في شأن الملائكة ﵈ والجواب عنه
من ذلك قول الله ﷿ في سياق آية التمانع: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
ومنها ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣].
ومنها ما جاء أن إبليس كان من الملائكة.
ومنها قصَّة هاروت وماروت.
ومنها ما روي أنَّ النبيَّ ﵌ قال: "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر (^١) فأدُسُّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة" (^٢).
والجواب عن الأوَّل: أن ذلك من باب الفرض، ولا دلالة فيه على الجواز فضلًا عن الوقوع. ونظير الآية قوله تعالى لخاتم أنبيائه صلَّى الله عليه
_________________
(١) أي: طين البحر.
(٢) سيأتي تخريجه.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وآله وسلَّم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ [١٤٢] مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، مع آيات أخر قد مر بعضها في أوائل الرسالة.
وقد نُقِلَ عن بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ قال: هو إبليس. كذا قال، وسيأتي قريبًا تبرئة الملائكة ﵈ من اللعين.
والجواب عن الثاني: أن قولهم ﵈: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان بعد إذن الله تعالى لهم بأن يقولوا، والإذن مفهوم من إخباره لهم. ألا ترى أن الطبيب الماهر قد يقول لتلميذه المطيع الخاضع العارف بقصور نفسه وكمال الطبيب: سأركِّب من لحوم الحيات معجونًا، فيقول التلميذ: كيف تركِّب معجونًا من هذا السمِّ القاتل، والأدوية الخالية عن السمِّ موجودة؟ فهل تشكُّ أيها الناظر في أنَّ الطبيب إنما أراد بإخبار التلميذ أمره بأن يسأل عن الحكمة فيفيده إياها؟ أو تشك أنَّ التلميذ فَهِمَ هذا الأمر؟ أو أنه إنما أراد بسؤاله استكشاف الحكمة؟
[١٤٣] وقد أخرج ابن جرير بسند صحيح عن قتادة قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فاستشار الملائكة في خلق آدم فقالوا ﴿أَتَجْعَلُ ﴾ (^١).
مراد قتادة بقوله: "فاستشار" لازمه من الإذن بإبداء الرأي.
وقال ابن جرير بعد كلام: "وأما دعوى مَنْ زعم أن الله جلَّ ثناؤه كان
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١/ ١٥٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٦٣ ]
أَذن لها بالسؤال عن ذلك فَسَأَلَتْهُ على وجه التعجُّب، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ولا خبر لها من الحجة يقطع العذر" (^١).
أقول: قد علمت الدلالة، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وقول جبريل: "ما نسأله عن شيء" لكفى.
فأما وصفهم الخليقة الأرضية بالفساد وسفك الدماء فقد جاء عن جماعة من السلف أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة بذلك. وفي هذا نظر. والظاهر ما جاء عن بعض السلف أيضًا أن الملائكة فهموا ذلك بالاستدلال، إما بالقياس على خلقٍ كانوا في الأرض من قبل، وإما لمعرفتهم بطبيعة الأرض وأن الخليقة التي تجعل فيها يكون من شأنها ذلك، أو غير ذلك. وسياق القصة وقرائنها ظاهرة في أن الملائكة إنما أخبروا عن ظنهم، فكأنهم قالوا: إننا نظن كذا، وعلى هذا فلا يضرُّهم استنادهم إلى دليلٍ ظنِّيٍّ، بل ولا يضرُّهم أن [١٤٤] يتبيَّن خطأ ظنِّهم.
ألا ترى إلى ما رواه مسلمٌ في صحيحه وغيره عن طلحة، قال: مررت مع رسول الله ﵌ بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يُلَقِّحُونَه، يجعلون الذَّكَرَ في الأنثى فَيَلْقَحُ (^٢)، فقال رسول الله ﵌: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، قال: فأُخْبِرُوا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول الله ﵌ بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن،
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١/ ١٦١. [المؤلف]
(٢) أي: يقبل اللقاح فينعقد طلعه.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ولكن إذا حدَّثْتُكُم عن الله شيئًا فخذوا به؛ فإني لَنْ أَكْذِبَ على الله".
وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن رافع بن خَدِيجٍ، وفيه: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، قال: فتركوه، فنفضت أو فنقصت الحديث.
وأخرجه مسلمٌ أيضًا من حديث أنسٍ أنَّ النبيَّ ﵌ مَرَّ بقوم يلقحون فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، قال: فخرج شيصًا، فمرَّ بهم، فقال: "ما لِنَخْلِكُم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (^١).
فالنبي ﵌ لم يكن من أهل النخل، وقد عَلِمَ أنَّ عامّة الأشجار تثمر بدون تلقيح، فقاس النخلَ عليها وأخبر بظنه، وصدق [١٤٥] ﵌ في إخباره عن ظنه ولا يضرُّه خطأ الظَّنِّ.
ومثل ذلك حديث الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة في صلاة النبي ﵌ بالناس الظهر أو العصر وتسليمه من ركعتين، قال فيه: "وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ يُقال له ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، وفي رواية: "كلُّ ذلك لم يكن" الحديث (^٢).
مراده ﵌ بقوله: "لم أنس ولم تقصر" أو "كُلُّ ذلك لم يكن": الإخبار عن ظنِّه لا عن الواقع، فكأنه قال: (في ظنِّي) وإنما
_________________
(١) صحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا ، ٧/ ٩٥، ح ٢٣٦١ - ٢٣٦٣. [المؤلف]
(٢) اللفظ الأوَّل أخرجه البخاريُّ في كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ١/ ١٠٣، ح ٤٨٢. واللفظ الثاني أخرجه مسلمٌ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ٢/ ٨٧، ح ٥٧٣ (٩٩).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
لم يُصَرِّح بذلك لدلالة الحال عليه. والله أعلم.
وبما قرَّرناه عَلِمْتَ الفَرْقَ بين قياس الملائكة وقياس إبليس؛ فإن قياس الملائكة لم يعارض نصًّا بخلاف قياس إبليس؛ فلذلك قال الحسن وابن سيرين: إن أول من قاس إبليس، كما تقدم. والله أعلم.
وأما ما توهَّمه بعض الناس أن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ من الغيبة المحرمة، فمِنْ ضِيقِ عَطَنه، وقد صحَّت عن النبيِّ ﵌ أخبارٌ كثيرةٌ عما سترتكبه أمَّته من بعده من الفجور، فهل يكون ذلك غيبة؟ !
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنهم لما أرسلوا الوصف كان على العموم، فنبَّههم الله تعالى أن تعميم الحكم لا ينبغي إلا بعد العلم بجميع [١٤٦] الأفراد وخصائصهم، فإذا كانوا يجهلون أسماءهم فهم لغيرها أجهل. وقد عَلِمْتَ أن الملائكة إنما أخبروا عن ظنهم، وليس في خطأ الظن ما ينافي العصمة.
وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ فهو تذكير بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قصد به التنبيه على حصول البرهان الحسي على ذلك ليتقرر ذلك عندهم بعين اليقين، فلا ينافي أن يكونوا قبل ذلك عالمين علم اليقين، والله ﵎ أعلم.
والجواب عن الثالث
_________________
(١) وهو ما قيل: إن إبليس كان من الملائكة : فالقرآن يكذِّب ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ نصٌّ على أنه لم يكن من الملائكة، وَزَعْمُ أن من الملائكة طائفة يقال لهم: جن، وهم غير الجن المعروفين، دعوى لا دليل عليها.
والاستدلال بقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] ساقطٌ، بل المراد الجنُّ المعروفون كما تفصح به (بل)؛ لأنها تقتضي نفي المسؤول عنه وهو ما في قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، فالمعنى حينئذٍ: كلَاّ، لم يكونوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون الجن. وسيأتي توجيه نَفْيِهم عبادة المشركين لهم.
وكذلك الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] ليس بشيءٍ، بل المراد الجنُّ المعروفون كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ يؤيد أن المراد الجن المعروفون؛ فإن الفاء للسببية، [١٤٧] يريد ــ والله أعلم ــ فبسبب كونه من الجن فَسَقَ، أي: لأنه لو كان من الملائكة لما تأتَّى منه الفسق.
