وكثير من الناس في الهند وغيرها في عصرنا هذا يسلكون هذه الطريقة، أي التقرب إلى الشياطين.
وإما لقصد الشياطين أن يُضِلُّوا ذلك الإنسان ويُضِلُّوا به، وقصة الشيخ عبد القادر الجيلي ﵀ وتعرُّض الشيطان له مشهورة، وأشباهها كثيرة.
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار (^١): حدثني محمد بن داود، قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم في الرجل يرى الضوء في الليل قال: هو من الشيطان، لو كان فضلًا لأوثر به أهل بدر.
وعن السلف آثار أخرى في هذا المعنى، كما روي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ وغيرها، من قولهم لِمَنْ يُصْعَقُ عند سماع القرآن: من الشيطان، وغير ذلك (^٢).
وفي مقابلها آثار كثيرة عن التابعين فمن بعدهم في تحسين الظنِّ بمن ظهر على يده شيء من الغرائب، وكان واقفًا عند حدود الله تعالى، متحقِّقًا بالكتاب والسنة، بلا تحريف ولا تأويل يخالف به العلماء. والله أعلم.
فأما السحر، فمنه ما يكون بالرياضة، ومنه ما يكون بالتقرُّب من الشياطين، ومنه ما يكون بغير ذلك، وسنتكلم عليه في ما يأتي إن شاء الله.
[٧٥] فصل
واعلم أن الخوارق والغرائب متقاربة يلتبس بعضها ببعض غير أن المعجزة تمتاز بما قدمنا، وكذلك الإهانة ممتازة كما مرّ.
_________________
(١) ٤/ ٣٠١. [المؤلف]
(٢) انظر: سنن سعيد بن منصور، كتاب فضائل القرآن ٢/ ٣٣٠ ح ٩٥، وانظر آثارًا أخرى في هذا المعنى في الدر المنثور ٧/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فأما الكرامة فذكر أهل العلم أنها تمتاز بوقوعها على يد المسلم العالم بالشريعة العامل بها.
قال الشعراني في كتابه «تنبيه المغترِّين»: «من أخلاق السلف الصالح ﵃ ملازمة الكتاب والسنة كلزوم الظلِّ للشاخص، ولا يتصدَّر أحدهم للإرشاد إلا بعد تبحره في علوم الشريعة المطهرة بحيث يطلع على جميع أدلة المذاهب المندرسة والمستعملة، ويصير يقطع العلماء في مجالس المناظرة بالحجج القاطعة أو الراجحة الواضحة، وكتب القوم مشحونة بذلك، كما يظهر من أقوالهم وأفعالهم.
وقد كان سيد الطائفة الإمام أبو القاسم الجنيد ﵁ يقول: كتابنا هذا ــ يعني القرآن ــ سيد الكتب وأجمعها، وشريعتنا أوضح الشرائع وأدقُّها، وطريقتنا ــ يعنى طريق أهل التصوف ــ مشيدة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويحفظ السنة ويفهم معانيها لا يصح الاقتداء به.
وكان ﵁ يقول: ما نزل من السماء علم وجعل الله لغير [٧٦] نبيٍّ إليه سبيلًا إلا وجعل لي فيه حظًّا ونصيبًا.
وكان ﵁ يقول لأصحابه: لو رأيتم رجلًا قد تربَّع في الهواء فلا تقتدوا به حتى تروا صنعه عند الأمر والنهي، فإن رأيتموه ممتثلًا لجميع الأوامر الإلهيّة مجتنبًا لجميع المناهي فاعتقدوه واقتدوا به، وإن رأيتموه يخلُّ بالأوامر ولا يجتنب المناهي فاجتنبوه. انتهى» (^١).
وفي الأنوار: «ومن ادَّعى الكرامات لنفسه بلا غرض ديني فكاذب
_________________
(١) تنبيه المغترين ص: ٦. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦٥ ]
يلعب به الشيطان» (^١).
