الأوَّل: مَن تحكم له أيَّها القارئ بالإسلام، فلا كلام فيه.
الثاني: مَن تكفِّره أو تتردَّد فيه لعلَّةٍ غير الشرك، وهذا لا كلام فيه هنا.
الثالث: مَن تكفِّره أو تتردَّد فيه لعلَّة الشرك خاصة، وكلامُنا في هذا.
فاعلم أن كلَّ مكلَّفٍ مَنْ هؤلاء لا بدَّ أن يكون قد ثبت له حكم الإسلام؛ لأنه لا يخلو أن يكون هو الذي دخل في الإسلام وكان آباؤه على ملَّةٍ أخرى كاليهوديَّة والنصرانيَّة، أو يكون نُسِبَ إلى الإسلام على سبيل التبعيَّة، أَوْ لا.
فالذي أسلم هو نفسه قد ثبت له حكم الإسلام. فإذا قلنا: إنه يكفي للدخول في الإسلام كلُّ ما يؤدِّي معنى التزامه فذاك، وإن قلنا: لا بدَّ من الإتيان بالشهادتين مع معرفة معناهما فقد عرفت أن المراد معرفته في الجملة، والعادة مستمرة إلى الآن أن الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام يلقِّنُه الناس الشهادتين ويفسِّرون له معناهما فيعرفه في الجملة، يعرف أنه لا مدبِّر بقوَّته الذاتيَّة إلا الله ولا معبود بحقٍّ إلا الله، ويعرف من العبادة الصلاة والصيام فيعرف أنه لا يستحقُّ أن يُصَلَّى ويُصام له إلا الله، وأن تعظيم الأوثان والسجود لها أو للشمس أو القمر أو الصليب عبادةٌ لغير الله، إلى غير ذلك، مع التزامه للإسلام جملةً. وهذا كافٍ للدخول في الإسلام وثبوت حكمه كما تقدَّم.
والمنسوب تبعًا إما أن تكون موافقًا على ثبوت الإسلام له بالتبعيَّة أو
[ ٢ / ١٥٧ ]
غير موافقٍ، فالأوَّل قد ثبت له حكم الإسلام اتِّفاقًا. والثاني الذي يكثر وجوده من صوره هو مَنْ كان آباؤه متلبِّسين بتلك الأمور التي تراها شركًا، فتقول: آباؤه مشركون فكيف يُحكم له بالإسلام تبعًا لهم؟
فاعلم أن هذا لا بدَّ أن يكون أحدُ أجداده كان كافرًا فأسلم فثبت له حكم الإسلام كما مرّ، وقد يكون هذا الجدُّ تلبَّس بتلك المحدثات، وسيأتي، وقد لا يكون تلبَّس بها فكان مسلمًا اتِّفاقًا، وتبعه ابنه في الإسلام ثم ابن ابنه، وهكذا إلى أوَّل جدٍّ تلبَّس بالمحْدَثات. فأوَّلُ جَدٍّ تلبَّس بالمحْدَثات إما أن يكون هو الذي دخل في الإسلام، وإما أن يكون ابن رجل مسلم لم يتلبس بها، وعلى كلا الحالين قد ثبت لهذا الجدِّ حُكْمُ الإسلام اتفاقًا، ومَنْ ثبت له حكم الإسلام فالأصل بقاؤه عليه ولا يخرج عنه إلا بحجَّةٍ واضحةٍ. وقد علمت أن من قَبِلَ الإسلام ثم جهل وأخطأ بما هو شرك قد يُعْذَرُ، ولا يظهر حَدٌّ لذلك إلا قيام الحجَّة كما سيأتي. فذلك الجدُّ الذي ثبت له حكم الإسلام لا يخرجه عنه تلبُّسه بتلك المحدثات ما لم تعلم قيام الحجة عليه، وأنت لا تعلم ذلك، فبقي على إسلامه، فيتبعه ابنه في الإسلام، فيبقى له حكمه وإن تلبس بتلك المحدثات، وهكذا.
وهبك أثبتَّ قيام الحجَّة على أحد الآباء فإنَّك لا تعلم قيامها على الأمِّ فَبَقِيَتْ على حكم الإسلام فتبعها ولدها. وهَبْكَ أثبتَّ قيامها على الأبوين فلعلَّها إنما قامت عليهما بعد العلوق بالولد وثبوت حكم الإسلام له، وهَبْكَ أثبتَّ قيامها على الأبوين قبل العلوق بالولد فقد قال بعض أهل العلم كالشافعيَّة: إنه إذا كان في أصول الطفل المعروفة سلسلةُ نسبِه إليهم مسلمٌ حُكِمَ للطفل بالإسلام وإن كان ذلك الأصلُ قد مات قبل زمانٍ طويلٍ وكان
[ ٢ / ١٥٨ ]
الأقرب حيًّا (^١)، فإن لم ترض هذا فقد قال بعض أهل العلم ــ وهو الذي [ز ٣٨] حكاه ابن المنذر (^٢) عن الشافعيِّ وبه أخذ أكثر أصحابه وصحَّحه الرافعيُّ وخالفه النوويُّ، لكن تعقَّبه (^٣) فصوَّب تصحيح الرافعيِّ، وأطال البلقينيُّ في تصويب ما قال الرافعيُّ (^٤) ــ: إن ولد المرتدَّيْنِ محكومٌ بإسلامه وإن كان العلوق به بعد ردَّتهما.
