[٦٥] فصل
وأما القسم الثاني من الغرائب: فيقع بكسب الإنسان وتَسَبُّبه، وقد تُسمَّى خوارق؛ لخفاء أسبابها وجهل غالب الناس بها.
فمنها: الشعبذة، وهي: عبارة عن أعمال تُظَنُّ أوَّلَ الأمر خارقة، فإذا عُرِفَتْ أسبابُها تبين أنها حِيَلٌ بمعونة خاصيَّةٍ يجهلها أكثر الناس، أو خفَّة اليد وسرعة الحركة إلى حدٍّ لا يثبته الناظر، أو بآلة يخفيها المشعوذ، أو عملٍ خفي قد أعدَّه من قبل، أو مساعدة شخص آخر مختبئٍ أو ظاهرٍ، والنظَّارة (^١) لا يحسبون له علاقة بالمشعوذ، أو غير ذلك.
وللمشَعْبِذ مهارةٌ في تغليط النظارة، وصرف ظنونهم وأبصارهم إلى غير ما يريده.
[٦٦] (^٢)
وقريب من الشعبذة ما يسمى الآن بالألعاب الرياضية، كرفع
_________________
(١) النَّظَّارة هم القوم ينظرون إلى الشيء. انظر: المعجم الوسيط، ص ٩٢٣.
(٢) من منتصف ص ٦٥ إلى آخرها مع ثلاثة أسطر من ص ٦٦ كلامٌ مضروبٌ عليه وهو: (وبالجملة، فالشعبذة في الأعمال كالتعمية والإلغاز في الكلام، كقولي: والله الذي لا إله إلا هو إني أستطيع أن أخطو خطوة واحدة تكون إحدى رجليّ في الهند والأخرى في صعيد مصر، وأشير عند الكلام إشارات تناسب المقام. فكلُّ مَنْ عَلِم بُعْدَ ما بين الهند وبين مصر وصعيدها يعلم أن قطع ذلك بخطوة واحدة محال، وإذا سمعني أُقْسِم على ذلك، وهو يعلم أني مسلم متحرِّز عن إظهار الكذب والفجور عَلِمَ أني لا أحلف إلا على صدق، فيتحيَّر في ذلك، فإن كان يظن بي القدرة على خرق العادة صدَّقني على ظاهر قولي، وإن أساء بي الظن كذَّبني بلا تأمُّل. والعاقل الفَطِن: الذي يتأمَّل كلامي، فإن ظَفِر له بمحمل صحيح يخرجه من المعنى المحال عرف أنه المقصود، وإلا قال: لا بدَّ له من محمل صحيح غير ما يتبادر منه، ولم يتردَّدْ في أن المتبادر من ذلك الكلام أمر محال، وأني إن أردت ظاهره فأنا كذَّاب دجَّال). [المؤلف] إلى هنا انتهى الكلام المضروب عليه، لكن المؤلف قد عاد ووضع كلمة (صح) أربع مرات فوق آخر سطرين.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الأثقال العظيمة، والمشي على سلك دقيق ممدود بين جدارين، أو نحوها، والإمساك عن التنفس مدة طويلة، وغير ذلك مما لا يستطيع الإنسان فعله ابتداء، ولكن أصحابه تمرَّنوا عليه زمانًا حتى سَهُلَ لهم.
ومن هذا القبيل: الإمساك عن الأكل مدة طويلة، وتناول بعض السموم، وإدخال حديدة في موضعٍ خاصٍّ من البدن.
وقد رأيت فقراء يزعمون أنهم رفاعية زعموا أنهم يأتون بالخوارق، فكان أحدهم يُدخل حديدة في طرف عينه اليمنى ثم يرفع بها حدقته رفعًا يسيرًا، وهذا عمل بسيط، وهو يأبى أن يغرز الحديدة في نفس الحدقة أو يبرز الحدقة أكثر مما كان يبرزها. فأخبرناهم أن هذا ليس بشيء، فتقدَّم آخر وجعل يجذب جلد بطنه ثم يغرز فيما انجذب من الجلد مسلّة (^١)، ولكنه يأبى أن يغرزها في حشاه بحيث تخرق الصِّفاق (^٢)، بل يأبى أن يغرزها في موضع آخر من جلده. ثم تقدَّم الثالث ــ وكان أهمَّهم ــ[٦٧] فأبرز حنجرته وحلقومه إلى الأمام إبرازًا فاحشًا، ثم غرز حديدة في جانب عنقه الأيمن، ومرت وراء الحلقوم حتى نفذت من الجانب الأيسر، ولكن لحقته صعوبة شديدة وساعده أصحابه وبعد نفاذها سال دم وتأَلَّم الرجل. وحاول أصحابه أن يكتموا ذلك ولكن كان ظاهرًا، فقيل لهم: إن كان هذا كرامة فَلِمَ هذا
_________________
(١) هي بمعنى الإبرة.
