من الكتاب والسنة.
والمقصود أنَّ قولك: «لعلَّ لإمامي جوابًا عن هذا الدليل» لا ينجيك، ولكنه أهون من أن تَعْمِد إلى الأدلَّة المخالفة لمذهبك فتحرِّفها وتؤوِّلها وتبدلها، والعياذ بالله. هذا مع أن التقليد المجوَّز إنما هو في فروع الفقه، فأمَّا أصول الدين فلا يغني فيها التقليد المحض (^١).
/ولو جاز التقليد في أصول الدين، لكان سلف الأمة أولى بأن يقلِّدهم الناس، فإنَّ لهم مزايا يعزُّ وجودها فيمن بعدهم.
منها: قربهم من عهد النبوَّة.
ومنها: بعدهم عن التقليد لغير المعصوم. فكان الصحابة ﵃ لما علموا أن أمور الدنيا ربما يرى النبيُّ - ﷺ - رأيًا يكون غيرُه أولى منه لا يمنعهم علمهم بعظيم قدره ﵌، وتفانيهم في محبته وتوقيره، عن الإشارة عليه بخلاف رأيه. وهذا كثير في الأحاديث، وثبت في حديث جابر في شأن الجمل الذي اشتراه رسول الله ﵌ منه، قال جابر: «كنا نراجعه مرَّتين في الأمر إذا أَمَرَنَا به، فإذا أَمَرَنَا الثالثة لم نراجعه» (^٢). ومن كان له اطِّلاع على الحديث وجد المراجعة ثلاثًا موجودة في أحاديث كثيرة يكفي بعضها في تواتر هذا المعنى.
فأمَّا في أمور الدين فكانوا يعلمون عصمته ﵌ فيها فلم يكونوا يراجعونه في شيء منها إلَّا نادرًا، حيث يعلمون أنه صلَّى الله
_________________
(١) هنا انتهى ملحق ص ٤٣.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢١ ]
عليه وآله وسلَّم استند إلى اجتهاده، كما راجعه عمر ﵁ في الصلاة على ابن أبيٍّ المنافق (^١)؛ لأنَّ عمر فَهِم أنَّ النبيَّ ﵌ إنما استند في ذلك إلى رأيه. ثم كان أصاغرهم يخالفون أكابرهم في أمور الدين مع احترامهم لهم، وهكذا التابعون وأتباعهم والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة وغيرهم يخالفون أكابر الصحابة فضلًا عن غيرهم. ولم يكن يخطر ببال العالم منهم أنَّ مخالفته مَنْ تَقَدَّمَه فيها احتقار أو سوء أدب في حقِّه، بل كان أحدهم يعترف بأنَّ مَنْ فوقه أفضلُ وأعلم منه، ولا يمنعه ذلك من مخالفته إذا ترجَّح له خلافُ قوله.
ومنها: الإخلاص، فكان أحدهم إذا سئل عما لا يعلمه حقَّ العلم لم يتوقف عن قول: لا أدري، وإذا أخطأ في شيء ثم وُقِفَ عليه لم يتوقَّف عن قوله: أخطأتُ، ولا يتكلَّم في علم لم يتقِنه، بل يقول: لا خبرة [٤٤] لي بهذا العلم، ولا يبالي بأنَّ ذلك قد ينقص مكانته في قلوب الناس ويعظم مكانة غيره من معاصريه ومخالفيه. وحسبك ما كان بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين معاوية من النزاع، ولم يمنع ذلك معاوية أن يستفتي أمير المؤمنين عما أشكل عليه من الأحكام، كما في قضية الرجل الذي قتل آخر زاعمًا أنه وجده مع امرأته، وغير ذلك (^٢).
