وُجِدت بعد قرونٍ، فلا يُتوهَّم أنها خُصَّتْ بحكم دون الناس قبل وجودها، وكانوا يعلمون أنهم إنما أحدثوا ذلك برأيهم، قال سفيان بن عيينة: "كان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إن عظَّمتم غير حرمكم استخفّ الناس بحرمكم" (^١).
إذا تقرر هذا، فيمكن أن يقال بعذرهم في الضرب الأول في الجملة.
وأما الضرب الثاني فكان الواجب عليهم فيه السؤال والبحث والنظر، فمن فعل ذلك فتبين له فقد خرج من هذا الضرب، وإلَّا كان عليه الاحتياط، ومَنْ لم يعمل ما عليه من ذلك فلا أرى له عذرًا.
وأما الضرب الثالث فقيام الحجة عليهم فيه أوضح.
تنبيه:
اختلف أهل العلم في حال النبي ﵌ قبل البعثة أكان متعبَّدًا بشرعٍ أم لا؟ والقائلون بالتعبد اختلفوا في تعيين الشرع الذي كان متعبَّدًا به.
وأنت إذا تدبَّرت ما تقدَّم علمت أنه كان متعبَّدًا بشرع أبيه إبراهيم ﵇، وكان ﵌ قائمًا بما يلزمه بحيث لو أن رجلًا آخر كان على مثل حاله ومات قبل البعثة لكان ناجيًا.
[ز ٢٢] فمن المنقول في ذلك: اجتنابه ﵌ الأوثان، صحَّ ذلك من حديث زيد بن حارثة كما سيأتي، وفيه كفاية عما في الدلائل لأبي نُعَيمٍ بسند واهٍ إلى أمِّ أيمن وآخر واهٍ إلى ابن عبَّاسٍ.
_________________
(١) فتح الباري أيضًا. [المؤلف]
[ ٢ / ١١٦ ]
ومن ذلك: أنه ﵌ كان يقف بعرفة مخالفًا لقومه، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث جبير بن مطعمٍ (^١).
وفي رواية لابن خزيمة وإسحاق بن راهويه من حديث جبير "قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة يقولون: نحن الحُمس فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول الله ﵌ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا" (^٢).
ومن ذلك: اجتنابه ﵌ الذبح على النصب والأكل مما ذُبِح عليها. قد مَرَّ طرف من ذلك في قصة زيد بن عمرو بن نفيل، وأخرج الحاكم في المستدرك وأبو يعلى والبزار وغيرهما من طريق أبي أسامة، ثنا محمد بن عمرو هو ابن علقمة، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة ﵄ قال: خرج رسول الله ﵌ وهو مُرْدِفي إلى نُصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة ووضعناها في التنور حتى إذا نضجت استخرجناها فجعلناها في سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﵌ يسير وهو مُرْدِفي في أيام الحَرِّ من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادي
_________________
(١) راجع صحيح البخاريِّ، كتاب الحجِّ، باب الوقوف بعرفة، ٢/ ١٦٢، ح ١٦٦٤. وصحيح مسلمٍ، كتاب الحجِّ، بابٌ في الوقوف، ٤/ ٤٤، ح ١٢٢٠. [المؤلف]
(٢) ذكره في فتح الباري ٣/ ٣٣٤. [المؤلف]. وانظر: صحيح ابن خُزيمة، كتاب المناسك، باب الوقوف بعرفة على الرواحل، ٢/ ١٣٣٢، ح ٢٨٢٣. والمعجم الكبير للطبرانيِّ ٢/ ١٣٦، ح ١٥٧٩.
