بأن جاء ذكر الإسلام وذكر الإيمان في دليل واحد، كآية أو حديث، مثل هذه الآية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قالوا: إذا اجتمعت الكلمتان في نص واحد كآية أو حديث أو سياق فهناك فرق بينهما. ما هو الفرق؟
الفرق بينهما ما جاء توضيحه في حديث جبرائيل -﵍- وهو الحديث المشهور أنه جاء إلى النبي -ﷺ- فسأله: مَا الإِيمَانُ؟ قَال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ» (^١). ففسَّر له الإسلام بالأعمال الظاهرة. وفسَّر له الإيمان بالأعمال الباطنة.
فإذا ذُكِر الإسلام والإيمان في نصٍّ واحد كآية أو حديث أو سياق، كان تفسير الإسلام بالأعمال الظاهرة وتفسير الإيمان بالأعمال الباطنة.
لهذا يدخل الإنسان في الإسلام بقوله: "أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأشهد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" فإن قال ذلك فهو من المسلمين، له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين. ثم
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠) عن أبي هريرة -﵁-، ورواه مسلم (٨) بنحوه عن عمر -﵁-.
[ ١ / ٧٨ ]
بعد ذلك يطالب بالأعمال؛ فالأعمال من الإيمان، فكأنه قال: الإسلام هو القول، والإيمان قول وعمل، كما قرَّر ذلك العلماء.
ومن الأدلة التي ورد فيها ذلك: قصةُ نبي الله لوط -﵍- لما ذكر الله قصته في سورة الذاريات قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
قال ابن القيم -﵀-: ففرَّق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو إخراج نجاة من العذاب ولا ريب أن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا. وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط -﵍- كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين، وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط -﵍-، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجين ا. هـ (^١)