(٢) الصِّفاق: غشاء ما بين الجلد والأمعاء. انظر: المعجم الوسيط، ص ٥١٧.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
العناءُ كلُّه؟ فزعموا أنه كان في النَّظَّارة امرأة حائض!
وسئلوا: هل يمكن هذا أن يغرز حديدة في بطنه أو في ثغرة نحره أو غير ذلك؟ فأجابوا: أنه ليس له إجازة في غير ما فعل.
وفي اليمن فقراء كثيرون هذه صناعتهم. أن يطوفوا البلاد للسؤال، ويعملون بعض أعمالٍ. يوهم أحدهم أنه يغرز الحديدة في عينه أو في حلقه أو بطنه أو نحو ذلك، ويوهم الناس أنه يتحامل على الحديدة بأقصى قوَّته، وتتمُّ حِيَلُهُم على النساء والصبيان ونحوهم، ومنهم من يضرب كتفه بالسيف، ولكنه يقيس قوَّة يده بالضرب بقدر أن يدنو السيف من كتفه أو يلامسه ملامسة خفيفة، وقد يجاوز بعضهم هذا إلى حدِّ أنه يشق أعلى الجلد فيسيل الدم.
والحاصل: أن العاقل إذا تأمَّل صنيعهم، وأمعن النظر تبين له أن عملهم كله مغالطة.
[٦٨] ومن الغرائب ما يكون عن قوة غريبة للنفس، فأشهر ذلك الإصابة بالعين، وقد تكون قوة الإصابة بالعين اكتسابية.
قال في شرح المقاصد: «وقالوا: إن كان العين في بني أسد (^١)، وكان الرجل يتجوَّع ثلاثة أيام فلا يمرُّ به شيء يقول فيه: لم أر كاليوم؛ إلّا عانه» (^٢).
وفوق الإصابة بالعين درجات كثيرة تكتسب بالرياضة، فإنه كما أن القوى الجسمية يمكن تربيتها بالرياضة حتى تصير للمرتاض قوَّة لم تكن له من قبل ولا تكون لغير المرتاض، كما مرّ في الشعبذة والألعاب، فكذلك
_________________
(١) كذا في الأصل بتذكير العين وحذف اللام الفارقة من الخبر.
(٢) شرح المقاصد ٢/ ٢٠٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٥٦ ]
القوى النفسية يمكن تربيتها بالرياضة المختصة بها. وهذا الأمر معروف من القِدَم بين اليونان وأهل الهند والصين وغيرهم.
والفلاسفة القدماء فريقان:
فريق يذهبون إلى اكتساب العلوم والمعارف بإعمال العقل والفكر، ويقال لهم: المشَّاؤون.
وفريق يذهبون إلى اكتسابه برياضة النفس وترقيتها، ويقال لهم: الإشراقيون.
قال غير واحد: فالمشَّاؤون كالمتكلمين من المسلمين، والإشراقيون كالمتصوِّفين.
وفي رسائل ابن سينا وغيره كثير من طريق الإشراقيين، ويسميها هو تصوفًا.
وقال البيروني (^١): إن اشتقاق التصوف من كلمة يونانية هي سوفا، ومعناه: الحكمة، ومنها قيل: فيلسوف، وأصله باليونانية فيلا سوفا، أي: محبّ الحكمة، فعُرِّبت هذه الكلمة بالصاد، ونسب إليها الصوفي (^٢).
أقول: واعلم أن أهل الرياضة من الأمم تختلف أغراضهم، فالحكماء
_________________
(١) هو أبو الريحان أحمد بن محمد -وقيل محمد بن أحمد- الخوارزمي العلامة المنجم الطبيب، اللغوي، من مؤلفاته: «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، توفي سنة ٤٤٠ هـ. انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء ٢/ ٢٠ - ٢١، ومعجم الأدباء ١٧/ ١٨٠.