والعلوم كالصنائع، قد يكون الرجل نَجَّارًا ولا يحسن من الصنائع
_________________
(١) انظر: البخاريّ، كتاب الجنائز، باب ما يُكره من الصلاة على المنافقين ، ٢/ ٩٧، ح ١٣٦٦. وصحيح مسلمٍ، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ٨/ ١٢٠، ح ٢٧٧٤. [المؤلف]
(٢) انظر: سنن البيهقيّ، كتاب الحدود، باب الشهود في الزنى، ٨/ ٢٣١. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٢٢ ]
غيرها، ولا يمنعه ذلك أن يقال: إنه صانع ماهر، فهكذا قد يكون الرجل ماهرًا في العربية فقط كسيبويه، ولا يمنعه ذلك أن يقال: إنه عالم علَّامة إمام.
وكان أهل القرون الأولى من الورع والمعرفة بحيث إن العالم بفنٍّ لا يتعاطى الكلام في غيره، والعامَّة لا يسألون في كلِّ علمٍ إلَّا من عُرِفَتْ له الإمامةُ فيه. فكان الناس في بغداد في زمن المأمون وما بعده مَنْ أحب أن يسأل عن شيء من الحديث وفقهه سأل الإمام أحمد وأضرابه، ومَنْ أحب أن يسأل عن شيء من الرأي والقياس سأل أصحاب الإمام أبي حنيفة، ومَنْ أحبّ أن يسأل عن شيء من العربية سأل أصحاب الكسائي وأضرابهم، ومَنْ أحبَّ أن يسأل عن شيء من الورع وأمراض القلب سأل أضراب بشر الحافي وأصحابه، ومَنْ أحبَّ أن يسأل عن شي من [٤٥] المغازي والأخبار سأل أصحاب الواقدي وأمثالهم، وقس على ذلك.
وقد كان جماعة من أئمة الحديث المضروب بهم المثل إذا سئل أحدهم عن مسألة فقهية يقول للسائل: سَل الفقهاء.
ولكن في العصور الوسطى تغيَّر الحال، فكم من عارف بفنٍّ خاصٍّ تعاطى الكلام في غيره، واغترَّت العامة بشهرته فقلَّدوه في جميع العلوم.
وبالجملة فمزايا السلف كثيرة، وحسبك قول النبي ﵌: «خير أمتي القرن الذين يلوني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته».
والحديث في الصحيحين وغيرهما عن جماعةٍ من الصحابة (^١)، وفي
_________________
(١) منهم: ابن مسعودٍ ﵁. أخرج حديثه البخاريّ في كتاب الشهادات، بابٌ لا يشهد على جَوْرٍ إذا أُشْهِد، ٣/ ١٧١، ح ٢٦٥٢. ومسلمٌ ــ كما سيأتي ــ. ومنهم: عمران بن حُصَينٍ ﵁. أخرج حديثه البخاريّ في الموضع السابق، ٣/ ١٧١، ح ٢٦٥١. ومسلمٌ في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ٧/ ١٨٥، ح ٢٥٣٥. ومنهم: أبو هريرة ﵁. أخرج حديثه مسلمٌ في الموضع السابق، ٧/ ١٨٥، ح ٢٥٣٤.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ألفاظه اختلافٌ، واللفظ الذي ذكرناه لمسلمٍ في صحيحه عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ (^١).
