المعاني (^١) قال: "وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "ألا أدلُّكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله؟ تقرؤون: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عند منامكم" (^٢).
فأما بناؤها على توحيد العبادة فظاهر.
وأما الآية فآية الكرسي؛ ففي صحيح مسلم وغيره "عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله تعالى معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال: فضرب في صدري: وقال: والله ليَهْنِك العلمُ، أبا المنذر" (^٣).
وقد وردت في فضلها أحاديث أخرى لا حاجة إلى ذكرها هنا.
وأما بيان بنائها على توحيد العبادة فهاكه:
_________________
(١) ٣٠/ ٢٤٩.
(٢) أخرجه أبو يعلى، كما في المطالب العالية ١٥/ ٤٥٢، ح ٣٧٨٦، والطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ٢٤١، ح ١٢٩٩٣. قال الهيثمي: "وفيه جبارة بن المغلس، وهو ضعيف جدًّا". مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٧.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب فضائل القرآن، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي. [المؤلف]
[ ٢ / ٤٩ ]
قال تعالى في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
المراد، والله أعلم، بنفي الخلَّة: ما لم يكن في طاعته، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وهذه الآية تقدَّمها في سورة الزخرف ذكر شأن مشركي العرب في عبادتهم الملائكة، وقولهم: "بنات الله"، وذكر شأن النصارى في عبادتهم عيسى وقولهم: "ابن الله"، فيظهر من هذا أن قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ الآية فيه إشارة إلى ذلك، أي أن مشركي العرب يحبون الملائكة ويعبدونهم، والنصارى يحبون المسيح ويعبدونه، فإذا كان يوم القيامة كان الملائكة والمسيح أعداء لمن عبدهم من دون الله، وقد بين الله ﷿ ذلك في مواضع من القرآن كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وهكذا قوله: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ المراد بها، والله أعلم، الشفاعة التي يطمع فيها المشركون من الملائكة وعيسى ونحوهم، فأمر الله ﷿ المؤمنين ألَّا يتَّكلوا على الشفاعة التي يتَّكل عليها المشركون، ونبَّه على ذلك بقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ثم رد الله تعالى على الكافرين زعمهم وبيَّن حقيقة الشفاعة بقوله: [٣٠] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبرٌ برهن عليه بما [ب ٢٥] يعترف به المشركون وغيرهم، وهو أنه ﷿:
[ ٢ / ٥٠ ]
﴿الْحَيُّ﴾ وحياته ﷿ حياة ذاتية تامة كاملة، نسبة حياة الملائكة والجن والإنس إليها أضعف من نسبة موتهم إلى حياتهم. وإلى هذا ــ والله أعلم ــ أشار سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].
المدعوُّون هنا الملائكة أو هُم وغيرهم، وصفهم سبحانه بأنهم أموات غير أحياء، أي بالنظر إلى الحياة الكاملة، وهي حياته ﷾. وسيأتي الكلام على هذه الآية إن شاء الله تعالى.
﴿الْقَيُّومُ﴾ قال الراغب (^١): "أي القائم الحافظ لكل شيءٍ والمعطي له ما به قوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] "، ولا أحد سواه تعالى يشاركه في ذلك ولا يقاربه.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فيه توضيح لكمال حياته وقيُّوميَّته.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، بما فيه الداعون من دونه والمدعوون وغيرهم، وكل خير وشر يحتاج المخلوق إلى جلبه أو دفعه.
فهذه الصفات يعترف بها المشركون لله ﷿ ويعترفون باختصاصه بها؛ فثبت بها أنه سبحانه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ لأن العبادة إن كانت إجلالًا فالله هو الجليل على الحقيقة، وإن كانت شكرًا فهو المنعم على الحقيقة، وإن كانت استجلابًا لنفعٍ أو استدفاعًا لضرٍّ فهو سبحانه
_________________
(١) المفردات ٦٩١.
[ ٢ / ٥١ ]
الذي بيده ملكوت كلِّ شيءٍ، والمشركون يعترفون بهذا كلِّه، إلا أنهم يقولون: الذين نعبدهم من دون الله هم مقربون لديه يشفعون إليه، فلما ثبت أنَّه ﷾ قرّبهم وجعل لهم أن يشفعوا إليه لزم من ذلك أن لا يمنع غيرهم من عبادتهم طلبًا لشفاعتهم؛ لأن ذلك ينفع العابد ولا يضرُّ الله تعالى. وعلى ذلك قولهم فيما حكاه الله ﷿ عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فأبطل الله تعالى شبهتهم بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الاستفهام بمعنى النفي، كما قال تعالى في موضع آخر: [٣١] ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣].
والمشركون يسلِّمون أنه لا يشفع أحد عنده بغير إذنه، ولكنهم يتوهَّمون أنه سبحانه قد أذن للمقرَّبين في الشفاعة إذنًا عامًّا، فدفع ﷾ ذلك بقوله: [ب ٢٦] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فهو سبحانه العالم بكل شيءٍ بالمشفوع له وما قُدِّر له، وبالشافع وشفاعته وغير ذلك، والمقرَّبون لا يحيطون بشيءٍ من علمه إلَّا بما شاء، فلا يعلمون بالمشفوع له ولا بحقيقة عمله ولا حقيقة ما يستحقه ولا ما قدر له ولا بأن الشفاعة له صواب يشاؤه الله ويرتضيه، لا يعلمون شيئًا من هذا إلا إذا شاء الله تعالى أن يعلموا، وقد ثبت أنهم مملوكون لله ﷿ مبالغون في طاعته، فيُعْلَم من هذا أنهم لا يشفعون لأحدٍ إلَّا بعد أن يأذن الله تعالى لهم أن يشفعوا له، وأنه سبحانه لا يأذن لهم إلا بعد أن يشاء شفاعتهم لذلك الشخص ويرتضيها ويعلم أنها صواب، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ
[ ٢ / ٥٢ ]
فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، [٣٢] وقال ﵎: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].
ومَن تدبَّر هذا كلَّه علم أنَّ شفاعة المقرَّبين لا تقع إلَّا لمن أراد الله ﷿ أن ينفعه، ومَن أراد الله ﷿ أن ينفعه فلا بد أن ينفعه، فإن كان قد قضى أن ذلك النفع يكون بعد شفاعة فإنه سبحانه يأمر بها الشفيع فيشفع طاعة لربه ومسارعة في مرضاته.
وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى لطلب الشفاعة من المقربين، ولا لتعظيمهم لكي يشفعوا. فإذا كان الطلب والتعظيم عبادة فهو مع ذلك موجِبٌ لغضب الله ﷿ على فاعله، لأنه أشرك به غيره، فكيف يرجو منه أن يجازيه على ذلك بأن يرتضيه ويرضى له النفع، ويأذن في الشفاعة له ويرضاها؟ بل وموجِبٌ لغضب المقربين على الفاعل؛ لأنهم ما تقرَّبوا إلا بطاعتهم لربهم وحبهم لرضاه حبًّا أفناهم عن غيره من الحظوظ والأغراض.
فأما ما ثبت بسلطان أن الله ﷿ أمر به وأذن فيه مما فيه توقير للمقربين فإنه عبادة لله تعالى، كما سيأتي تحقيقه بأدلته، والحق على الناس أن يقتصروا عليه، والله الموفق.
[ب ٢٧] ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ
[ ٢ / ٥٣ ]