والذي يخالف في هذا إنما يقوى قوله إذا كانت الردَّة مكشوفة يُصَرِّح صاحبها بأنه قد بدَّل دينه وترك الإسلام. وإيضاح هذا أن المدْرَك فيما يظهر في الحكم بإسلام الطفل أو كفره قبل أن يعرب عن نفسه هو النظر فيما يظهر أنه يختاره إذا بلغ، وأظهرُ أسباب الاختيار أمران: وضوح الحجة واتباع الآباء. والأول وهو وضوح الحجة خاصٌّ بالإسلام فإن وافقه الثاني بأن كان الآباء كلهم المعروفة سلسلة النسب إليهم مسلمين فالحكم بالإسلام بغاية الوضوح. وإن خالفه البتة بأن كان الآباء كلهم المعروفة سلسلة النسب إليهم كفارًا أصليين فالحكم بالكفر ظاهر؛ لأن الغرام باتِّباع الآباء شديدٌ، كما تشاهده في اليهود والنصارى وقلَّةِ مَن يُسْلِمُ منهم. وإن وافقه مِن وجهٍ وخالفه مِنْ وجهٍ نُظِرَ في الراجح فيوضع مثلًا إسلام الأب والأمر الأوَّل وهو وضوح حجة الإسلام في كفَّةٍ، وكفر الأم والأصول من الطرفين في كفَّةٍ، فيرجح أنه يختار الإسلام، وقس على ذلك. وموضع التفصيل كتب الفقه،
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين ٥/ ٤٣٠.
(٢) الأوسط ١٣/ ٥٠٨.
(٣) هنا بياضٌ بقدر كلمةٍ، والظاهر أن المؤلف بيَّض لاسم العالم الذي تعقَّبَ النوويَّ.
(٤) هنا بياضٌ بقدر نصف سطرٍ، وانظر منتقى الينبوع فيما زاد على الروضة من الفروع للسيوطي بهامش روضة الطالبين ٧/ ٢٩٧.
[ ٢ / ١٥٩ ]
ونقتصر هنا على النظر في مسألتنا.
الطفل إذا بلغ فعرف أنَّ أسلافه كانوا مسلمين حتى تنصَّر أبواه مثلًا فإن غرامه بالنصرانيَّة لا يكون كغرام من عرف أن أسلافه مضوا عليها من قرونٍ كثيرةٍ، فهذا يحتمل أن يميل إلى النصرانيَّة؛ لأن أبويه صارا إليها ويحتمل أن يميل إلى الإسلام؛ لأنَّ أسلافه مضوا عليه حتى صار أبواه إلى خلافه، فله شبه بمن كان أحد أبويه مسلمًا والآخر كافرًا. هذا في الرِّدَّة المكشوفة، ودونها درجات.
فأما مسألتنا وهي أن يعرف أنَّ أسلافه مضوا على الإسلام، وأنَّ أبويه عاشا ينتسبان إلى الإسلام مغتبطَين به يعتقدان أنه هو الدين الحق ويبذلان أنفسهما في سبيله، ويُعَظِّمان القرآنَ ويعتقدان أنَّ كلَّ ما فيه حقٌّ، ويحبَّان النبيَّ ﵌ ويعتقدان أن كلَّ ما جاء به حقٌّ، ويحترمان سلف الأمة وعلماءها، ويتمسكان بشعائر الإسلام، ويعتقدان حقًّا عليهما أن لا يخالفاه، ويحكمان على أنفسهما أنهما إن خالفاه ولم يعذرهما الله ﷿ هلكا، ولكنهما وقعا في شيء كانا يزعمان أنه لا يخالف الإسلام وجماعة من أهل العلم يقولون إنه مخالف. فهذا الغلام إن لم توضح له الحجة على أنَّ تلك المخالفة كفرٌ فالظاهر أنه يتبع أبويه عليها، ولكن هذا لا يكفي للحكم عليه من طفوليَّته بعدم الإسلام؛ فإن النظر في هذا الباب مبني على فرض قيام الحجة، ألا ترى أنه يحكم بالإسلام للطفل الذي أبوه وأسلافه كلهم نصارى وأمه مسلمة مع العلم بأنه إذا لم توضح له حجة الإسلام إنما يتبع أباه وأسلافه.