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرها عن عرباض بن سارية ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﵌ ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مُوَدّع فأوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ٧/ ١٨٤، ح ٢٥٣٣. [المؤلف]
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٢٦. سنن أبي داود، كتاب السنَّة، بابٌ في لزوم السنَّة، ٢/ ١٦٥، ح ٤٦٠٧. سنن ابن ماجه، كتاب السنَّة (المقدِّمة)، باب اتِّباع سنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، ١/ ١٠ - ١١، ح ٤٢ - ٤٤. سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب اتِّباع السنَّة، ١/ ٤٤، ح ٩٦. جامع الترمذيّ، كتاب العلم، باب الأخذ بالسنَّة واجتناب البدع، ٢/ ١١٣، ح ٢٦٧٦، وقال: «حسنٌ صحيحٌ». والحاكم في المستدرك، كتاب العلم، «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين»، ١/ ٩٤ - ٩٨، من طرقٍ، قال في بعضها: «صحيحٌ ليس له علَّةٌ»، وقال في بعضها: «صحيحٌ على شرطهما جميعًا، ولا أعرف له علَّةً»، وأقرَّه الذهبيّ. وقد صحَّحه ابن حِبَّان أيضًا (الإحسان)، في (المقدَّمة)، باب الاعتصام بالسنَّة ، ١/ ١٧٨، ح ٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٤ ]
[٤٦] وفي سنن أبي داود وسنن الدارمي وغيرهما عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «يُفتح القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبيُّ والرجل، فيقول الرجل: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَع، والله لأقومنَّ به فيهم لعلي أُتَّبع، فيقوم به فيهم فلا يُتَّبَع، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَع، وقد قمت به فيهم فلم أُتَّبَع، لأحتظرنَّ في بيتي مسجدًا لعلي أُتَّبَع، فيحتظر في بيته مسجدًا فلا يُتَّبَع، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَعْ، وقمتُ به فيهم فلم أُتَّبَع، وقد احتظرتُ في بيتي مسجدًا فلم أُتَّبَع، والله لآتينَّهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلِّي أُتَّبَع، قال معاذ: فإياكم وما جاء به؛ فإنَّ ما جاء به ضلالة» (^١).
وفي سنن الدارمي أيضًا عن الحسن قال: «سننكم، والله الذي لا إله إلا هو، بينهما: بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي » (^٢).
وفيها أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير إذا تُرِكَ منها شيء [٤٧] قيل: تُرِكَت السنَّة » (^٣).
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب السنَّة، بابٌ في لزوم السنَّة، ٢/ ٢٧٢، ح ٤٦١١. سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب تغيُّر الزمان وما يحدث فيه، ١/ ٦٦ - ٦٧، ح ٢٠٥. [المؤلف]
(٢) سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، بابٌ في كراهية أخذ الرأي، ١/ ٧٢، ح ٢٢٢. [المؤلف]
(٣) سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب تغيُّر الزمان وما يحدث فيه، ١/ ٦٤، ح ١٩١. ونحوه في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، ذكر فتنةٍ يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، ٤/ ٥١٤ - ٥١٥. قال الذهبيّ في تلخيصه: «قلت: (خ م)»، يعني أنه على شرط الشيخين. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أقول: وهذا الموقوف له حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يُقال بالرأي.
وفي كتاب ابن وضاح (^١) عن حذيفة ﵁: «أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلَّا قليلًا، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قَدْر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشُونَّ البدع حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة ». وهذا الموقوف له حكم المرفوع أيضًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه.
ومن أعظم مزايا السلف: ما نبَّه عليه ابن الحاج (^٢) ﵀، قال ما معناه: كان في عهد السلف إذا ابتدعت العامّة بدعة قام العلماء في إبطالها، وأما علماء الخلف فإنهم إذا ابتدع أحد من العامَّة والأمراء والأغنياء بدعةً قام العلماء في الترغيب فيها والانتصار لها وتوجيهها.
أقول: وقد صدق وبرَّ، ومَن أراد من أمرائنا وأغنيائنا فليجرِّب بأن يُحْدِثَ بدعة، ثم يستعين بالعلماء والمتصوِّفين فسيجدهم أسرع ما يكون إلى الترغيب فيها وتحريف الكتاب والسنة في سبيل تحسينها وتضليل أو
_________________
(١) ما جاء في البدع ١٢٤ ح ١٦٢.
(٢) أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري القبيلي الفاسي المالكي المشهور بابن الحاج، من تصانيفه: «المدخل إلى تنمية الأعمال»، قال فيه ابن حجر: (كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدعٍ يفعلها الناس)، توفي سنة ٧٣٧ هـ. انظر: الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦. ولم أقف على هذا النقل في المدخل.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
تكفير مَن قد يتعرّض لردِّها، [٤٨] ولعلَّ الأعلم الأتقى منهم هو الذي يُلزم نفسه السكوت، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وبهذا هلكت الأمم السابقة، وقد قصّ الله تعالى في كتابه عن اليهود والنصارى ما فيه أعظم العبر.
وفي الكتب الموجودة بيد اليهود والنصارى الآن ويسمونها بالتوراة أشياء كثيرة من هذا القبيل، وأما النصرانية فمَن تتبع تاريخها منذ رفع عيسى ﵇ تبيَّن له أنه كان لا يزال في القرون الأولى عارفون بالحق، ولكنهم مغلوبون على أمرهم، وكانت العامَّة والملوك والأئمة المضلُّون يحدثون المقالات فيجدون من العلماء والرهبان مَنْ ينصرها، ويكفّر أو يضلِّل مَنْ يخالفها، وهذا حال جميع الأمم.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَنْ جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَنْ جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ» (^١).
[٤٩] وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبيِّ ﵌ قال: «لتتبعن سنن مَن كان قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله! اليهود
_________________
(١) مسلم، كتاب الإيمان، بابٌ النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٥٠ - ٥١، ح ٥٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٧ ]
والنصارى؟ قال: «فمن؟» (^١).
وروى البخاري نحوه عن أبي هريرة، وفيه: فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: «ومَن الناس إلا أولئك» (^٢).
وروى الشافعي بسندٍ صحيحٍ ــ كما في الفتح ــ عن عبد الله بن عمرٍو عن النبيِّ ﵌: «لتركَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حُلوَها ومُرَّها» (^٣).
وفي الفتح: وأخرج الطبرانيّ من حديث المستورد بن شدَّادٍ - رفعه عن النبيِّ ﵌ ــ: «لا تترك هذه الأمَّة شيئًا من سنن الأوَّلين حتى تأتيه» (^٤).
قال في الفتح: قلت: وقد وقع معظم ما أنذر به ﵌، وسيقع بقية ذلك (^٥).
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب قول النبيِّ - ﷺ -: «لتتَّبعنَّ سنن مَن كان قبلكم»، ٩/ ١٠٣، ح ٧٣٢٠. مسلم، كتاب العلم، باب اتِّباع سنن اليهود والنصارى، ٨/ ٥٧، ح ٢٦٦٩. [المؤلف]
(٢) البخاري، الموضع السابق، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، ح ٧٣١٩. [المؤلف]
(٣) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]. كذا، وليس في الفتح أنه مرفوع إلى النبي - ﷺ -. والحديث موقوف على ابن عمرو كما نصَّ عليه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١/ ١٨٦. وانظر: السنن المأثورة للشافعي ص ١٣٧ - ١٣٨ ح ٣٩٨. وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر في السنة وغيرهما.
(٤) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]. قال الطبرانيّ: «لا يُروى هذا الحديث عن المستورد إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة».انظر: المعجم الأوسط ١/ ١٠١، ح ٣١٣.
(٥) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وفي المستدرك عن حذيفة ﵁ قال: «أوَّلُ ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتُنْقَضَنَّ عرى الإسلام عروة عروة، وليصلينَّ نساء وهنَّ حيّض، ولتسلكُنَّ طريق مَن كان قبلكم حذوَ القذة بالقذة، وحذوَ النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم ولا يخطئنكم (^١)، حتى تبقى فرقتان من فرقٍ كثيرة، فتقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس، لقد ضَلَّ مَنْ كان قبلنا، إنما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٥] لا تصلُّوا إلَّا ثلاثًا، وتقول الأخرى: إيمان المؤمنين بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافرٌ ولا منافقٌ، حقٌّ على الله أن يحشرهما مع الدَّجَال».
قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، وأقرَّه الذهبيّ (^٢).
أقول: وقد وُجِدَت الطائفتان؛ فإنَّ بالهند طائفة يسمُّون أنفسهم أهل القرآن (^٣)، يقولون: إنما الواجب ثلاث صلوات أو صلاتان، وأما الطائفة الأخرى فغلاة المرجئة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعلَّ الضمير يرجع إلى الطرق المفهومة من «طريق»، ورُسمت الكلمة في المستدرك: «ولا يخطأنكم» على لغة «خَطِئ يخطأ». وفي مسند الشاميِّين للطبرانيّ ٢/ ١٠٠، ح ٩٨٧: «ولا يُخْطَأُ لكم».
(٢) المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، «أوَّل ما تفقدون من دينكم الخشوع»، ٤/ ٤٦٩. [المؤلف]
(٣) انظر رسالتي في الرَّدِّ على «شبهات القرآنيِّين» وقد طُبعت مرّتين في مجمَّع الملك فهدٍ لطباعة المصحف الشريف.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﵌ قِبَلَ حنينٍ، فمررنا بسدرةٍ، فقلت: يا نبي الله! اجعل لنا هذه ذات أنواطٍ، كما للكفار ذات أنواطٍ، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرةٍ ويعكفون حولها، فقال النبي ﵌: [٤٩ ب] «الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم».
وقال أيضًا: حدَّثنا حجَّاج، حدَّثنا ليث يعني ابن سعد، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي ثم الجندعي، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، فذكره. وفيه: فقلنا يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال ﵌: «قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، إنها السنن، لتركبن سنن مَن كان قبلكم سنَّةً سنَّةً» (^١).
وكلا السندين رجاله رجال الصحيحين، وأخرجه الترمذيّ، وقال: «حسنٌ صحيحٌ» (^٢).
وأخرج الطبرانيُّ عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ، عن أبيه، عن جدِّه، نحوه (^٣).
_________________
(١) المسند ٥/ ٢١٨ [وفي الأصل: ١١٨]. [المؤلف]
(٢) جامع الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء «لتركبنَّ سنن مَن كان قبلكم»، ٢/ ٢٧ - ٢٨، ح ٢١٨٠. [المؤلف]
(٣) المعجم الكبير ١٧/ ٢١، ح ١٣٧١٥.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وفي المستدرك «عن حذيفة: ذكروا عنده ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال رجلٌ: إنَّ هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نِعْمَ الإخوة بنو إسرائيل، إن كان لكم الحلو ولهم المرُّ. كلَّا والذي نفسي بيده حتى تحذوا السنَّةَ بالسنَّةَ حذو القذَّة بالقذَّة».
قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبي (^١).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبيِّ ﵌ قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود [غريبًا] كما بدأ، ويَأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحيَّة في جُحرها» (^٢).
وقد رُوِي نحوه من حديث ابن مسعودٍ وأنسٍ وأبي هريرة وعمرو بن عوف المزنيّ وسعد بن أبي وقَّاصٍ وغيرهم (^٣).
_________________
(١) المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، «ابن أمِّ عبد من أقربهم إلى الله وسيلةً»، ٢/ ٣١٢. [المؤلف]
(٢) مسلم، كتاب الإيمان، بابٌ الإسلام بدأ غريبًا، ١/ ٩٠، ح ١٤٦. [المؤلف]
(٣) حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه مسلمٌ في الموضع السابق، ١/ ٩٠، ح ١٤٥. وحديث ابن مسعودٍ ﵁ أخرجه أحمد ١/ ٣٩٨. والترمذيّ في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، ٥/ ١٨، ح ٢٦٢٩، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ». وحديث سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أخرجه أحمد ١/ ١٨٤. وحديث أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالكٍ ﵃ أخرجه الطبرانيّ ٨/ ١٥٢، ح ٧٦٥٩، وقال الهيثميّ: «وفيه كثير بن مروان، وهو ضعيفٌ جدًّا». مجمع الزوائد ٧/ ٥١٣ - ٥١٤. وحديث عمرو بن عوفٍ ﵁ أخرجه الترمذيّ في الموضع السابق، ٥/ ١٨، ح ٢٦٣٠، وقال: «حديث حسنٌ صحيحٌ». وانظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٩٧ و٧/ ٥٤٥ - ٥٤٧.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وأخرج الحاكم في المستدرك ــ وقال: «صحيحٌ على شرط الشيخين»، وأقرَّه الذهبيّ ــ عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﵌ قال: «يأتي على الناس زمانٌ يجتمعون في المساجد ليس فيهم مؤمنٌ» (^١).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ.
وفي فتح الباري: «قال ابن بطَّال: أعلم ﵌ أن أمَّته ستتبع المحدثات من الأمور والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرةٍ بأن الآخِرَ شرٌّ، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصَّةٍ من الناس» (^٢).
أقول: يشير [٤٩ ج] إلى الحديث المشهور: «لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ، لا يضرُّهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». وهو في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعةٍ من الصحابة ﵃، منهم: ثوبان ــ واللفظ له عند مسلمٍ ــ، وجابر بن عبد الله، ومعاذٌ، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وجابر بن سَمُرة، وعقبة بن عامرٍ، وسلمة بن نُفَيلٍ، وقرَّة بن إياسٍ، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان (^٣).
_________________
(١) المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، «يأتي على الناس زمانٌ يجتمعون في المساجد ليس فيهم مؤمنٌ»، ٤/ ٤٤٢. [المؤلف]. وهو موقوفٌ على عبد الله بن عمرٍو ﵄.
(٢) الفتح ١٣/ ٢٣٥. [المؤلف]
(٣) انظر: البخاريّ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة، باب قول النبيِّ - ﷺ -: «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين»، ٩/ ١٠١، ح ٧٣١١، [من حديث المغيرة بن شعبة]. وصحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم، ١/ ٩٥، ح ١٥٦، [من حديث جابر بن عبد الله]. وكتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ»، ٦/ ٥٢ - ٥٤، ح ١٩٢٠ - ١٩٢٥، [من حديث ثوبان، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن سَمُرة، وجابر بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وعقبة بن عامرٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ. وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، بابٌ في دوام الجهاد، ٣/ ٤، ح ٢٤٨٤، من حديث عمران بن حُصَينٍ. وجامع الترمذيّ، كتاب الفتن، باب ما جاء في الشام، ٤/ ٤٨٥، ح ٢١٩٢، من حديث قرَّة بن إياسٍ، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ». وسنن ابن ماجه، كتاب السنَّة (المقدِّمة)، باب اتِّباع سنَّة رسول الله - ﷺ -، ١/ ٥، ح ٧. والمسند ٤/ ١٠٤ و٥/ ٢٦٩، من حديث سلمة بن نُفَيلٍ وأبي أمامة]. وانظر: فتح الباري ١٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠. [المؤلف]. وهو معدودٌ في الأحاديث المتواترة. انظر: قطف الأزهار المتناثرة ص ٢١٦، ح ٨١.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قال البخاريّ في صحيحه: «وهم أهل العلم».
وقال ابن المدينيّ: «وهم أصحاب الحديث».
وقال الإمام أحمد: «إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري مَنْ هم؟»، وكذا قال يزيد بن هارون (^١).
وقد استُدِلَّ به وبغيره على عصمة مجموع الأمة، فبني على ذلك حجِّيةُ الإجماع، وفيها نزاع كثير.
وعلى كلِّ حال، فأصول العقائد إنما تُبْنَى على الحجج القطعية، وقلَّما يتفق ذلك في الإجماعات المعروفة إلَّا ما كان منها على وفق ظواهر الكتاب والسنة، كما يأتي.
بل قيل: إنَّ الإجماع ــ أي وحده ــ لا يكون حجَّةً قطعيَّةً أصلًا.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٣/ ٢٢٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٣٣ ]