(٢) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ص ٢٤.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
إنما يقصدون أن تصفو أنفسهم، وتنكشف لهم بعض الحقائق الكونية والمعارف الربانية، رغبة في العلم والمعرفة، [٦٩] فإذا حصلت لهم قوى غريبة لم يأنسوا بها، ولا يلتفتون إلَّا إلى ما يرونه معينًا لهم على مطلوبهم. ولكنَّ كثيرًا من الناس إنما يرتاضون طلبًا لتحصيل القوة الغريبة، ومنهم من يكون نيته أوَّلًا تحصيل المعرفة، ولكن إذا حصلت له القوة الغريبة اغترّ بها وعكف عليها.
وأساس هذه الرياضات عندهم الجوع والسهر والعزوبة والخلوة وقطع الشواغل وجمع الفكر في شيء واحد، وأن لا يأكل روحًا ولا ما خرج من روح، كالبيض، والسمن، واللبن، وغير ذلك، وإتعاب الجسد وأعمال أخرى لها قواعد مخصوصة عندهم كرياضة التنفُّس، فينظِّم الطالب تنفُّسه على كيفية مخصوصة يواظب عليها حتى تصير له عادة. ومنها: أن يوجِّه همته عند استنشاق الهواء إلى أن يمرَّ به على طريق مخصوص يمرُّ على أعضاء مخصوصة، وغير ذلك.
ثم إنهم يزيدون على هذا المقدار أشياء تناسب غرض الطالب وعقيدته، فمن كان غرضه تحصيل المعرفة وتصفية النفس يضيف إلى ذلك المحافظة على الشريعة التي يعتقدها حقًّا، فالصابئة يضيفون تعظيم الكواكب ودعاءَها والتبخير بالبخورات الخاصة وغير ذلك، والوثنيون تعظيمَ الأصنام [٧٠] والعكوف عليها، ونحو ذلك؛ وهكذا كل فريق بحسب اعتقاده.
ومن كان غرضه تحصيل القوة الغريبة فإنه يقتصر على ما يظنه كافيًا في تحصيلها، حتى إن منهم مَنْ يستعجل حصول تلك القوة ويرى أنها لا تحصل له إلا إذا أصلح نيته، ولكنه قد يحصل له مثلها بمعونة الشياطين،
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فيسعى في الأعمال الخبيثة في اعتقاده، ويبالغ فيها، فربما حصل له شيء من القوة بسبب الرياضة إن كان ارتاض، ولكنه يظنها ما حصلت له إلا بتلك الأعمال الخبيثة، وأنه إن ترك تلك الأعمال سُلِبَ تلك القوة.
ومنهم من تستولي عليه الشياطين حقيقة، فيساعدوه (^١) على بعض ما يريد ليطيعهم، ويعمل على تطويع الناس لهم، والعياذ بالله.
والمقصود أن حصول تلك الآثار إنما هو في الغالب نتيجة لما قدَّمنا ذكره من الجوع والسهر ونحوهما، فإذا صَحِبَ ذلك نوعٌ ما مما يراه المرتاض عبادة فإنما يساعد على حصول تلك الآثار من حيث هو رياضة. ولذلك لا يختص حصول تلك الآثار بدين من الأديان، ولكن الناس لجهلهم بالأسباب الحقيقية يستدلون على صحة الدين بحصول تلك الآثار للمرتاضين العاملين به، بل قد يستدل المرتاض نفسه بذلك، وهو خطأ كما علمتَ. والله أعلم.
[٧١] واعلم أن هذه الرياضة ليست بمذمومة على الإطلاق، فقد جاء الإسلام بالنهي عن الإسراف في الأكل والشرب، وبمشروعية الصيام، وقيام الليل، والتفكر، والاعتكاف، وغير ذلك مما يتضمن طرفًا من الرياضة وإن لم تكن الرياضة هي المقصود من ذلك، على أنه لا يبعد أن تكون مقصودة في الجملة.
وعلى كل حال فإن القدر الذي تضمنته العبادات المشروعة في الإسلام من الرياضة مفيد في تهذيب الأخلاق، وتقوية العزم، وتصفية النفس، وغير
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ذلك إلى حدٍّ لا يبلغ القوى الغريبة. بل جاءت أحاديث كثيرة في النهي عن الغلوِّ في العبادات؛ فثبت النهي عن مواصلة الصوم، وعن صوم الدهر، وعن قيام جميع الليل أبدًا، وأخرى في النهي عن الغلو، وعن التشديد على النفس ومجاوزة ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ على عهده. فكان الصحابة ﵃ وعامَّة التابعين واقفين عند الحدود الشرعية في ذلك، ولكنه بعد ذلك نشأ أفرادٌ لهم رغبة في الخير وفي عبادة الله ﷿، يتأوّلون ما ثبت عن الشارع من النهي عن الزيادة في العبادات بأن ذلك كان شفقة منه على الناس لئلا يشق عليهم، أو خشية أن يكون الإمعان في العبادة داعيًا إلى السآمة والملل، أو لئلا تضعف أجسامهم عن الجهاد والعمل في إعزاز الإسلام، ونحو ذلك من التأويلات.
