رسول الله ﵌: "ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّد رسولًا" (^١)، وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١ - ١٠٢].
وقال سبحانه: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٢ - ١٤].
فعُلِم من هذه الآيات أن فرعون وقومه كانوا عالمين مستيقنين، ولم ينفعهم ذلك لعنادهم؛ إذ لم يعترفوا ولم يُسَلِّموا ولم يرضوا. ومَنْ لا يعلم معنى (لا إله إلا الله) لا يدلُّ تسليمه ورضاه بقولها على تسليمه ورضاه بمدلولها.
ومنها: أن يكون النطق بها على وجه الالتزام، أعني: التزام أن يعمل طول عمره بمقتضاها، وألا يخالفه. وأدلَّته أكثر من أن تحصى.
[ب ٤] قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
اتَّفق المفسِّرون على أن قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلخ تفسيرٌ لقوله:
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب ١١ [مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا]، ١/ ٤٦ ح ٣٤. [المؤلف]
[ ٢ / ٩ ]
﴿كَلِمَةٍ﴾. وقال ابن جريرٍ: "وقال آخرون: هو قول "لا إله إلا الله"". ثم أسند عن أبي العالية قال: "كلمة السواء: لا إله إلا الله" (^١).
أقول: ويبيِّنه أن النبيَّ ﵌ كان يدعو إلى (لا إله إلا الله). وفي قوله تعالى في الآية: ﴿كَلِمَةٍ﴾ ما يرشد إلى ذلك.
فيتحصَّل مما ذُكِر أن قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بسطٌ لمعنى (لا إله إلا الله). وقد تضمَّن قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلخ الالتزام، فاتَّضح بذلك أن (لا إله إلا الله) تتضمَّن الالتزام، وهو المطلوب.
[٧] وقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقد فُسِّر قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ في آياتٍ أخرى.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآيات [الأعراف: ٦٤ - ٧٠]. وجاء نحو هذا في قصة صالحٍ (^٢)، وشعيبٍ (^٣)،
_________________
(١) تفسير ابن جريرٍ ٣/ ١٩٥. [المؤلف]
(٢) الأعراف: ٧٣. [المؤلف]
(٣) الأعراف: ٨٥. [المؤلف]
[ ٢ / ١٠ ]
وجاء نحوه في سورة هودٍ، ونحوه عن نوحٍ (^١).
ودلالة هذه الآيات على الالتزام واضحةٌ، وهي مفسِّرةٌ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ في الأنبياء.
فظهر من ذلك تضمُّن الكلمة الطيِّبة للالتزام، وأن المطلوب من الخلق أن يقولوها على سبيل الالتزام.
وإيضاحه: أن هذه الآيات تصرِّح بأن إرسال الرسل إلى قومهم كان لدعوتهم إلى أن يعبدوا الله ويذروا عبادة غيره، وإجابة الرسل معناها قبول ما أُرسِلوا به. ولما جُعِلَت الشهادة إعلانًا بقبول ما أُرسِل به الرسل كانت متضمِّنةً التزامَ الشاهد أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة في حديث جبريل ﵇، إذ سأل النبيَّ ﵌ عن الإيمان والإسلام، قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به" (^٢).
وفي صحيح مسلمٍ حديث عمر في هذه القصة: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله" (^٣).
_________________
(١) المؤمنون: ٢٣. [المؤلف]
(٢) البخاريّ، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل، ١/ ١٩، ح ٥٠. مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسلام ما هو؟ [وفي بعض النسخ: باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان]، ١/ ٣٠، ح ٩. [المؤلف]
(٣) صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، [باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان]، ١/ ٢٩، ح ٨. [المؤلف]
[ ٢ / ١١ ]