وقال الشاطبي: «وقال أبو يزيد البسطامي: لو نظرتم إلى رجل أُعْطِيَ من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة» (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على غزوة الرجيع من فتح الباري: «ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدلّ على أنّ من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله؛ فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحرٍ وكاهن وراهب، فيحتاج مَنْ يستدلُّ بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارقٍ، وأولى ما ذكروه أن يُخْتبر حالُ مَنْ وقع له ذلك، فإن كان متمسِّكًا بالأوامر الشرعية كان ذلك علامة ولايته، ومَنْ لا فلا» (^٣).
أقول: والتمييز بين الكرامة والابتلاء والغرائب التي قدَّمناها صعب جدًّا، كثيرًا ما يشتبه على من جرت الواقعة على يده فضلًا عن غيره. وأقصى ما يمكن: أن تمتحن تلك الواقعة مع النظر في جميع ما يتعلق بها، وتوزن بالكتاب والسنة، فإن وُجِد فيها مخالفةٌ ما لظاهرٍ من ظواهر الشريعة كان الظاهر أنها ليست بكرامة، وإلا كانت محتملة.
وهذا ــ والله أعلم ــ مراد الجنيد وأبي يزيد. فأما أمرهما بالاعتقاد والاقتداء فإنما ذلك لكون ذلك الرجل عالمًا عاملًا [٧٧] بحسب الظاهر،
_________________
(١) نقله ابن حجر ص: ٥٤ وأقرّه في الإعلام [بهامش الزواجر ٢/ ١٦١]. [المؤلف].
(٢) الاعتصام ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٣) فتح الباري ٧/ ٢٦٩. [المؤلف]
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ومن كان كذلك كان أهلًا أن يُعْتَقَد فيه ويُقْتَدى به وإن لم يظهر على يده شيء، فظهور تلك الواقعة مع سلامتها عن الدلالة على مخالفته للشريعة إن لم يزده لم ينقصه، فتدبَّرْ.
وعلينا إذا رأينا مَنْ ظهر على يده شيء من ذلك، وهو معتصم بالشريعة واقف عند حدودها، ولم يتعاط شيئًا من أسباب الغرائب، أن نظن تلك الظاهرة كرامة، وهذا مجرد ظن لا يكون حجة على القطع بأنه وليٌّ لله تعالى.
وقد تقدّم في الطريق الثالث (^١) ما فيه كفاية، والحمد لله.
[وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند النبي ﵌ فقال: «ويحك قطعت عنق صاحبك»، يقولها مرارًا: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكِّي على الله أحدًا» (^٢).
وفي صحيح البخاريِّ وغيره حديث سعد بن أبي وقاص وقوله في رجل: إنه لمؤمن، فقال النبي ﵌: «أو مسلم»، الحديث (^٣).
_________________
(١) لعله يشير إلى استناد بعضهم إلى تقليد الصوفية المعتَقَد فيهم العصمة.
(٢) البخاريّ، كتاب الأدب، باب ما يُكرَه من التمادح، ٨/ ١٨، ح ٦٠٦١. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراطٌ، ٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨، ح ٣٠٠٠. [المؤلف]
(٣) البخاريّ، كتاب الإيمان، بابٌ إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ١/ ١٤، ح ٢٧. [المؤلف]. وهو في صحيح مسلمٍ، كتاب الإيمان، باب تألُّف مَن يُخاف على إيمانه، ١/ ٩١، ح ١٥٠.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وحديث الأنصارية التي قالت في عثمان بن مظعون بعد وفاته: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﵌: «وما يدريكِ أن الله أكرمه؟» الحديث. وفيه: «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به» (^١).
وفي مسند أحمد وغيره عن شقيق، ومسروق، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن من أصحابي مَنْ لا يراني بعد أن أفارقه»، فبلغ عمرَ ﵁، فجاء عمرُ فدخل عليها فقال لها: بالله منهم أنا؟ فقالت: لا، ولن أبرِّئ أحدًا بعدك (^٢)] (^٣).
