مشتبهٌ جدًّا
_________________
(١) كما ستراه إن شاء الله تعالى ، فعلمتُ أن ذلك [٢] الاشتباه هو سبب الخلاف، وإذا الخطر أشدُّ مما يُظَنُّ؛ لأن الجهل بمعنى (إله) يلزمه الجهل بمعنى كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، وهي أساس الإسلام وأساس جميع الشرائع الحقَّة من قبل، قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقد دلَّ الكتاب والسنة والإجماع والمعقول على أنَّه لا يكفي النطق بها بدون معرفة معناها. وإيضاح ذلك أن الاعتداد بالنطق بها له شروطٌ: منها: أن يكون على سبيل الاعتراف؛ للقطع بأن المشرك إذا نطق بها حكايةً عن غيره لا يُعْتَدُّ بذلك؛ كالمسلم إذا نطق بكلمة الكفر حكايةً عن غيره، وأنت خبير أن العبارة لا يُحْكَم بكونها اعترافًا حتى يُعْلَم أن المتكلِّم بها يعرف معناها، فلو أثبت زيدٌ على إنسانٍ أعجميٍّ أنه قال: أنا رقيقٌ لزيدٍ، ووجدنا هذا الأعجميَّ لا يعرف العربيَّة ولا يعرف معنى هذه العبارة، وإنما لقَّنوه إيَّاها بدون إعلامه بمعناها، لم يُعْتَدَّ باعترافه، وهذا مما لا خلاف فيه أصلًا. [ب ٢] ومنها: العلم بمضمونها، والعلم هو الذي يُعَبِّرُ عنه أهل الكلام بالتصديق، وقيل: التصديق أخصُّ، قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
(٢) وقال ﷿: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فقيَّد نفع الشهادة، قيَّده بالعلم بالمشهود به.
[ ٢ / ٤ ]
قال ابن جريرٍ في تفسيرها: "اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعزيرٌ والملائكة الذين يعبدهم هؤلاء المشركون بالله (^١) الشفاعة عند الله لأحدٍ إلا مَن شهد بالحق فوحَّد الله وأطاعه على علمٍ (^٢) منه بتوحيد الله وصحَّة ما (^٣) جاءت به رسله".
ثم أسند نحوه عن مجاهد، وفيه: "إلا مَن شهد بالحقِّ، وهو يعلم الحقَّ".
ثم قال: "وقال آخرون: عُنِيَ بذلك: ولا تملك الآلهة التي يدعوها المشركون ويعبدونها من دون الله الشفاعة، إلا عيسى وعزيرٌ وذووهما والملائكة الذين شهدوا بالحقِّ فأقروا به وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به".
ثم أسند نحوه عن قتادة، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذِكْره أخبر أنه لا يملك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عنده لأحدٍ إلا مَن شهد بالحق، وشهادته بالحق هو إقراره بتوحيد الله، يعني: إلا مَن آمن بالله وهم يعلمون حقيقة توحيده" (^٤).
_________________
(١) في الأصل تبعًا للطبعة التي ينقل منها المؤلف: (بالساعة)، والتصحيح من طبعة دار هجر (٢٠/ ٦٦١).
(٢) كتب المؤلِّف هنا لفظ: (كذا)؛ إشارة إلى الخلل في العبارة. ولفظ (على) زيادةٌ من الطبعة المذكورة.
(٣) في الأصل: "بتوحيد وصحة بما"، والتصحيح من الطبعة المشار إليها.
(٤) تفسير ابن جريرٍ، الطبعة الأولى، ٢٥/ ٥٦ - ٥٧. [المؤلف]. وقد أشار المؤلف في نسخة (أ) إلى الخلل الوارد في النسخة بقوله: "نقلت هذه العبارة كما هي في النسخة المطبوعة". وقد وضعتُ الصواب في المتن، وأشرت في الهامش إلى ما كان في الأصل.
[ ٢ / ٥ ]
وقال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ [٤] لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ في المنافقين تبيِّن هذا المعنى.
وفي صحيح مسلمٍ عن عثمان قال: قال رسول الله ﵌: "مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (^١).
وفيه عن عمر قال: كنا مع النبيِّ ﵌ في مسيرٍ، فذكر الحديث، وفيه: فقال ــ يعني النبيَّ ﵌ ــ عند ذلك: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنِّي رسول الله، لا يلقى الله ﷿ بهما عبد غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة" (^٢).
وفيه عن أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ من حديث طويل: "فَمَنْ لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة" (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب ١٠ [مَن لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه ]، ١/ ٤١، ح ٢٦. [المؤلف]
(٢) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب ١٠ [مَن لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه ]، ١/ ٤١ - ٤٢، ح ٢٧. [المؤلف]
(٣) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب ١٠ [مَن لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه ]، ١/ ٤٤، ح ٣١. [المؤلف]
[ ٢ / ٦ ]
وفي صحيح البخاريِّ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه" (^١).
[ب ٣] وفيه عن معاذٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله [٥] وسلَّم قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حَرَّمه الله على النار" (^٢). وأصل الحديث في صحيح مسلمٍ (^٣).
وحديث الصحيحين وغيرهما في سؤال القبر سيأتي في الكلام على التقليد (^٤) إن شاء الله تعالى.
واعلم أن هذا الشرط مجمعٌ عليه أيضًا، فأما ما نُقِل عن الكرّامية من أن الإيمان هو النطق بالشهادتين فقط، وأن المنافق مؤمنٌ حقيقةً، فهو نزاع لفظي؛ لأنهم يقولون: إن هذا الإيمان الذي هو النطق إنما هو بالنظر إلى الأحكام الدنيوية (^٥)، فأما النجاة من النار فلا بدَّ فيها من التصديق القلبيِّ.
_________________
(١) صحيح البخاريِّ، كتاب العلم، باب ٣٢ [الحرص على الحديث]، ١/ ٣١، ح ٩٩. [المؤلف]
(٢) صحيح البخاريِّ، كتاب العلم، باب ٤٧ [مَن خصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ]، ١/ ٣٧ - ٣٨، ح ١٢٨. [المؤلف]
(٣) كتاب الإيمان، باب ١٠ [مَن لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه ]، ١/ ٤٣، ح ٣٠. [المؤلف]
(٤) ص ٢٠٠ - ٢٠٣.
(٥) يعني الإيمان الذي يعصم الدم والمال في الدنيا ويصير به من جملة المسلمين.
[ ٢ / ٧ ]
هكذا نقله عنهم الشهرستاني (^١)، والسعد التفتازاني (^٢) وغيرهما. هذا، مع مخالفة قولهم للنصوص القرآنية والنبويَّة والإجماع السابق قبلهم.
إذا تقرَّر ما ذُكِر فلا ريب أن الجاهل بمعنى (لا إله إلا الله) لا علم له بمضمونها، ولا يصحُّ أن يُقال: شهد بها "وهو يعلم"، "مؤمنًا بها قلبه"، "غير شاكٍّ"، "مستيقنًا بها قلبه"، "خالصًا من قلبه أو نفسه"، "صدقًا من قلبه"، فتدبَّرْ.
وفي فتح الباري عن الحليميِّ (^٣): "لو قال الوثنيُّ: "لا إله إلا الله" وكان يزعم أن الصنم يقرِّبه إلى الله لم يكن مؤمنًا حتى يتبرّأ من عبادة الصنم" (^٤).
ومنها: التسليم، ويُعَبَّر عنه بالرضا، واكتفى جماعة عنه بالتصديق، زاعمين أنه يتضمنه. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا [٦] فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وفي صحيح مسلمٍ من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال
_________________
(١) الملل والنحل ١/ ١٥٤ بهامش الملل والنحل لابن حزمٍ، الطبعة الأولى سنة ١٣٢٠. [المؤلف]
(٢) شرح المقاصد ١/ ٢٤٨. [المؤلف]
(٣) أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، القاضي العلامة، أحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، وكان متفننًا، وله مصنفات نفيسة، توفي سنة ثلاث وأربعمائة. السير ١٧/ ٢٣١
(٤) فتح الباري، طبعة الخيريَّة، ١٣/ ٢٨٠. [المؤلف]. وهو في كتاب المنهاج في شعب الإيمان للحليميّ ١/ ١٣٦.
[ ٢ / ٨ ]