الخطيب الشربيني في شرح المنهاج (^١)، وردَّه ابن قاسم بأنه لا معنى لجواز العمل في فضائل الأعمال إلا أنه يكون مطلوبًا طلبًا غير جازم، وكلُّ ما كان كذلك فهو سنَّةٌ (^٢).
[٨٥] (^٣) فصل
ومن الناس مَن يحتجُّ في هذا الأمر العظيم بمجرَّد العقل والقياس، وفي ذلك ما فيه.
أما العقل؛ فإنما يصحُّ الاستناد إليه إذا كان قاطعًا، والوجوه التي يحتجُّون بها غير قاطعةٍ، اللهم إلا ما أُشِير إليه في آية الكرسيِّ كما تقدَّم (^٤).
وليعلم العاقل أن عقله قوَّةٌ من قواه المخلوقة له، كالسمع والبصر
_________________
(١) المغني ١/ ٦٧. [المؤلف]
(٢) انظر: حواشي الشرواني على التحفة ١/ ٢٥١. [المؤلف]
(٣) من هنا تبدأ تكملة السقط في مخطوطة الحرم المكِّي (رقم: ٤٧٨١)؛ بدليل أن المؤلِّف كتب السطر الأوَّل من هذا الفصل أثناء ص (٨٤) من الدفتر الأوَّل، ثم ضرب عليه، وزاد فصلًا كاملًا استغرق سبع صفحاتٍ، وجعل هذا الفصل الذي ضرب على أوَّل سطرٍ منه بداية الدفتر الثاني من دفاتر الكتاب الذي عثرت عليه بتوفيق الله، واستمرَّ ترقيم الدفتر الثاني من حيث انتهى الدفتر الأول قبل زيادة سبع الصفحات. ولا يُشوِّشْ عليك تكرُّر الترقيم من ص (٨٥) إلى ص (٩١) في الدفتر الثاني مرَّةً أخرى؛ لأنه الموافق للأصل الأصيل قبل الزيادة، فلزم بقاؤه كما كان. ومن الأدلَّة على صحَّة موضع هذا الدفتر أنَّ المؤلِّف أحال إلى عدَّة مواضع منه، ثم وُجدت الأرقام المحالة مطابقةلأرقام الصفحات المُحال إليها، وفيها المعلومات المُشار إليها سواء بسواء.
(٤) في ص ٥٣.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
والشمِّ والذوق وغيرها. فكما أن كلَّ قوَّةٍ من هذه لها حدٌّ لا تتجاوزه، فكذلك العقل. وكما أن للحواسِّ أغلاطًا معروفةً كرؤية الواحد اثنين والصغير كبيرًا وعكسه، وَتَوَهُّمِ بعض الناس أنه يسمع كلامًا في حال أن الذين بجنبه لا يسمعون شيئًا، واستطابة الروائح الكريهة في بعض الأمراض، وطعم الماء العذب مرًّا في بعضها وطعمه كأنما مُزِجَ بالسكر بعد تناول بعض الأدوية المُرَّة؛ فكذلك للعقل أغلاطٌ أدقُّ وأخفى. وقد روي عن الإمام الشافعيِّ رحمه الله تعالى أنه قال: إنَّ للعقل حدًّا ينتهي إليه كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه (^١).
ولابن عربيٍّ الصوفيِّ في الباب الثاني والسبعين بعد أربعمائةٍ من فتوحاته (^٢):
على السمع عَوَّلْنا فكنا أولي النهى ولا علم فيما لا يكون عن السمع
وله في الباب الثامن والخمسين بعد ثلاثمائةٍ:
كيف للعقل دليلٌ والذي قد بناه العقل بالكشف انهدم
[٨٦] فنجاة النفس في الشرع فلا تك إنسانًا رأى ثم حُرِم
واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عُبَيْدٌ قد عُصِم
كلُّ علمٍ يشهد الشرع له فهو علمٌ فبه فلتعتصم
وإذا خالفه العقل فقل طَوْرَكَ الْزَمْ ما لكم فيه قَدَم
_________________
(١) توالي التأسيس في معالي ابن إدريس ص ٧٢. [المؤلف]. وانظر: مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٨٧.
(٢) ٥/ ٤٦٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والخلاصة أن العقل القاطع إذا لم يوجد فما بقي إلا الخرص والتخمين، وهو سبيل المشركين، فلا ينبغي لمسلم اقتفاؤهم فيه.