ونحوها قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤، ص: ٧٤].
قال أبو السعود: "أي في علم الله تعالى إذ (ا) (^١) كان أصله من كفرة
_________________
(١) وضع المؤلِّف الألف بين قوسين إشارة إلى أنها خطأٌ في الأصل.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
الجن، فلذلك ارتكب ما ارتكبه، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] " (^١).
فأما دخوله في الأمر بالسجود فلأن أمر الله تعالى لما وقع للملائكة وهو معهم دخل في عموم الخطاب، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ فالخطاب موجَّه إليهم، والأمر لهم ولمن كان معهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالخطاب موجَّه إلى النبيِّ ﵌، والأمر له ولأمته.
وأما استثناء اللَّعين من الملائكة فكالحمار يُسْتَثْنَى من القوم، تقول: جاء القوم إلا حمارًا، ومنه قول الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧].
ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا على أن لفظ الملائكة تناول إبليس تبعًا، كما تقول: جاءت بنو تميم إلا المواليَ، تريد بقولك (بنو تميم) ما هو أعمُّ مِنْ التميميِّ صَلِيبة (^٢) والتميميِّ بالولاء.
وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
وقد قال تعالى مخاطبًا الجنَّ والإنس: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
_________________
(١) تفسير أبي السعود ١/ ٦٣.
(٢) أي: خالص النسب عريقه، وفي الأصل بتقديم الباء على الياء، سبق قلم.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧].
وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﵌ قال: "خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِقَ آدم مِمَّا وُصِفَ لكم" (^١).
وما اشتهر بين الجهال أن إبليس أراد أن يقول (من نور) فأجرى الله تعالى على لسانه (من نار) لا أصل له، والأدلة [١٤٨] على أن اللَّعين لم يكن من الملائكة حقيقة قطُّ كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
وأما الجواب عن الرابع ــ وهو قصَّة هاروت وماروت ــ فنقول: قال الله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
_________________
(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، بابٌ في أحاديث متفرِّقةٍ، ٨/ ٢٢٦، ح ٢٩٩٦. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٦٩ ]
اختلف العلماء في تفسير هذه الآية، فالقول المنصور أن (ما) في ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ موصولة عطف على السحر من عطف الخاصِّ على العامِّ أو على (ما) الأولى في قوله: ﴿مَا تَتْلُو﴾، و﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ مَلَكَان أذن الله ﵎ لهما في تعليم السحر بعد أن يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
قالوا: وتعليم السِّحر وتعلُّمُه ليس كفرًا ولا حرامًا، وإنما المحظور العملُ به، كما لا يحرم أن يخبر الإنسان غيره بكيفية صناعة الخمر وإن حَرُمَ عصرُها وبيعُها وغير ذلك، وعلى فرض حرمة تعلُّمه وتعليمه في شريعتنا لا يلزم من ذلك حرمته في جميع الشرائع، وعلى فرض أنه حرام في جميع الشرائع فلا يلزم ذلك في حق الملائكة؛ فإن القتل حرام في كل الشرائع، وهذا ملك [١٤٩] الموت يقبض نفوس الخلق أجمعين والأنبياءِ والمرسلين، وإن فرضنا أن تعلُّمَه كفر فلا يلزم من تعليمه مع كراهيته وبغضه والزجر عنه الكفر، فلو أن جماعة من المشركين جعلوا مالًا عظيما لمن يسجد لصنم فجاء رجل يريد السجود له وكان هناك مسلم فسأله هذا عن الصنم فزجره هذا ووعظه ونهاه فأصرَّ فأشار له إلى الصنم= لم يظهر من هذا كفر المشير، بل إن السائل لما أصرَّ على عمل الكفرِ صار كافرًا وإن لم يسجد، فعلى هذا فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي إذا سأل مسلمًا عن الطريق إلى بيت الصنم فدلّه. هذا أقصى ما يُسْتَدَلُّ به لهذا القول، وفي بعضه نظر. والله أعلم.