[ ٢ / ١١٧ ]
لقي فيه زيد بن عمرو بن نفيل فحيّا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية (^١)، فقال له رسول الله ﵌: ما لي أرى قومك قد شَنَفُوكَ (^٢)؟ قال: أما والله إنَّ ذلك لغير نائرةٍ (^٣) كانت منِّي إليهم، ولكني أراهم على ضلالةٍ، قال: فخرجت أبتغي هذا الدين حتى قَدِمْتُ على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به (^٤)، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدم على أحبار خيبر فوجدتهم كذلك، فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فقال لي حبر من أحبار الشام: إنك تسأل عن دينٍ ما نعلم أحدًا يعبد الله به إلا شيخًا بالجزيرة، فخرجت حتى قَدِمْتُ إليه فأخبرته الذي خرجت له فقال: إن كل مَنْ رأيته في ضلالة، إنك تسأل عن دينٍ هو دين الله وملائكته، وقد خرج في أرضك نبيٌّ أو هو خارج يدعو إليه، ارجع إليه وصدِّقه واتَّبِعْهُ وآمن بما جاء به، فرجعت فلم أحس شيئًا بعد، فَأَنَاخَ رسول الله ﵌ البعير الذي كان تحته، ثم قدمنا إليه السفرة التي كان فيها الشواء، فقال: ما هذه؟ فقلنا: هذه شاةٌ ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: إني لا أكل ما ذُبِح لغير الله.
قال: وكان صنمٌ من نحاسٍ يُقال له إساف ونائلة يتمسح به المشركون
_________________
(١) يعني قولهم: "عِمْ صباحًا" أو نحوها. [المؤلف]
(٢) أي أبغضوك. [المؤلف]. وفي بعض المصادر: "شنفوا لك"، وكلاهما مذكور في كتب اللغة.
(٣) أي: عداوة. انظر: النهاية: نور.
(٤) هذا لفظ الذهبي في تلخيص المستدرك، وفي المستدرك بدلها: " على أحبار أيلة، فوجدتهم يعبدون الله ولا يشركون به" كذا، والظاهر أن كلمة (لا) من زيادة النسَّاخ. [المؤلف]
[ ٢ / ١١٨ ]
إذا طافوا، فطاف رسول الله ﵌ وطفت معه فلما مررت مسحت به فقال رسول الله ﵌: "لا تَمَسَّهُ"، قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسَّنَّهُ حتى أنظر ما يقول، فمسحته، فقال رسول الله ﵌: "ألم تُنْهَ؟ " قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلمت صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث، فقال رسول الله ﵌: "يأتي يوم القيامة أمةً وحده"، قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط مسلمٍ"، وأقرَّه الذهبي (^١).
[ز ٢٣] أقول: أبو أسامة إمام حجة، قيل: إنه كان يدلس، فإن صح ذلك فقد صرَّح هنا بالسماع، وحكى الأزدي عن سفيان بن وكيع كلامًا يوهن به أبا أسامة، وردَّه ابن حجر في مقدمة الفتح (^٢) بضعف الأزدي وسفيان بن وكيع. وأقول: لو صحّ ذلك لكان محمله التدليس وقد علمت اندفاعه هنا، وإنما الكلام في محمد بن عمرو بن علقمة فأطلق بعض الأئمة توثيقه وغمزه بعضهم بما حاصله أنه لم يكن بالحافظ، ومجموع كلامهم يقتضي أنَّ حديثه دُوَيْن الصحيح وفوق الحسن، ذكر ابن حجر في المقدمة (^٣) أنَّ البخاري أخرج له في الصحيح مقرونًا بغيره، وتعليقًا، وأنَّ مسلمًا أخرج له
_________________
(١) المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر قصَّة إسلام زيد بن حارثة ، ٣/ ٢١٦ - ٢١٧. [المؤلف]. والسنن الكبرى للنسائي، كتاب المناقب، زيد بن عمرو بن نفيل، ٧/ ٣٢٥، ح ٨١٣٢، ومسند البزار ٤/ ١٦٥ ح ١٣٣١، ومسند أبي يعلى ١٣/ ١٣٧، ح ٧٢١٢.
(٢) ص ٣٩٩.
(٣) ص ٤٤١.
[ ٢ / ١١٩ ]
في الصحيح في المتابعات.
أقول: قال ابن المديني عن يحيى القطان: "محمد بن عمرو أعلى من سهيل". وقال أيضًا: "محمد بن عمرو أحبُّ إلي من ابن أبي حرملة" (^١)، وفضَّلَه ابن معين على سهيل والعلاء ومحمد بن إسحاق (^٢)، وقد احتجَّ مسلم بهؤلاء كلهم في الصحيح ووافقه البخاري فأخرج لمحمد بن أبي حرملة.
وقضية السُّفرة قد وردت من حديث ابن عمر عند البخاريِّ في صحيحه، ولكنها مختصرةٌ تحتمل بعض التأويل (^٣).
وجاءت أيضًا من حديث سعيد بن زيد عند الإمام أحمد وغيره، كما تقدم، وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: "سمعت زيد بن عمرو بن نفيلٍ يعيب أكل ما ذبح لغير الله، فما ذقت شيئًا ذبح على النصب حتى أكرمني الله ﷿ بما أكرمني به من رسالته" (^٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل ٨/ ٣١، وسهيل هو ابن أبي صالح إلَّا أن الإمام أحمد تعقَّب يحيى بن سعيد فقال: "وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم من محمد بن عمرو". الجرح والتعديل ٤/ ٢٤٧.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
(٣) راجع صحيح البخاريِّ [٥/ ٤٠، ح ٣٨٢٦]- مع فتح الباري [٧/ ٩٧ - ٩٩]-، كتاب المناقب [وفي السلطانيَّة: كتاب مناقب الأنصار]، باب حديث زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ. [المؤلف]
(٤) دلائل النبوة لأبي نُعيمٍ، الفصل الثالث عشر، ذكر ما خصه الله ﷿ به من العصمة ، ص ٥٩. [المؤلف]. وهو في ط: دار النفائس ص ١٨٨، ح ١٣١.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وعبد الله بن محمَّدٍ هذا ضعيف جدًّا، وقد تقدَّم في حديث سعيد بن زيد قوله: "فما رُئِيَ النبيُّ ﵌ يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك" (^١).
وذكر الحافظ في الفتح (^٢) تأويلاتٍ لم يَقْنَعْ بها، ثم قال: "قوله: ذبحنا شاة على بعض الأنصاب يعني الحجارة التي ليست بأصنام ولا معبودة، وإنما هي من آلات الجزَّار التي يذبح عليها؛ لأن النصب في الأصل حجر كبير، فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام فيذبحون له وعلى اسمه، ومنها ما لا يُعبد، بل يكون من آلات الذبح ".
أقول: لا أراك تقنع بهذا، ولا بما حكاه ابن الأثير في النهاية (^٣) عن إبراهيم الحربي، فالصواب إن شاء الله تعالى أنَّ الأنصاب كانت عندهم غير الأصنام، فكانت الأصنام تعظَّم بوجوه مختلفة، كالعكوف عندها والتمسُّح بها وغير ذلك، وأما الأنصاب فكانت مختصَّة بالذبح عليها، ولعلهم لم يكونوا يطلقون على الذبح عليها أنه عبادة لها، ولما كان الأمر كذلك وكان معروفًا من شريعة إبراهيم ﵇ تحريم الحرم واحترامه في الجملة، وكانت تلك الأنصاب من جملة حجارة الحرم، كان ذلك مظنَّة أن يحسب الناشئ فيهم أنه من بقايا شريعة إبراهيم ﵇، فإذا ذبح عليها بهذه النية وهو مع ذلك حريص على اتِّباع شريعة إبراهيم والوقوف عندها واجتناب ما بان له أنه ليس منها كان معذورًا إن لم نقل مأجورًا.
_________________
(١) انظر: ص ١٠٦.
(٢) ٧/ ١٤٤ ط. دار المعرفة.
(٣) ٥/ ٦٠ - ٦١.
[ ٢ / ١٢١ ]
وهذه كانت حال النبيِّ ﵌، ولعل سِنَّه حينئذٍ دون الثلاثين؛ فإنه ﵌ تزوج خديجة ﵂ وهو في الخامسة وعشرين (^١) من عمره، فوهبت له زيد بن حارثة، فلعلَّ هذه القصة كانت بعد ذلك بقليل. والله أعلم.
ولما سمع ﵌ كلام زيد بن عمرو بن نفيلٍ تبيَّن له خلاف ما كان يحسب في الذبح [ز ٢٤] على الأنصاب، فاجتنبه واجتنب الأكل مما ذبح عليها.
ومن ذلك ما صحَّ من حديث جابرٍ قال: "لما بُنِيَت الكعبة ذهب النبي ﵌ وعباس ينقلان الحجارة فقال عباس للنبيِّ ﵌: اجعل إزارك على رقبتك يَقِك من الحجارة، فخرَّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: إزاري إزاري فَشُدَّ عليه إزاره" (^٢).
وذكر الحافظ له شواهد في هذا الباب، وفي كتاب الحج، باب فضل مكة، منها: عن العباس قال: "لما بنت قريشٌ الكعبة انفَرَدَتْ رجلين رجلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي فجعلنا نأخذ أُزُرَنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لبسنا أُزُرَنا، فبينما هو أمامي إذ صرع فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء، قال: فقلت لابن
_________________
(١) كذا في الأصل، وانظر: سيرة ابن هشام ١/ ١٧٨.
(٢) صحيح البخاريِّ، كتاب المناقب [وفي السلطانيَّة: كتاب مناقب الأنصار]، باب بنيان الكعبة، ٥/ ٤١، ح ٣٨٢٩. [المؤلف]
[ ٢ / ١٢٢ ]
أخي: ما شأنك؟ قال: نهيت أن أمشي عريانًا" (^١).
فبان بهذا أنه لم يكن هناك إلا هو وعَمُّه وهما على عزم أن يستترا إذا دَنَوَا من الناس، فكأنه لم يكن معروفًا عندهم من شريعة إبراهيم تحريم كشف العورة عند الحاجة إذا لم يكن هناك إلا الأب أو العم أو نحوهما، ومع ذلك أدَّب الله تعالى رسوله فمنعه من ذلك.
وفي الصحيحين وغيرهما في حديث بدء الوحي: "ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ــ وهو التعبد الليالي ذوات العدد ــ قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها" (^٢).
قال الحافظ في الفتح: "قوله: "فيتحنَّث"، هي بمعنى يتحنَّف، أي: يتَّبع الحنيفيَّة، وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً (^٣) في كثيرٍ من كلامهم، وقد روي في رواية ابن هشامٍ في السيرة: يتحنَّف بالفاء؛ أو التحنُّث: إلقاء الحنث، وهو الإثم، كما قيل: يتأثَّم ويتحرُّج ونحوهما".
ولفظ البخاري في التفسير " فيتحنَّث فيه، قال: والتحنُّث: التعبُّد". استظهر الحافظ في الفتح أن هذا من تفسير عروة أو الزهريِّ، ثم قال: "ولم يأت التصريح بصفة تعبُّده، لكن في رواية عبيد بن عميرٍ عند ابن إسحاق: فيطعم من يرد عليه من المساكين. وجاء عن بعض المشايخ أنه كان
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق (٧٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣٥٤)، والبزار (١٢٩٥) وغيرهم بإسناد ضعيف، وأصل القصة ثابت صحيح كما تقدم.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ١، ١/ ٧، ح ٣. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، ١/ ٩٧، ح ١٦٠.
(٣) في الأصل: "فاء"، سبق قلم.
[ ٢ / ١٢٣ ]
يتعبد بالتفكر. ويحتمل أن تكون عائشة أطلقت على الخلوة بمجرَّدها تعبُّدًا؛ فإن الانعزال عن الناس ولا سيَّما مَن كان على باطلٍ من جُمْلة العبادة، كما وقع للخليل ﵇ حيث قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
ثم ذكر مسألة تعبُّده ﵌ قبل البعثة بشرعٍ، وذكر قول مَن قال: لم يكن متعبَّدًا بشريعة نبيٍّ قبله، ثم ذكر شبهتهم "لأنه لو كان تابعًا لاستبعد أن يكون متبوعًا، ولأنه لو كان لنُقِل مَنْ كان يُنْسَبُ إليه" (^١).
أقول: الأوَّل خيالٌ فاسدٌ، وكأن قائله لم ينظر في أحوال الأنبياء الماضين ولم يعلم ما يلزم قوله من الفساد، وهو أن مَنْ أراد الله تعالى إرساله يبقى أربعين سنة غير مكلف. وأما الثاني فقد نُقِل كما علمت.
ثم ذكر القول بتعبُّده بشرع نبيٍّ قبله، وذكر الأقوال في ذلك إلى أن قال: "الثالث: إبراهيم، ذهب إليه جماعةٌ، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، إلى أن قال: "ولا يخفى قوة الثالث ولا سيَّما مع ما نقل من ملازمته للحج والطواف ونحو ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، والله أعلم" (^٢).
أقول: قد جاء عن زيد بن عمرو بن نفيل قوله: "إني خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان وكان يصليان إلى هذه القبلة" ذكره في الفتح في باب حديث زيدٍ (^٣).
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٥٠٦.
(٢) فتح الباري ٨/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٣) ٧/ ٩٧. وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٣٧٩، والفاكهي في أخبار مكة ٤/ ٨٥ - ٨٦، ح ٢٤١٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ١٠٠، ح ٥٢ من رواية عامر بن ربيعة العدوي عنه.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وفي صحيح مسلمٍ (^١) في قصَّة إسلام أبي ذرٍّ قوله: "وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﵌ بثلاث سنين"، قال ابن أخيه: "قلت: لمن؟ قال: لله، قلت: فأين توجَّه؟ قال: حيث يوجهني ربي، أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل أُلْقِيتُ كأني خِفَاءٌ" (^٢).
ففي هذا ما يدل أنه كان قد بقي من شريعة إبراهيم ما يسمى صلاة وإن لم نعلم صفتها، إلا أنه [ز ٢٥] كان فيها سجود كما تقدم في قصة زيد بن عمرو بن نفيل "ثم يسجد على راحته"، وذكره في الفتح بلفظ: "ثم يسجد على الأرض براحته" (^٣).
هذا بعض ما ورد به النقل، وفيه كفاية. وقد بان أن الله ﵎ وفَّق نبيه ﵌ قبل النبوة لما كان يلزمه، فمن ذلك ما أدركه بنظره، ومنه ما يسَّر له مَنْ ساءله فأخبره كزيد بن عمرو بن نفيل، ومنه ما نُبِّه عليه بأمرٍ غير عاديٍّ كقضية الستر. وقد كان بلغه ﵌ تبديلُ اليهود والنصارى بالتواتر وبأخبار من يثق به كزيد بن عمرو بن نفيل فأيْأسَهُ ذلك أن يجد عندهم من الحق ما يوثق به، فسقط عنه سؤالهم، مع أن الله ﷿ جنَّبه ذلك للحكمة التي نبه عليها بقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذرٍّ ﵁، ٧/ ١٥٣، ح ٢٤٧٣.
(٢) كغطاءٍ وزنًا ومعنىً، والمعنى: كأني ثوبٌ مطروحٌ. مشارق الأنوار (ج ف و) ١/ ١٦٠.
(٣) فتح الباري ٧/ ١٠٠.
[ ٢ / ١٢٥ ]