[٧٨] وبالجملة، الأدلة في هذا كثيرة، وحاصلها: النهي عن القطع، فأما الظن وما يتبعه من الثناء المبني على الظاهر بدون نصٍّ على القطع، فلا حرج فيه. وإذا ظننا في إنسان أنه وليٌّ لله تعالى بما ظهر لنا من علمه وعمله، واستقامته على الصراط الشرعي؛ فلا يلزم من ذلك أن نجعل قوله حجة؛ لأن ولايته لم تثبت بالقطع، ولو ثبتت فهي لا تقتضي العصمة.
وقد سئل الجنيد: أيزني العارف؟ فسكت قليلًا، ثم قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (^٤).
وهب أننا ظننا برجل أنه معصوم أو كالمعصوم، فإنما ذلك عن التعمُّد، فأمَّا عن الخطأ فلا شبهة في عدم عصمته؛ إذ لا تمنعه تقواه وورعه أن يخطئ
_________________
(١) البخاريّ، كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات، ٣/ ١٨٢، ح ٢٦٨٧. [المؤلف]
(٢) المسند ٦/ ٢٩٠، وص ٢٩٨، وص ٣٠٧، وص ٣١٢، وص ٣١٧. [المؤلف]
(٣) ما بين المعقوفتين رأينا عليه خطًّا معترضًا، يحتمل أن يكون للضرب عليه.
(٤) انظر: الرسالة القشيرية ص ١٨٧.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فيقول أو يعمل ما يظنه حقًّا وهو في نفس الأمر باطل. وكذلك لا يمنعنا اعتقاد أنه أخطأ مِنْ حُسْنِ الظن به، وظنِّ أنه كان صالحًا فاضلًا أو وليًّا لله ﷿؛ فإن المجتهد إذا أخطأ لم يأثم، بل هو مأجور، كما ورد في الحديث (^١)، وأشار إليه القرآن في قصة داود وسليمان، فقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
واعلم أن كثيرًا من مسائل العقائد لا تخرج عن هذا؛ فإن كثيرًا من الأعمال والأقوال يُعَدُّ كفرًا، ومع ذلك يُنْقل شيء منه عن بعض الأكابر، ولا يمنع ذلك من اعتقاد فضلهم وصلاحهم وولايتهم؛ فإن إنكار آية من القرآن كفر، ومع ذلك فقد قال ابن مسعودٍ ﵁: إن المعوذتين ليستا من القرآن، ولم يقدح ذلك في جلالته، لما كان له من العذر. وأمثلة ذلك كثيرةٌ، لعلَّنا نفرد لها فصلًا، وقد قدَّمنا (^٢) ما يتعلَّق بهذا.
وحاصله: أنه ليس كل ما ثبت في العمل أنه كفر أو شرك ثبت أن كلَّ مَنْ عَمِله يكون كافرًا أو مشركًا، بل ربما يكون العمل كفرًا أو شركًا ويكون بعضُ عامليه من أولياء الله ﷿؛ لأنه كان معذورًا في عمله.
وبهذا يندفع عنك ما تتوهَّمه؛ إذ تقول لك نفسك: لو كان هذا كفرًا أو شركًا لكان فلان وفلان وآبائي ومشايخي كفارًا، وأنت لا تستطيع أن تتصوَّر ذلك، وبهذا التوهم تتجنَّب النظر إلى الأدلة بالعدل والإنصاف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ٩/ ١٠٨، ح ٧٣٥٢. ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ٥/ ١٣١، ح ١٧١٦، من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) في ص ١٣٢ - ١٤٧.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وقد غلط كثير من الناس فصاروا إذا ظهر لهم في أمرٍ أنه كفر تعدَّوا الحدود وأعلنوا بتكفير جماعة من أئمة الدين والأولياء الصالحين، وهذه حماقة شيطانية.