وقيل: إن (ما) نافيةٌ، والباقي كما مرّ. والمعنى: أنه لم يكن سليمان ساحرًا، ولم ينزل الله تعالى السحرَ على الملكين، فإن السحر أَخسُّ من ذلك، أي وإنما عَلِمه الملكان بطريق أرضيَّة وإن كان ذلك بإذن الله تعالى.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وذهب بعضهم إلى أن (ما) نافية، والمراد بالملكين رجلان صالحان هما هاروت وماروت، واستدلَّ بالقراءة الشاذة (الملِكين) بكسر اللام، والباقي نحو ما مرَّ.
وقال جماعة: (ما) نافية، والمراد بالملكين جبريل وميكائيل أو داود وسليمان. قالوا: وهاروت وماروت بدلٌ إمَّا من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ فهما اسما شيطانين أو قبيلتين من الشياطين، وإما من ﴿النَّاسَ﴾ فهما اسما رجلين، وعلى هذا فلا إشكال [١٥٠] من جهة أن تعلُّم السحر وتعليمه كفر أو حرام.
واعتُرِضَ على هذا القول بأنه كيف تقول الشياطين أو الكفار ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟ وأجابوا بأنه لا مانع أن يأخذ الله تعالى على الشياطين هذا القول حتى لا يقدروا على التعليم بدون قوله، وكذا لا يمتنع أن يكون الإنسانان تأوَّلا جواز التعلُّم والتعليم واحتاطا بمنع التعليم حتى يقولا ذلك. ويُبْعِدُ هذا القولَ ما فيه من التعسُّف في تقدير الكلام.
وقد يؤخذ من بعض الآثار أن (ما) موصولة والمراد بالمُنَزَّل الاسمُ الأعظم، وعلى هذا فلا إشكال في جواز تعليمه وتعلُّمه وإن كان المتعلِّم قد يعمل بواسطته ما يكون كفرًا، كما يجوز أن تعطيَ مسلمًا مصحفًا وإن احتمل أن يكفر بإلقائه في نجاسة مثلًا، ويَرِدُ على هذا القول أن فيه كون الشياطين يَعْلَمون الاسم الأعظم ويُعَلِّمُونه، وهو كما ترى.
وقد أخرج ابن جرير وغيره عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت: قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﵌ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به،
[ ٢ / ٣٧١ ]
قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد [١٥١] رسول الله ﵌ فيشفيها، كانت تبكي حتى إني لأرحمها وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكتُ، كان لي زوج فغاب فدخلتُ على عجوز فشكوت ذلك إليها فقالت: إن فَعَلْتِ ما آمرُكِ فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل فإذا برجلين مُعَلَّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، وارجعي، فأبيت وقلت: لا، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه فذهبت ففزعت، فلم أفعل فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ قلت: نعم، فقالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلت: لم أر شيئًا، فقالا لي: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبتِ، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنُّور فبُولي فيه، فذهبت إليه فبُلْت، فرأيت فارسًا مُتَقَنِّعًا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عنِّي حتى ما أراه، فجئتهما فقالا: صدقْتِ، ذلكِ إيمانكِ خرج منكِ، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى لن تريدي شيئًا إلا كان، خذي [١٥٢] هذا القمح فابذري، فبذرتُ، فقلت: اطْلُعِي فطَلَعَتْ، وقلت: أَحْقِلي فأَحْقَلَتْ، ثم قلت: أَفْرِكي فأَفْرَكَتْ، ثم قلت: أَيْبِسِي فأَيْبَسَتْ، ثم قلت: أطحني فأطحنت، ثم قلت: أخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان أُسْقِطَ في يدي وندمتُ والله يا أمَّ المؤمنين، والله ما فعلت شيئًا قطُّ، ولا أفعله أبدًا، فسَأَلَتْ أصحاب رسول الله ﵌ حداثة وفاة رسول الله ﵌ وهم
[ ٢ / ٣٧٢ ]
يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلُّهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم إلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حَيَّين أو أحدهما لكانا يكفيانك.
انتهى حديث ابن جريرٍ عند قولها: "ولا أفعله أبدًا"، والزيادة من المستدرك وسنن البيهقي، قال الحاكم: صحيح وأقرَّه الذهبيّ (^١).
أقول: أما السند فلا كلام فيه، وإنما الشأن في هذه المرأة الدُّومِيَّة. ومَن تأمل القصة ومناسبتها للآية وسكوت الصحابة عن إنكارها علم أنه ليس من الإنصاف تكذيبها. وفيها بقاء الملكين إلى ذلك الوقت، وقد يشهد له قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ بصيغة المضارع المشعرة بالاستمرار، ولم يقل: وما علَّما، أو: وما كانا يعلِّمان، أو نحو ذلك.
وقد أنكر أبو محمَّد بن حزمٍ ﵀ [١٣٥] بقاءهما، واحتجَّ بأن بابل موجودةٌ على وجه الأرض والناس يطوفون فيها ولا يرونهما، ومَنْ كان يؤمن بوجود الجنِّ والملائكة وإمكان أن يراهم بعض الناس بإذن الله تعالى لم يَخْفَ عليه الجوابُ (^٢).
وقد يُحتجُّ على عدم بقائهما بقلَّة السِّحر على وجه الأرض، وبأنه لو كان الأمر كما زعمت الدُّوميَّة ــ أنَّ مَن تعلَّم لم يُرِدْ شيئًا إلا كان ــ لفسدت السماوات والأرض.
والجواب: أنه لا مانع أن يقال: إن الله ﷿ يمنع الناس من الوصول
_________________
(١) تفسير ابن جريرٍ ١/ ٣٤٧. المستدرك، كتاب البرِّ والصلة، حكاية امرأةٍ فزعت من عمل السِّحر، ٤/ ١٥٥. سنن البيهقيّ، كتاب القسامة، باب قبول توبة الساحر ، ٨/ ١٣٧. [المؤلف]
(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/ ٦٤.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
إليهما إلا مَنْ ندر، ويمنع مَنْ تَعَلَّمَ ذلك مِنْ عَمَل ما يَخْتَلُّ به شيء من قوانين الخلق والأمر، كما يمنع الشياطين من ذلك، وقد بيَّنَ هذا في الآيات بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، هذا والسياق يدلُّ أن قولها: "لا أريد شيئًا إلا كان" محمول على المُحَقَّرَات فقط. على أن هذا التعميم إنما وقع من قول العجوز الفاجرة، ومِنْ ظن هذه الدُّوميّة لما رأت قصَّة القمح.
وفي القصة أنها رأت الرجلين أو قُل (الملَكَين) معلَّقَيْنِ بأرجلهما، فإن فُهِمَ من التعليق العذابُ فلا يجوز أن يكون هذا العذاب على التعليم؛ إذ كيف يُصِرَّان على المعصية مع أنهما يعذَّبان عليها ومع ذلك يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ويؤكِّدان ذلك غاية التأكيد مع أن في الآثار التي سيأتي الكلام عليها [١٥٤] أنهما تابا وأنابا.
فإن قيل: لعلَّ العذاب على ذنبٍ آخر كما تدلُّ عليه الآثار الأخرى، فكذلك يبعد أن يصرّا على معصية مع تعذيبهما على أخرى ويقولان مقالتهما. والأقرب إن صدقت المرأة أنهما مُثِّلا لها كذلك ليكون أَبْلَغَ للتنفير، ولا عذاب ولا تعليقَ في نفس الأمر.
وموضعُ الفائدة في هذه القصَّة أنهما لا يُعَلِّمان شيئًا وإنما يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإذا أصرَّ الطالبُ قالا له: اذهب فبُلْ في ذلك التنور فيذهب فَيَعْرِضُ له خوف ورعب، فإن صَمَّم وبال فما هو إلا أن يبولَ فيخرجَ منه إيمانه ويَعْلَمَ السِّحْر.
فإن صحَّ هذا فلا إشكال في الآية أصلًا، بل المعنى: ولم ينزل السِّحر
[ ٢ / ٣٧٤ ]
على الملكين ببابل، وإنما هما فتنة يفتنان مَنْ طلب تعلُّم السحر ليتبيّن تصميمه على الكفر أو عدمه، فيعظانه ويحذِّرانه، فإن أصرَّ امتحناه بأن يبول فيعرض له ذلك الخوف والرعب، فإن صمَّم وبال تبيَّن أنه قد صمَّم على الكفر فَيُنْزَعُ منه التوفيقُ، ويُخَلَّى بين الشياطين وبينه، فيحصل له السحر من صحبة الشياطين، فليس في فعل الملكين رضًا بكفر ولا تعليمُ سحر؛ وذلك أن البول في التنُّور ليس كفرًا في نفسه، بل الطالب إذا أصرَّ على التعلُّم بعد أَن يقولا له: [١٥٥] ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فقد صار كافرًا، وإنما البول في التنُّور دليل على تصميمه على الكفر وإصراره عليه وشدة حرصه على التعلُّم الذي هو كفر بجرأته على البول مع ما يعرض له من الرعب، ولكن لما كان البول في التنُّور يقع بإشارتهما وعِلْمُ السحر يَحْصُلُ عقِبه، وكان ذلك في صورة التعليم أطلق في الآية ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾، وذلك على سبيل المجاز، والله أعلم، والقرينة الصارفة عن الحقيقة أمور:
الأوَّل: أنه قد بيَّن في الآية أن تعليم السحر كفر وأن تعلُّمه كفر، وأنهما ملكان، وقد قامت الدلائل على عصمة الملائكة.
أما بيان أن تعليم السحر كفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وأما بيان أن تعلُّمَه كفر ففي قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، واشتراؤه تعلُّمه، ونفي النصيب في الآخرة البتة إنما يكون على الكفر، وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: باعوا، وبيع النفس عبارة عن إيقاعها في الهلاك التامّ، وذلك إنما يكون بالكفر.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وأما دلائل عصمة الملائكة فقد تقدَّمَتْ.
الأمر الثاني: أنه لو صرف النظر عن العصمة وجُوِّزَ عليهما الكفر فكيف يقولان: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فينهيان عن الكفر مع تلبسهما به؟
[١٥٦] الأمر الثالث: قولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ و﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، أي: ما نحن إلا فتنة، فيُفْهَم من ذلك نَفْيُ كونهما معلِّمين على الحقيقة، وعلى هذا المعنى فـ (ما) في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ نافية. والله أعلم.
وإذ قد اتضح بحمد الله تعالى معنى الآية فلننظر في الآثار الواردة عن قصَّة هاروت وماروت مع الزُّهَرَةِ، فأقول:
ساق الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره (^١) الآثار المذكورة ولم يعرض لها مع جزمه بعصمة الملائكة ﵈، وقد ردَّها جماعة كالقاضي عياض والفخر الرازي، نقله الآلوسي في تفسيره قال: "ونصَّ الشهاب العراقي على أن مَنْ اعتقد في هاروت وماروت أنهما مَلَكَان يُعَذَّبان على خطيئتهما مع الزُّهَرَةِ فهو كافر بالله تعالى العظيم؛ فإنَّ الملائكة معصومون، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، والزُّهَرَة كانت يوم خلق الله تعالى السموات والأرض، والقول بأنها تمثَّلت لهما فكان ما كان وَرُدَّتْ إلى مكانها غير معقول ولا مقبول".
_________________
(١) ١/ ٣٤٣ - ٣٤٨. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قال الآلوسي: "واعترض الإمام السيوطي على مَن أنكر القصَّة بأن الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على عليٍّ وابن عباس [١٥٧] وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة، يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها؛ لكثرتها وقوَّة مُخْرِجِيها. وذهب بعض المحققين [إلى] أن ما رُوِيَ مرويٌّ حكايةً لما قاله اليهود، وهو باطل في نفسه، وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية، ولا يَرِدُ ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يَرِدُ على المنكرين بالكلِّيَّة، ولعلَّ ذلك من باب الرموز والإشارات " (^١).
وفي القول المسدَّد للحافظ ابن حجر: "قلت: وله طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها. والله أعلم" (^٢).
أقول: أما رواية القصة عن النبيِّ ﵌، ففي مسند الإمام أحمد: عن يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا (^٣)، وموسى هو الأنصاري مجهول الحال لم يوثِّقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وقال: "يخطئ ويخالف" (^٤).
