الفريق الأول: ذُرِّيَّته، ومنهم بنو عدنان.
والفريق الثاني: مَن عداهم.
فأما ذُرِّيَّته فإنها لزمتهم شريعة أبويهم إبراهيم وإسماعيل والتزموها، وأما مَن عداهم فإنها لزمتهم ببلوغ الدعوة، فمنهم مَن التزمها، ومنهم مَن أبى، والذين أبوا منهم مَن تهوَّد بعد ذلك كسبأ الذين اتَّبعوا سليمان ﵇ مع مَلِكَتِهم كما قصَّه الله تعالى في كتابه في سورة النمل، ومنهم مَن تنصَّر كأهل نجران، ومنهم مَن بقي على شركه.
وكلامنا الآن في الذين اتبعوا شريعة إبراهيم وإسماعيل ﵉، فنقول: إنهم بقوا محافظين عليها أمدًا طويلًا، ففي كتاب أرميا، الإصحاح الثاني: " [٩] (^١) لذلك أخاصمكم بعد يقول الرب وبني بنيكم أخاصم ــ ١٠ ــ فاعبروا جزائر كِتِّيم (^٢) وانظروا وأرسلوا إلى قيدار وانتبهوا جدًّا وانظروا هل صار مثل هذا ــ ١١ ــ هل بدَّلت أمَّةٌ آلهةً وهي ليست بآلهةٍ، أما شعبي فقد بدَّل مجده بما لا ينفع ــ ١٢ ــ" (^٣).
_________________
(١) لم يكتب المؤلف رقم الفقرة.
(٢) هو اسمٌ قديمٌ لقبرص. انظر: قاموس ــ ما يُسمَّى ــ الكتاب المقدَّس، في مدخليْ كِتِّيم وقبرس.
(٣) لم ينقل المؤلف الفقرة الثانية عشرة، ولعله أشار بكتابة الرقم إلى انتهاء الفقرة الحادية عشرة.
[ ٢ / ١٠١ ]
قيدار ــ ويُقال: قيذار ــ هو اسم ابن إسماعيل، كما هو مذكورٌ في الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين.
وذكر معه نبايوت، وأكثر النسابين من العرب أن نابتًا ــ ويقال: نبت ــ هو ابن قيذار بن إسماعيل، وإليه نُسب عدنان، ولا مانع أن يكون لإسماعيل ابن اسمه نبايوت ونابت أو نبت، ثم سمي ابنُ قيذار نابتًا أو نبتًا باسم عمِّه. وما وقع لبعض النسابين من قولهم في نسب عدنان: نابت أو نبت بن إسماعيل، فكأنهم أسقطوا قيذار اغترارًا بما حكي عن التوراة أو غير ذلك. وأنشد ابن إسحاق لقصيِّ بن كلاب جدِّ النبي ﵌ أبياتًا فيها (^١):
فلست لغالبٍ إن لم تَأثَّل بها أولادُ قَيذَرَ والنَّبيتُ
أراد بالنبيت أبناء نابتٍ. والله أعلم (^٢).
فمعنى قوله: "وأرسلوا إلى قيدار" أي: أرسلوا إلى بلاد بني قيدار، وهي الحجاز وما حولها. وقوله: "وانتبهوا جدًّا" يشير به ــ والله أعلم ــ إلى تدبُّرِ الفَرْقِ بين بني إسرائيل وبني قيدار، بنو قيدار محافظون على شريعة إبراهيم لم يبدِّلوا ولم يغيِّروا مع مرور الزمان، وبنو إسرائيل قد بدَّلوا شريعة موسى، وكان بعد إبراهيم بزمانٍ، ومع ذلك كانت عندهم التوراة، ثم تسلسل فيهم الأنبياء كداود وسليمان ومَنْ بعدهما. وقوله: "هل بدَّلت أمة آلهة" إلخ يُعْلَمُ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ١٢٨. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ٥٧ وفيه: لحاضن بدل غالب.
(٢) راجع فتح الباري، كتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، ٦/ ٣٤٦. وراجع تاريخ ابن جريرٍ ٢/ ١٩٢؛ فإن أكثر الأقوال المختلفة في نسب عدنان تقول: نابتٌ، أو نبتٌ، أو النبيت بن قيذار بن إسماعيل. [المؤلف]
[ ٢ / ١٠٢ ]
منه مع ما تقدَّم أن بني قيدار لم يبدِّلوا كما بدَّل بنو إسرائيل. والسِّفْر المذكور يصرِّح بأن بني إسرائيل عبدوا الأصنام ونصبوها في بيت المقدس، فراجعه إن شئت.
واستمرَّ بنو إسماعيل ومن وافقهم في اتِّباع شريعة إبراهيم ﵇ على المحافظة عليها، فبُعث عيسى ﵇ وهم على ذلك، ورُفع وبُدِّلَتْ شريعته وهم على ذلك، حتى بدَّلها ذلك الخبيث عمرو بن لحيٍّ.
وقد تأمَّلتُ أنساب الصحابة الذين أسلموا من ذرِّية عمرو بن لحيٍّ كأكثم بن الجون، وسليمان [ز ١٦] بن صُرَد، وعمرو بن سالم، وبُدَيل بن وَرْقاء، وعمرو بن الحَمِق، وجويرية أمِّ المؤمنين، وغيرهم، فإذا بين كلٍّ منهم وبين عمرو بن لحيٍّ تسعة آباءٍ، وربَّما زاد أبًا أو نقص.
وبين عمرو بن لحيٍّ وبين معدِّ بن عدنان خمسة آباء عند من يقول: هو من ذريته كما هو ظاهر الحديث الصحيح المتقدِّم، فإن خِندِفَ هي زوج الياس بن مضر بن نِزار بن مَعَدٍّ، وأما على المشهور أن لُحيًّا لقبٌ واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وأنه إنما نسب إلى قَمَعة بالتبنِّي أو غيره، فإنه يكون في عهد النضر بن كنانة بن مدركة بن إلياس أو قبله، وهو أظهر؛ فقد كان لكنانة ابنٌ اسمه عبد مناةٍ ولأُدِّ بن طابخة بن إلياس ابنٌ اسمه عبد مناة أيضًا، والظاهر أن هذا الاسم إنما سمَّوا به بعد التبديل، ومثله زيد مناة، وعبد اللات، وتيم اللات، وعبد العُزَّى، وغيرها، والله أعلم.
وقد حكى ابن الكلبي وغيره أنَّ معدَّ بن عدنان كان على عهد عيسى
[ ٢ / ١٠٣ ]