نعم لا يلزم من عذر بعض العاملين أن يُعْذَر جميعهم؛ فإن للعذر شرائط، فلا يخدعنَّك الشيطان، فتقول: إذا كان أولئك معذورين فأنا معذور على فرض أن هذا العمل كفر أو شرك؛ فإنك إنما تعذر إذا بحثت وحقَّقْت وبذلت وُسْعَك ثم تبيَّن لك أنه ليس ذلك العمل بكفر ولا شرك، بشرط أن تكون أهلًا للبحث والنظر، وإلَّا فإنه يتعين عليك الاحتياط.
ولعلَّنا نوضح هذا المعنى، وإنما قدَّمنا هنا الإشارة إليه مخافة أن يمنعك التوهُّمُ المذكور عن النظر في رسالتنا هذه نظر الطالب للحقِّ من حيث هو حقٌّ. والله الموفق.
وأنت خبير أن سادة الأولياء هم الصحابة ﵃، ولم يُجْعَل قولُ أحد منهم حجة كما تقدَّم.
وكثيرًا ما نجد المنسوبين إلى الولاية يختلفون فيما بينهم، ويخطِّئ بعضهم بعضًا، وقد يَنْسُبُ كلٌّ منهما رأيَه إلى الكشف، وقد يقول أحدهم قولًا ينسبه إلى الكشف ثم يرجع عنه، وينسب رجوعه إلى الكشف أيضًا، وفي ذلك دلالة على أن الكشف يخطئ. وفي أبيات لابن عربي (^١):
واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عُبيدٌ قد عُصِم
_________________
(١) نقلها الآلوسيُّ في روح المعاني (١/ ١٤١ - ١٤٢) عن الفتوحات لابن عربيّ. وستأتي بقيَّة الأبيات في ص ٣٠٧.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وسبب الخطأ في الكشف يُعْلَم مما قدمنا في الخوارق والغرائب.
وأزيدك هاهنا فائدة جليلة.
[٧٩] اعلم أن الكشف، وإن ثبت أنه صحيح، فالأغلب أنه يكون له تأويل كتأويل الرؤيا، يوكل ذلك التأويل إلى فهم المكلَّف. والبرهان على ذلك مكاشفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنَّ النبيَّ ﵌ رأى ليلة أُسْرِي به الفطرة في صورة اللبن، والشهوات في صورة الخمر، وأشياء كثيرة رآها (^١)، وهي من باب التمثيل تحتاج إلى تأويلٍ.
وكذلك رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فقد رأى يوسف ﵇ الكواكب والشمس والقمر ساجدين له، وكان تأويلُ ذلك سجودَ أبويه وإخوته.
وقال الله تعالى لنبيه محمد ﵌: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ [الأنفال: ٤٣].
فرآهم قليلًا وليسوا في الواقع قليلًا، ولكن ذلك كناية عن الذلَّة، وأنهم سيُغلبون. ورأى أنه في درع حصينة فأوَّلها المدينة. ورأى بقرًا تُنْحَرُ، فأوّلها بمن يقتل من أصحابه. ورأى سوارين من ذهب، فأولهما بالكذَّابَيْنِ: مسيلمة والأسود. وأمثال ذلك كثير (^٢).
وإنما يكون الظاهر حجة في الأوامر التكليفية التي كلف الله العباد أن
_________________
(١) سيأتي تخريج هذه الأحاديث بعد أسطر.
(٢) انظر: باب التعبير في صحيح البخاريِّ ٩/ ٢٩ - ٤٦، [ح ٦٩٨٢، وما بعده]. وكتاب الرؤيا في صحيح مسلمٍ ٧/ ٥٠ - ٥٨، [ح ٢٢٦١، وما بعده]. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٧١ ]
يتدبروها ويعملوا بما فيها، فأمّا ما عدا ذلك فهو على ما وصَفْتُ.
هذا مع أن رؤيا الأنبياء وحي، فأما رؤيا غيرهم فإنها كما جاء [٨٠] في الحديث محتملة أن تكون صادقة، وأن تكون من حديث النفس، وأن تكون من الشيطان.
والكشفُ عند التحقيق ضرب من الرؤيا، غاية الأمر أن الروح إذا قويت وضعف الجسد صارت الروح تعمل في اليقظة مثل ما تعمل غيرها من الأرواح في النوم. والبرهان على هذا حديث البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵌: «لم يبق من النبوَّة إلا المبشِّرات»، قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (^١).
فلو كان الكشف أقوى من الرؤيا لكان أولى بأن يستثنيه.
ثم رأيت في فتح الباري نقلًا عن الطيبي: « فلا يظهر على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلا لرسول وأما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات» (^٢).
فأما حديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ولقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر»، وفي روايةٍ: «فإن عمر بن الخطَّاب منهم» (^٣). فقد تتبعنا
_________________
(١) البخاريّ، كتاب التعبير، باب المبشِّرات، ٩/ ٣١، ح ٦٩٩٠. [المؤلف]
(٢) انظر: فتح الباري ١٣/ ٢٨٤. [المؤلف]
(٣) البخاريّ، كتاب فضائل أصحاب النبيِّ - ﷺ -، باب مناقب عمر بن الخطَّاب ﵁، ٥/ ١٣، ح ٣٦٨٩، [من حديث أبي هريرة ﵁]. ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، بابٌ من فضائل عمر ﵁، ٧/ ١١٥، ح ٢٣٩٨، [من حديث عائشة ﵂]. [المؤلف].
[ ٢ / ٢٧٢ ]
سيرة عمر ﵁ فلم نجد له من هذا القبيل إلا الفراسة وصدق الظن. ولم يكن ذلك مطَّرِدًا له، بل كان ربما أخطأ، ولم يكن يحتج في الشريعة بمجرد ظنه، بل كان يقضي القضاء ثم يرجع عنه لحديث يبلغه، أو لرأي يبدو له أو غير ذلك.
وهكذا لم يقل أحد من الصحابة ولا مَن بَعْدَهُم: إن قول عمر يكون حجة لحديث التحديث، وقد وجدنا صغار الصحابة وأئمة التابعين والأئمة الأربعة المجتهدين وأضرابهم كثيرًا ما يخالفون عمر لأدلَّة ظنية، بل لم يكن أحد من الصحابة يحتجّ في قليل ولا كثير [٨١] بالكشف، بل لا يكاد يصحُّ، بل لا يصحُّ عن أحد منهم دعوى الكشف لنفسه أو لغيره منهم، والله المستعان.
وقصَّة: (يا سارية الجبل) لم تصحَّ، وإن قال بعض المتأخِّرين: إن لها طرقًا تبلغ بها درجة الحسن لغيره (^١)، ومع ذلك ففيها: أن عمر سُئل بعد أن قال: «يا سارية الجبل»، فأجاب أنه شيءٌ جرى على لسانه لم يُلْقِ له بالًا، وسيأتي بقية الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى (^٢).
وهكذا نجد نقل الكرامات عنهم قليلًا، والنادرَ من ذلك القليل صحيحًا، مع أنهم خير الأمة وأقربها من الله تعالى ورسوله، وأولاها بكل
_________________
(١) لعلَّه يعني الحافظ ابن كثيرٍ؛ فإنه قال بعدما ذكر طرقًا لهذه القصَّة: (فهذه طرقٌ يشدُّ بعضها بعضًا). انظر: البداية والنهاية ١٠/ ١٧٦. أو الحافظ ابن حجرٍ؛ فإنه حسَّن إسنادها في الإصابة، ترجمة سارية بن زنيم بن عبد الله الدؤليِّ، ٤/ ١٧٧.
(٢) انظر: ص ٧٩٩.
[ ٢ / ٢٧٣ ]