قلت: وقد عُرِفَ من مذهب ابن حِبَّان أنه يذكر المجاهيل في ثقاته فيذكر مَن روى عن ثقةٍ وروى عنه ثقةٌ ولم يكن حديثه منكرًا، نبَّه على ذلك
_________________
(١) روح المعاني ١/ ٢٧٩. [المؤلف]
(٢) القول المسدد، ص ٤١. [المؤلف]
(٣) المسند ٢/ ١٣٤. [المؤلف]
(٤) انظر: الثقات ٧/ ٤٥١.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
في كتاب الثقات نفسه (^١)، وكذلك يخرج ابن حِبَّان لمن كان كذلك في صحيحه، نبَّه عليه الحافظ ابن حجر وغيره (^٢)، فعُلِمَ من ذلك أن ذِكْرَ ابن حبان لرجلٍ في الثقات وإخراجه له في صحيحه لا يرفع عنه اسم الجهالة.
هذا مع أن قوله في موسى: "يخطئ ويخالف" جرحٌ ينزل به موسى عن درجة المستور. وهذا الحديث من جملة خطئه ومخالفته؛ فإنَّ الناس رووا القصة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن كعب الأحبار، كذا أخرجه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن سالم ومن طريق محمد بن عقبة ــ أراه أخا موسى وهو ثقة ــ عن سالم (^٣). والعجب من ابن حبان كيف أخرج الحديث في صحيحه (^٤) من طريق موسى بن جبير المذكور؟ !
وذكر القاري في شرح الشفاء عند الكلام على هذا الحديث كلام الأئمة في زهير، وفيه: "وقال الترمذي في العلل: سألت البخاري عن حديث زهير هذا فقال: أنا أتقي هذا الشيخ كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي بزهير بن محمد، قال: وكان أحمد بن حنبل يضعِّف هذا الشيخ ويقول: هذا الشيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه" (^٥). كذا قال، ولينظر (^٦).
_________________
(١) انظر: الثقات ١/ ١١ - ١٢.
(٢) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، فتح المغيث ١/ ٤٢ - ٤٣. وراجع: صحيح ابن حبان (الإحسان) ١/ ١٥١ - ١٥٢.
(٣) انظر: تفسير الطبري ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٤) صحيح ابن حبان (الإحسان)، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق، ذكر قول الملائكة عند هبوط آدم إلى الأرض ، ١٤/ ٦٣ - ٦٤، ح ٦١٨٦.
(٥) ٤/ ٢٣١. [المؤلف]
(٦) انظر: العلل الكبير ص ٣٨١، ح ٧١٣.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وقد أخرج ابن جرير (^١) طرفًا من القصة من طريق فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح، عن نافع، عن ابن عمر فرفعه إلى النبي ﵌، [١٥٨] وذكره الذهبي في الميزان (^٢) في ترجمة سنيد بن داود.
والفرج بن فضالة ضعيف، وفي القول المسدَّد للحافظ ابن حجر عند ذكر هذه القصَّة: "أورده ابن الجوزي ــ يعني في الموضوعات ــ من طريق الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع وقال: لا يصحُّ، والفرج بن فضالة ضعَّفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة" (^٣).
وفي تذكرة الموضوعات عند ذكر القصَّة: "فيه موسى بن جُبَيرٍ، مختلفٌ فيه، ولكن قد توبع، ولأبي نعيم عن علي، قال: لعن رسول الله ﵌ الزُّهَرَة لأنها فتنت المَلَكَينِ، وقيل: الصحيح وَقْفُهُ على كعب، وكذا قال البيهقي" (^٤).
أقول: إن كان المراد بقوله: (قد توبع) رواية فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح فليست مما يُفْرَح به، وأما رواية أبي نعيم فلم أقف عليها، وأبو نعيم معروف بتتبُّع الواهيات.
والحق ما ذكره البيهقي أن ابن عمر إنما سمع القصة من كعب الأحبار، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٢) ٢/ ٢٣٦.