وربما بالغ بعضهم [٧٢] في العبادات ونحوها مما ورد في الشرع استحبابُ طرفٍ منه، حتى يبلغ بهم الحالُ إلى مشابهة أهل الرياضات، كما كانوا يبالغون في تجويع أنفسهم؛ لأنهم لا يجدون طعامًا حلالًا صِرْفًا لا شبهة فيه، وفي مناقب الزهاد أشياء من ذلك. وفي القرن الثاني والثالث بدأ هؤلاء المبالغون يذكرون أن للجوع فائدة في تصفية النفس.
ثم اطَّلع المسلمون على فلسفة اليونان ووجدوها على طريقين: إعمال العقل، ورياضة النفس؛ فنقلوا ذلك وعملوا به.
وقد عورضوا في الأولى معارضة شديدة يعلمها من له إلمام بتاريخ الإسلام.
وأما الثاني فلم يَلْقَ كبيرَ معارضة؛ لأن أصحابه ألحقوا كلَّ طَرَفٍ منه بما يشابهه في الإسلام، وقد قدَّمنا أن الإسلام تضمَّن طرفًا من الرياضة، وأن
[ ٢ / ٢٦٠ ]
بعض الراغبين في الخير بالغوا في ذلك. ولم تبق على الناقلين صعوبة إلا في بعض الأمور؛ كالعزوبة، وأن لا يأكل من روح ولا ما خرج من روح، ورياضة التنفس، فألحقوها بالإسلام بضربٍ من التَّمَحُّل، فقالوا: إن الزواج يشغل عن أداء الحقوق، ويحمل على الحرص على الدنيا من حلِّها وغير حلِّها، ولا سيَّما على أمثالنا من الضعفاء، فأما النبي ﵌ وأصحابه فكانت عندهم قوة ليست عندنا، وذكروا حديثًا نسبوه إلى النبي ﵌: «خيركم بعد الـ (^١) مَن لا زوجة له ولا ولد».
وأما منع الأكل من روح أو ما خرج من روح فاستشهدوا له بما نقل عن عمر ﵁ أنه قال: إن لهذا اللحم ضراوة كضراوة الخمر (^٢)، [٧٣] وغير ذلك.
وأما رياضة التنفس فاخترعوا لها نوعًا من الذكر بقولهم: (هو الله، الله
_________________
(١) كذا في الأصل. ولعلَّه أراد حديث: «خيركم في المائتين كلُّ خفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد». أخرجه أبو يعلى في مسنده - كما في إتحاف الخيرة المهرة ٤/ ٣، ح ٣٥٨٤ - وغيره، من طريق روَّاد بن الجرَّاح عن سفيان الثوريّ، ولم يتابَع عليه. ولذلك قال أبو حاتمٍ: «باطلٌ»، وقال مرَّةً: «منكرٌ». انظر: العلل س ١٨٩٠ و٢٧٦٥. وقال الدارقطنيّ: «تفرَّد به روَّادٌ، وهو ضعيفٌ». انظر: العلل المتناهية ٢/ ١٤٦ - ١٤٧، ح ١٠٥١ - ١٠٥٢. وقال السخاويّ: «وعلَّته روَّادٌ، ولذا قال الخليليّ: ضعَّفه الحفَّاظ فيه وخطَّؤوه. انتهى. فإن صحَّ فهو محمولٌ على جواز الترهُّب أيَّام الفتن. وفي معناه أحاديث كثيرةٌ كلُّها واهيةٌ». المقاصد الحسنة ص ٢٠٣، ح ٤٥٢. وقال الألبانيّ: «باطلٌ»، وقال أيضًا: «موضوعٌ». انظر: السلسلة الضعيفة ٨/ ٧١، ح ٣٥٨٠، ضعيف الجامع الصغير ح ٢٩١٩.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥ ح ٢٧٠٢، وأبو داود في الزهد (٤٧)، وغيرهما.