وإذا أوضحت له الحجة فأمامه طرقٌ:
[ ٢ / ١٦٠ ]
الأولى: أن يتَّبع أبويه على تلك المخالفة تعصُّبًا لهما ويرضى لنفسه بأمورٍ:
منها: ترك الإسلام الذي اتَّضح له أنه الحق ومضى عليه أسلافه ومضى أبواه أنفسهما على الانتساب إليه والاغتباط به كما مر، ونشأ هو نفسه على حبه والاغتباط به والافتخار بالانتساب إليه.
ومنها: اختيار الكفر الذي مضى أسلافه وأبواه أنفسهما ونشأ هو نفسه على بغضه ومقته وشدة النفور عنه والعلم بأنه هلاك أبدي.
[ز ٣٩] ومنها: عداوة الله ورسله والمؤمنين، وقد مضى أسلافه وأبواه أنفسهما ونشأ هو نفسه على محبتهم وتعظيمهم والاغتباط باتِّباعهم.
ومنها: غضب الله ﷿ والخلود في نار جهنم.
الطريق الثانية: أن يتبع الحق ويشهد على أبويه بالكفر.
الطريق الثالثة: أن يتبع الحق ويرجو العذر لأبويه.
أفلا ترى سلوكه الطريق الأولى أبعد جدًّا من اختيار مَن كان أبوه وأسلافه نصارى وأمُّه مسلمةً للنصرانيَّة؟ فبقي النظر في الطريقين الأخريين، فإن لم تتَّضح له الحجَّة على هلاكهما وعلى أن الشكَّ في هلاكهما كفرٌ فلا ريب أنه يختار الطريق الثالثة، ولكن هذا لا ينافي الحكم بإسلامه؛ لوجوه:
الأوَّل: أن النظر في هذا الباب مُرَتَّبٌ على فرض قيام الحجة كما مرَّ.
الثاني: أنه إذا لم تقم عليه الحجة القاطعة بهلاكهما لا يكون رجاؤه العذر لهما كفرًا.
[ ٢ / ١٦١ ]
الثالث: أن كفر المتلبِّس بالمحدثات التي الكلام فيها ليس في هذه الأزمنة من الأمور الواضحة التي يكفر مَن شكَّ أنها كفرٌ مطلقًا، فكيف مَنْ لم يشكَّ أنها كفرٌ ولكنَّه يرجو العذر لبعض مَن تلبَّس بها؟
وعلى فرض أنك أثبتَّ قيام الحجة على أحد الأجداد وامرأته وإصرارهما قبل العلوق بالولد وأنه لم يُقْنِعْكَ ما تقدَّم من الاستدلال على أن ذلك لا يمنع الحكم للولد بالإسلام فبماذا تحكم للولد في صغره؟
إن قلتَ: أحكم أنه مرتد قيل لك: أنَّى يكون مرتدًّا ولم يُحْكَم له بالإسلام قطُّ؟ وأصل معنى الارتداد هو الرجوع، فكيف يُقال: إنه رجع عن الإسلام مَنْ لم يكن عليه قطُّ؟ وقد جاء عن الصحابة أنهم سَبَوْا أولاد المرتدِّين (^١)، والمرتدُّ لا يُسْبَى.
وقد كان خطر لي أن أحتجّ بمعاملة النبي ﵌ مشركي العرب معاملة الكفَّار الأصليين مع أن أسلافهم كعمرو بن لُحَيٍّ وأقرانه كانوا مرتدِّين عن شريعة إبراهيم ﵇، وكانت الأنساب إليهم معروفةً. ثم ظهر لي أنه قد يجاب عن هذا بأن الإسلام شريعةٌ جديدةٌ يطالبهم باتِّباعه، حتى لو رجعوا إلى شريعة إبراهيم ولم يتَّبعوا الإسلام لم يخرجوا من الكفر، فلا يلزم من عدم حكمه عليهم حكم المرتدين أنهم لم يكونوا في حكم المرتدِّين عن شريعة إبراهيم. ويمكن أن يناقش في هذا
_________________
(١) ورد عن أبي الطفيل أنه كان في جيش عليٍّ الذين أرسلهم إلى المرتدين من بني ناجية، قال: فقتلوا المقاتلة وسبوا الذَّراري. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب السير، ما قالوا في الرجل يسلم ثم يرتد ١٧/ ٤٣٤ - ٤٣٥، ح ٣٣٤٠٧. ومن طريقه: البيهقي في كتاب المرتد، باب ما جاء في سبي ذرية المرتدين ٨/ ٢٠٨.
[ ٢ / ١٦٢ ]