(٣) القول المسدد، ص ٤١. [المؤلف]. وانظر: الموضوعات ١/ ٢٩٥ - ٢٩٧، ح ٣٨٩.
(٤) تذكرة الموضوعات، ص ١١٠. [المؤلف]
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وأما الرواية في ذلك عن أمير المؤمنين عليٍّ ﵇، فقد ثبت عن عمير بن سعيدٍ النخعيّ أنه قال: سمعت عليًّا يقول: فذكر القصة، لم يذكر النبي ﵌، أخرجه الحاكم في المستدرك (^١) وغيره. وعمير ثقة عندهم، لم يطعن فيه أحد إلا أن أبا محمد بن حزم ذكر في الملل والنحل هذه الرواية وقال: "رويناه من طريق عمير بن سعيد وهو مجهول، مرَّة يُقال له: النخعيّ، ومرَّةً يُقال له: الحنفي، ما نعلم له رواية إلا هذه الكذبة، وليس أيضًا عن رسول الله ﵌، ولكنه أوقفها على عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، وكذبةً أخرى في أنَّ حدَّ الخمر ليس سنَّةَ رسول الله ﵌ وإنما هو شيءٌ فعلوه، وحاشا لهم ﵃ من هذا" (^٢).
[١٥٩] وقد شنَّع الحافظ ابن حجر في ترجمة عمير من تهذيب التهذيب على ابن حزم فيما قال (^٣).
وأقول: لعلَّ أمير المؤمنين حكى هذه القصَّة عقب قوله مثلًا: تزعم اليهود أو زعم كعب أو نحو ذلك، ولم يسمع عمير تلك الكلمة وسمع القصة. والله أعلم.
وأما الرواية عن ابن عباس فذكرها الحاكم في المستدرك وغيره من قوله، لم يرفعه، ولفظه: "عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الزُّهَرَة
_________________
(١) كتاب التفسير، من سورة البقرة، قصَّة الزهرة وكونها كوكبًا، ٢/ ٢٦٥. [المؤلف]
(٢) الملل والنحل: ٤/ ٣٢. [المؤلف]
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ١٤٦ - ١٤٧.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
امرأة في قومها، يقال لها: بيدحة" (^١)، وسبيله سبيل ما ذكرنا في الرواية عن أمير المؤمنين عليٍّ ﵇.
وأما ابن مسعود فأخرج ابن جرير من طريق علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: لما كثر ، فذكر القصة من قولهما (^٢)، وعلي بن زيد واهٍ، فإن صحّ فسبيل ابن مسعود سبيل ما تقدَّم. والله أعلم.
والحاصل: أن رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قد أنارت الطريق وبيَّنَتْ أن القصة من أساطير كعب، والله المستعان.
فإن قيل: لكن من حكى القصة من الصحابة رضوان الله عليهم لم يبيِّنوا فسادها فيؤخذ من ذلك على الأقلِّ أنهم كانوا يرون جواز صحَّتها.
قلت: يجوز أن يكونوا بَيَّنُوا ولم يُنْقَل كما تقدَّم، ويجوز أن يكونوا إنما حكوها على وجه التعجُّب واستغنوا عن بيان بطلانها بوضوحه شرعًا وعقلًا، [١٦٠] ويجوز أن يكونوا تأوَّلوا في الزُّهَرَة تأوُّلًا معقولًا، كما أخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع ــ هو ابن أنسٍ ــ وفيه: "وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في سائر الناس كحسن الزُّهَرة في سائر الكواكب"، فذكر القصَّة (^٣) وتأوَّلوا في الملكين أنه بعد أن سُلِخَا من المَلَكِيَّةِ زال حكمُ العصمة، وأن ذلك لا ينافي ما ثبت من عصمة الملائكة وإن كان فيه ما فيه، وقد رُوِيَتْ
_________________
(١) المستدرك، كتاب التفسير، من سورة البقرة، كانت الزهرة امرأةً، ٢/ ٢٦٦. وليس فيه ذكر لهاروت وماروت كما ترى. [المؤلف]
(٢) تفسير الطبري ٢/ ٣٤٢.
(٣) تفسير الطبري ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ٢ / ٣٨١ ]