[ ٢ / ٢٦١ ]
هو)، على نظام مخصوص، واخترعوا بدل جمع الهمة وحصر الفكر في شيء معيّن حصر المريد هَّمته في تصوُّر الشيخ، ونحو ذلك.
واعلم أن العاملين بالرياضة من المسلمين على أقسام:
فقسم منهم يرى أنها علم من العلوم، وصناعة من الصنائع، تختلف أحكامها في الشريعة باختلاف الغرض منها. فمَنْ كان غرضه منها تهذيب نفسه وتقوية إدراكه وتحصيل قوة يستعين بها على معرفة ربِّه فلا بأس بها عند هؤلاء. ومَنْ كان غرضُه تحصيلَ قوة يستعين بها على أغراضه الدنيوية من الجاه والشهرة ونحو ذلك فهي وبال عليه.
وقسم منهم تَوَهَّم أنها عبادات، إما بناء على ما تقدّم من أن الشريعة جاءت بشيء مما يشبهها، وأن أفرادًا من الراغبين في الخير بالغوا في ذلك إلى أن قربوا منها. وإما استنادًا إلى كلام المتأخرين من المتصوفين الذين يزعمون أن تلك الأعمال عبادة إسلامية بدون تأويل.
وقسم ليس لهم اعتقاد ثابت في الشريعة، ورأوا أن هذه الرياضة طريقة من طرق الحكماء تُوْصِل إلى زيادة المعرفة والقوة الغريبة، ولكنهم يراؤون الناس بزعم أنهم يعتقدون [٧٤] أنها عبادة. ثم لما كان مقرَّرًا عند جمهور الأمة أن الله ﷿ يكرم صالحي عباده بأن يخرق لهم العادة أحيانًا، وقد نقل شيء من ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، وكان أكثر الناس يجهلون أن الرياضة من شأنها ترقية قُوَى الناس إلى حدِّ الغرائب= صاروا يسمُّون كلَّ ما يظهر أو ينسب إلى المرتاضين من الغرائب: كراماتٍ، مع أنها محتملة لذلك، ومحتملة أن تكون من آثار الرياضة. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وقد قال الصوفية أنفسهم بأن السالك يمر على مرتبة السحر العال (^١) يكون صاحبها بحيث لا يريد شيئًا إلا كان في الحال، وأنه إن وقف عليها هلك. ذكره غير واحدٍ، منهم: عبد الكريم الجيليّ (^٢) في «الإنسان الكامل»، في الباب السادس والثلاثين (^٣)، وفي كتب الغزاليّ نحو ذلك.
ومن الغرائب ما يكون بمساعدة الشياطين، إما لمشاكلة بينهم وبين نفس ذلك الإنسان، كابن صَيَّاد الثابتة قصته في الصحيحين وغيرهما (^٤).
وإما بسعي ذلك الإنسان فيما يرضي الشياطين حتى يساعدوه، كما في كُهَّان العرب. وكان في زمن الحجاج رجل يقال له عبد الله بن هلال، ويلقَّبُ «صديق إبليس»؛ كان يعمل الغرائب، وكان يترك صلاة العصر إرضاء لإبليس حتى يساعده (^٥).
_________________
(١) كذا في الأصل بحذف ياء المنقوص، وفسَّره الجيليّ في الإنسان الكامل (١/ ٧١) بأنه شيءٌ يشبه الكرامات، قال: «لأنه بلا أدويةٍ ولا عملٍ ولا تلفُّظٍ بشيءٍ، بل بمجرَّد قوىً سحريَّةٍ في الإنسان تُجْري الأمور على حسب ما اقتضاه الساحر».
(٢) عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي القادري، قطب الدين، صوفي، من تصانيفه الكثيرة: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلَّى لأهل الذكر من الأنوار لابن عربي، توفي سنة ٨٣٢ هـ. الأعلام ٤/ ٥٠ - ٥١ ومعجم المؤلفين ٥/ ٣١٣.
(٣) ١/ ٧١.
(٤) انظر: البخاريّ، كتاب الجهاد والسير، بابٌ كيف يعرض الإسلام على الصبيّ؟ ٤/ ٧٠ - ٧١، ح ٣٠٥٥. وصحيح مسلمٍ، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صيَّادٍ، ٨/ ١٨٩ - ١٩٤، ح ٢٩٢٤. [المؤلف]
(٥) انظر ترجمته في: لسان الميزان [٣/ ٣٧٢ - ٣٧٤]. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦٣ ]