يظهر من صنيع بعض المتكلمين ــ أعني علم الكلام أو علم العقائد أو علم التوحيد ــ أن معنى (إله) هو المعنى الذي يُعِبِّرون عنه بواجب الوجود، ولكنَّ في عباراتهم اضطرابًا. قال العضد في مواقفه: «المرصد الثالث في توحيده تعالى، وهو مقصد واحد، وهو أنه يمتنع وجود إلهين. أما الحكماء (^١) فقالوا: يمتنع وجود موجودَين كلُّ واحدٍ منهما واجب لذاته وأما المتكلمون فقالوا: يمتنع وجود إلهين مستجمعين لشرائط الإلهية، لوجهين: الأول: لو وُجِد إلهان قادران واعلم أنه لا مخالف في هذه المسألة إلا الثنوية».
قال المحشِّي حسن جلبي (^٢): «قوله: (في توحيده تعالى) التوحيد يطلق بالاشتراك على معانٍ، من جملتها: اعتقاد الوحدانية أي عدم مشاركة الغير له في الألوهية، وهذا هو المقصود هاهنا، والمشاركة فيها تستلزم الاشتراك في الوجوب الذي هو معدن كلِّ كمال ومُبْعِد كل نقصان ».
وقال الشارح السيد الشريف بعد قول المتن: (إلا الثنوية): «دون الوثنية فإنهم لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود، ولا يصفون [١١١] الأوثان بصفات الإلهية وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء أو الزهَّاد أو الملائكة أو الكواكب، واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصُّلًا بها إلى ما هو إله حقيقةً».
_________________
(١) يعني: الفلاسفة.
(٢) ابن محمد شاه الفناري، توفي سنة ٨٨٦ هـ. انظر: شذرات الذهب ٨/ ٣.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قال حسن جلبي: «فعدَّهم [أي الوثنية] من المشركين لقولهم بتعدُّد المستحق للعبادة لا لقولهم بواجبي الوجود» (^١).
فهذه العبارات كما ترى.
وفي مسألة التوحيد من المقاصد وشرحها بنى الكلام على توحيد وجوب الوجود أيضًا، ولكن قال في الشرح: «حقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصِّها، ولا نزاع لأهل الإسلام في أنَّ تدبير العالم وخلق الأجسام واستحقاق العبادة وقِدَم ما يقوم بنفسه كُلُّها من الخواصِّ ».
ثم عدَّدَ أصناف المشركين، إلى أن قال بعد ذكر الثنويَّة والمجوس: «ومنهم عَبَدَة الملائكة وعبدة الكواكب وعبدة الأصنام، أما الملائكة والكواكب فيمكن أنهم اعتقدوا كونها مؤثِّرة في عالم العناصر مدبِّرة لأمور قديمة بالزمان (^٢) شفعاء للعباد عند الله تعالى مقرِّبة إياهم إليه تعالى.
وأما الأصنام فلا خفاء أنَّ العاقل لا يعتقد فيها شيئًا من ذلك، قال الإمام ﵀: فلهم في ذلك تأويلات باطلة:
الأول: أنها صور أرواحٍ تدبِّر أمرهم وتعتني بإصلاح حالهم على ما سبق.
الثاني: أنها صور الكواكب.
_________________
(١) شرح المواقف ٣/ ٣٢ - ٣٦. [المؤلف]
(٢) سيأتي ما فيه، إن شاء الله تعالى. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الثالث: أن الأوقات الصالحة للطِّلَّسْمات (^١) القويَّة الآثار [١١٢] لا توجد إلا أحيانًا من أزمنة متطاولة جدًّا، فعملوا في ذلك الوقت طِلَّسْمًا لمطلوب خاصٍّ يعظمونه ويرجعون إليه عند طلبه.
الرابع: أنهم اعتقدوا أن الله تعالى جسم على أحسن ما يكون من الصورة، وكذا الملائكة، فاتخذوا صورًا وبالغوا في تحسينها وتزيينها وعبدوها لذلك.
الخامس: أنه لما مات منهم مَنْ هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالًا على صورته وعظَّموه تَشَفُّعًا إلى الله تعالى وتوسُّلًا
وبالجملة فنفي الشركة في الألوهية ثابت عقلًا وشرعًا وفي استحقاق العبادة شرعًا، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]» (^٢).
أقول: وهذه العبارة الأخيرة مفهمة أنَّ عَبَدَة الملائكة وعبدة الكواكب وعبدة الأصنام لم يشركوا في وجوب الوجود وإنما أشركوا في استحقاق العبادة، وقد جعل استحقاق العبادة غير الألوهية، وإنما يعني الألوهية بالمعنى الذي يريده المتكلِّمون منها في هذا البحث، وهو وجوب الوجود، وهو غير استحقاق العبادة قطعًا، فلا تَفْهَمْ من كلامه أنَّ المشركين الذين
_________________
(١) الطِّلَّسْم ــ بكسر الطاء وفتح اللام المشدَّدة وحُكِي تخفيفها ــ: خطوطٌ وأعدادٌ يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيَّات الكواكب العلويَّة بالطبائع السفليَّة لجلب محبوبٍ أو دفع أذًى. انظر: مفتاح السعادة ومصباح السيادة ١/ ٣١٦، المعجم الوسيط ٥٦٢.
(٢) شرح المقاصد ٢/ ٦٤ - ٦٥. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٤ ]
حكى فيما سبق أنهم يشركون في استحقاق العبادة غيرُ مشركين في الألوهية، كيف والقرآن مملوء بالإخبار عنهم أنهم اتخذوا الأوثان آلهة، وقد قال هو نفسه في المطوَّل (^١) في بحث تعريف المسند إليه بالعَلَمِيَّة ما لفظه: «ألا ترى أنَّ قولنا: (لا إله إلا الله) كلمة توحيد بالاتفاق فيجب أن يكون إله بمعنى المعبود بحق، والله تعالى عَلَمًا للفرد الموجود منه، والمعنى: لا مستحق للعبودية له في الوجود أو موجود إلا الفرد الذي هو خالق العالم، وهذا معنى قول صاحب الكشاف: «إن الله تعالى يختصُّ بالمعبود بالحق لم يُطْلَقْ على غيره»، أي بالفَرْدِ الموجود الذي يُعبد بالحق تعالى وتقدَّس». ونقلوا نحوه عن السعد في شرح الكشاف (^٢).
فأما زعمه أنَّ نفي الشركة في استحقاق العبادة غير ثابت بالعقل، فيبطله القرآن كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وفي شرح الجوهرة لابن الناظم: «وحقيقة الألوهية وجوب الوجود والقدم الذاتي، ويلزم منه استغناؤه عن كل ما سواه وافتقارُ كلِّ ما سواه إليه».
تعقَّبه المحشِّى الأمير فقال: «قوله: (وجوب الوجود) هذا من اللوازم، وحقيقة الألوهية كونه معبودًا بحق. قوله: (ويلزم منه استغناؤه إلخ) السنوسي فسَّر الألوهية بهذين الشيئين، وأخذ ما عداهما منهما، والشارح فَعَلَ ما فَعَلَ ولم يظهر له وجه» (^٣).
وقال البيجوري في حواشيه على الجوهرة: «فحقيقة الإله المعبودُ
_________________
(١) المطول: (ص ٢١٦) نشرة د. عبد الحميد هنداوي.
(٢) ما زال مخطوطًا.
(٣) شرح عبد السلام للجوهرة لوالده ص ١١٧. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٣٥ ]