وأما القياس؛ فإنه لا يفيد القطع كما حققه الغزالي والفخر الرازي (^١) وغيرهما، ومسألتنا تستدعي الدليل القاطع. بل اختلفت الأمة في القياس أدليلٌ ظنِّيٌّ هو أم ليس بدليلٍ أصلًا؟ ومن قال بدلالته شرط له عدة شرائط، منها: ألَّا يعارض شيئًا من ظواهر الكتاب والسنة، ومنها: عدم الفارق، وقد يخفى الفارق على أكابر النُّظَّار.
وقد قال الله ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤].
وجاء عن بعض الصحابة أنه قال لمن كان ربما توقَّف في الحديث وذكر أقيسة [٨٧] تعارضه: «إذا حدَّثتك عن رسول الله ﵌ حديثًا فلا تضرب له الأمثال» (^٢). وهذا المتوقِّف من الأكابر، وإنما كان يتوقف تَثَبُّتًا لاحتمال غلط الذي أخبره بالحديث أو نحو ذلك، فقد كان إذا لم يظهر له دليل على غلط المخبر يصير إلى الحديث، ولا يبالي بما خالفه، وقد نُقِل عنه من ذلك كثير.
_________________
(١) انظر: المستصفى للغزالي ١/ ٣١ والمحصول للرازي ٥/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) رواه الترمذي في كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيَّرت النار، ١/ ١١٤، ح ٧٩، مطولًا. وابن ماجه في كتاب السنَّة (المقدِّمة)، باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ -، ١/ ١٠، ح ٢٢، مختصرًا. وفي كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء مما غيَّرت النار، ١/ ١٦٣، ح ٤٨٥، مطوَّلًا.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وقال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
هؤلاء القوم رأوا أن البيع والربا شبيهان، في كلٍّ منهما أخذ زيادة على رأس المال؛ فرأوا أن أخذ الزيادة إما أن يحرم في الموضعين، وإما أن يحلَّ فيهما، وهذا هو القياس، فردَّ الله ﷿ عليهم بأنَّ من الفرق بينهما أن الله تعالى أحلَّ أحدهما وحرَّم الآخر، أي فإن كانوا عَبِيدَه فليطيعوه ويكتفوا بذلك. وليس في هذا نفيُ أن يكون هناك فرقٌ آخر، وإنما فيه أن فريضةَ العبد طاعةُ ربه، وإن لم يفهم الحكمة.
وروى الدارميُّ عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢، ص: ٧٦] قال: «قاس إبليس، وهو أوَّل مَن قاس».
وعن ابن سيرين أنه قال: «أوَّل مَن قاس إبليس، وإنما عُبِدَت الشمس والقمر بالمقاييس» (^١).
وصدق؛ فإن عامَّة دين المشركين مبنيٌّ على المقاييس والرأي.
[٨٨] فمن ذلك: نسبتهم إلى الله سبحانه الولد، واتخاذهم بعض المقربين عنده آلهةً من دونه ليشفعوا لهم إليه.
_________________
(١) سنن الدارميّ، (المقدِّمة)، باب تغيُّر الزمان وما يحدث فيه، ١/ ٦٥، ح ١٩٥ - ١٩٦. [المؤلف]. قلت: وأثر الحسن في إسناده محمَّد بن كثيرٍ الصنعانيُّ، ومطرٌ الورَّاق، وفي كلٍّ منهما مقالٌ. أما أثر ابن سيرين ففي إسناده يحيى بن سُلَيمٍ الطائفيُّ، وهو صدوقٌ سيء الحفظ.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقال الله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وقال ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
ومن ذلك: ما أحدثوا في أعمال الحجِّ، وما حرَّموه في (^١) البحيرة والسائبة وغيرهما.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٢ / ٣١٠ ]
جاء في تفسيرها روايات يجمعها أنهم كانوا يجعلون ما سمَّوه لله تعالى أو بعضه لشركائهم ولا يعكسون، محتجِّين بأن الله تعالى غنيٌّ وشركاءهم فقراء.
ومن ذلك: قولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤].
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨].
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
وهكذا عامة ديانتهم، وسيأتي كثير من ذلك مع إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وفي تفسير الخازن عند قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ما لفظه: «قال أهل المعاني: توهَّموا أن عبادتها أشدُّ في تعظيم الله من عبادتهم إيَّاه، وقالوا: لسنا بأهلٍ أن نعبد الله، ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام؛ فإنها تكون شافعة لنا عند الله» (^١).
[٨٩] وكان من المنتسبين إلى الإسلام مَن يجحد علم الله ﷿ بالأشياء قبل كونها، دعاه إلى ذلك أنه لم يقدر على تقرير عدل الله تعالى
_________________
(١) تفسير الخازن ٣/ ١٨٠.
[ ٢ / ٣١١ ]
وحكمته مع إثبات علمه السابق ﷾. ومن الفلاسفة مَن يجحد علم الله تعالى بالجزئيَّات، زاعمين أَنهم بذلك ينزِّهونه ﷿ عن التغيُّر. وقد توسَّط أبو البركات البغدادي (^١) في كتاب المعتبر فاعترف بعلم الله ﷿ لبعض الجزئيَّات ونفاه عن الاتفاقيَّات، زاعمًا أن العقل ينفي أن يسع علم الله تعالى جميع الجزئيَّات مع كثرتها، وأن الثواب والعقاب الذي جاءت به الشرائع لا يسوِّغه العدل والحكمة إلا إذا كان الله ﷿ لا يعلم الأعمال قبل وقوعها، وحاول أن يلطِّف العبارة جهده (^٢).
وبعض المجوس قالوا بوجود قديم غير الله ﷿ هو خالق الشرِّ، أدَّاهم إلى ذلك تنزيه الله ﷿ عن الشرِّ، زعموا أنه لا يمكن تنزيهه عنه إلا بذلك القول، ومع ذلك فهم يبغضون خالق الشرِّ ويوجبون مخالفته ويقولون: إن مصيره مع مَن تبعه إلى جهنَّم، وأكثرهم يقول: إن خالق الشر وهو الشيطان مخلوق من خلق الله تعالى، ثم يتحيرون كيف يمكن أن يخلقه الله تعالى مع علمه بخبثه، حتى التزم بعضهم أنه قديم كما سبق.
وهكذا جميع أمم المشركين وطوائف المبتدعين يزعمون أنهم بشركهم أو بدعهم معظِّمون لله ﷿، حتى فرعون وقومه كما سيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى. ولعل أكثرهم كالصادقين في قصدهم، وإنما أُتُوا من قبل اعتمادهم على عقولهم وقياسهم وإعراضهم عن كتب الله ورسله فلم يقنعوا
_________________
(١) هبة الله بن علي بن ملكا البلدي، أبو البركات البغدادي، العلامة الفيلسوف، شيخ الطب، أوحد الزمان، كان يهوديًّا ثم أسلم، من تصانيفه: المعتبر في الحكمة (أي المنطق والفلسفة)، توفي عام نيِّفٍ وخمسين وخمسمائة. انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٣٧٤ - ٣٧٦، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤١٩.
(٢) انظر: المعتبر ٣/ ٩٣ - ٩٩، ١٨٧ - ١٩٥.
[ ٢ / ٣١٢ ]
بما جاءت به الرسل ويسلِّموا له ويدَعوا خَرْصَهم وتخمينَهم وأهواءَهم وظنونَهم.
[٩٠] ولقد بلغ الاعتماد على العقل والقياس بل الخرص والتخمين بكثير من نظار المسلمين إلى أن زعموا أن كثيرًا من آيات الكتاب وكثيرًا من الأخبار الثابتة عن الرسول ﵌ مصروفة عن ظواهرها بدون قرينة تمنع المخاطَبين عن فهم الظاهر، بل صرَّحت طائفة بأن الله تعالى ورسوله قصد من المخاطَبين أن يفهموا ذلك الظاهر المخالف للحقيقة، فقيل لهم: فهذا كذب، فأجابوا أن الكذب للمصلحة جائز على الله تعالى وعلى رسله. فيقال لهم: فإن كثيرًا من تلك الآيات والأحاديث لا ملجئ إلى الإخبار بها على ظاهرها، ولا تتوقف على ذلك مصلحة ضرورية على فرض أن ظاهرها غير مراد، وقد تكرَّرَتْ وكَثُرَتْ وتضافرت إلى حدٍّ يقْطَع مَنْ تأمّله بأنه لا يمكن أن تكون إنما أُتي بها على تلك الصفة للضرورة التي زعموها.
ولهذا ذهب بعض أئمة الفلسفة من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن الرسل مصلحون فقط، ولا علم لهم بالحقائق الغيبية والدقائق العقلية. قالوا: فالفيلسوف أعلم من الرسول، وسموا الأنبياء: فلاسفة العامة، والفلاسفة أنبياء الخاصة، فلم يتحاش أحدهم أن يقول: أنا أعلم بالله من أنبيائه ورسله، بل ويقول بعضهم: أنا أعلم بالله من نفسه، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
وإذا تتبعت كلامهم وجدتهم يزعمون أنه ما أدَّاهم إلى تلك الأقوال إلا تنزيه الله ﷿ وتعظيم رسله. والله المستعان.
[ ٢ / ٣١٣ ]