم عفو الله، ثم قال: وأَنى آيَسُ منك، وأنت الذي جُدْتَ على السَّحَرة بعد أن غدوا كفرةً فجرةً؟ ولم يزل يقول: وأنى آيسُ منك؟ حتى سقط مغشيًّا عليه (^٦).
ما لم أنسبه من هذه الآثار فهو من كتاب صفة الصفوة، وعامَّتها في الحلية لأبي نعيم بأسانيدها.
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٦٨، صفة الصفوة ٤/ ٢٦٨.
(٢) أبو محمد التنوخي، الدمشقي، مفتيها، مات سنة ١٦٧ هـ. حلية الأولياء ٦/ ١٢٤، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٢.
(٣) من العابدين الكبار، المرابطين في الثغر في الشام، وكان لا يأكل إلَّا الحلال المحض، وما له حديثٌ مستقيمٌ يرجع إليه. الثقات لابن حبان ٨/ ٢٧٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ١٧٨.
(٤) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٢٧٧ (طرفه الأوَّل)، صفة الصفوة ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٥) هو فتح بن سعيد الموصلي، أبو نصر، كان شريفًا زاهدًا، مات سنة ٢٢٠ هـ. حلية الأولياء ٨/ ٢٩٢، تاريخ بغداد ١٢/ ٣٨١ - ٣٨٣.
(٦) انظر: حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا، ص ١١٤، ح ١٣٠، صفة الصفوة ٤/ ١٨٦.
[ ٢ / ٢٩١ ]
فأما مَنْ ذُكِر من أهل البيت والصحابة فمقامه معروف، وأما من ذُكِرَ من غيرهم فعامَّتهم ممَّن عُرِفَ بالعلم والعمل والزهد والصلاح واشتهر بالولاية، ونُقِلَتْ عنهم كرامات كثيرة.
وكثير من الناس يقول في الآثار المتقدمة: إنها من باب التواضع. وهذا حقٌّ، ولكن قد تقدَّم عن يوسف بن أسباط تفسير التواضع. وليس المراد بالتواضع أن يخبر المرء عن نفسه بخلاف ما يعتقده؛ فإن هذا كذب، وقد كان السلف أبعد الناس عن الكذب مطلقًا.
وفي ترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق من «تهذيب التهذيب» (^١): وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: رأيت القاسم يصلِّي فجاء إليه أعرابي [٨١ ي] فقال له: أيما أعلم أنت أو سالم؟ فقال: سبحان الله، فكرَّر عليه، فقال: ذاك سالم فاسأله. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: أنا أعلم من سالم، فيزكِّي نفسه، وكره أن يقول: سالم أعلم مني، فيكذب. قال: وكان القاسم أعلمهما».
وأنت ترى في هذه الآثار المتقدمة أن منهم من أقسم بالله تعالى وأكَّد اليمين.
وفي الآثار المتقدمة الحكم على الناس بأن المدَّعِيَ محروم، ومن رأى لنفسه فضلًا فلا فضل له، ومن رأى لنفسه ولاية فلا ولاية له، ومن حسَّن ظنه بالله ثم لا يخاف الله فهو مخدوع، وأن الذين ارتفعوا إنما ارتفعوا بالخوف، فإذا ضيَّعوا نزلوا، وأن من تعالى لقي عَطَبًا، وأنه مادام العبد يظنُّ أن في
_________________
(١) تهذيب التهذيب ٨/ ٣٣٤. وانظر: حلية الأولياء ٢/ ١٨٤.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الخلق من هو شرٌّ منه فهو متكبِّر، وأن التواضع أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدًا إلا رأيت أنه خير منك، وأنه من لم يخش أن يعذِّبه الله تعالى على أفضل عمله فهو هالك، وقول فضيل بن عياض لسفيان بن عيينة: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.
فهذه الآثار تصرِّح بأن على كل إنسان أن يعتقد في نفسه النقص والتقصير، ويُظهر ذلك، ويطهِّر نفسه من العُجْب وظنِّ أنه صالح أو فاضل، وأنَّ من لم يصنع ذلك فهو متكبر، والمتكبر هالك. فكيف بمن تعدَّى حسن الظن بنفسه إلى الدعوى والشَّطح؟ فانظر حال السلف وحال من بعدهم.
[٨٢] فقد جاء بعد ذلك أقوام يتغالون في مدح أنفسهم وإطرائها حتى إن بعضهم ليفضِّل نفسه على الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرَّبين، ومنهم من يتجاوز ذلك فيزعم أنه ربُّ العالمين، أو أن ربَّ العالمين لا يقدر على مخالفته، ونحو ذلك مما يسمُّونه الشَّطح، ويعدُّونه من علامات الولاية.
وأقلُّ ما يدلُّ عليه هذا فضل علم السلف على علم الخلف، فإن ميزان العلم الخشية، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وفي كتب الزهد والرقائق كلمات كثيرة عن السادة الصوفية في وجوب مقت النفس وسوء الظنِّ بها، وذمِّ مَنْ يزكِّي نفسه أو يظن بها خيرًا، ولكن أكثر هذه الكتب تشتمل على أدوية وسموم، وإلى الله المشتكى.
وليس مقصودي الطعنَ في أحدٍ من أولياء الله تعالى والعلماء به، أعوذ بالله من ذلك، وإنما المقصود بيان فضل السلف على الخلف، وإذا لم تثبت
[ ٢ / ٢٩٣ ]