فمن هذه الأدلة: أنَّ الله هو الخالق، وأن الله -﷾- هو الذي بسط هذه الأرض، وجعلها قرارًا، وأن الله هو الذي رفع السماء بلا عمد، وجعلها بناء، وأن الله صوَّركم وأحسن صوركم، وأن الله هو الرزاق -﷾-. ولهذا قال في الآية بعدها: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة]
فلاحظوا أن هذه الآيات وسياق هذه الآيات جاء أوَّلًا للتنبيه على أمر يؤمن به كلُّ الناس، وهو أنَّ الله هو الخالق، وأنَّ الله هو الرازق، وأنَّ الله هو المحيٍ، وأنَّ الله هو المميت، وقد تقدم معنا في مجلس سابق ذِكْرُ كثيرٍ من الأدلة الدالة على أن الذين بُعِثَ إليهم النبي -ﷺ- كانوا يُقِرُّون بوجود الله وبأنه الخالق والرازق، فلم يكونوا ينكرون شيئًا من ذلك، وإنما كانوا يُقِرُّون به؛ فجاء القرآن ليبين لهم أن إقراركم بهذه الأمور يُوجِب عليكم
[ ١ / ٩١ ]
أن تؤمنوا بالله وحده لا شريك له (^١).
وتأملوا في قول الله -﷾- في بيان ما كان عليه أهل الشرك، قال الله مخاطبًا لهم:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] فيا من تنكر وجود الله، من الذي يرزقك؟ ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]
إنَّ الله -جل وعلا- يأمرنا ويعلمنا كيف يُناقَش ويُجادَل الملحدُ الذي لا يؤمن بوجود الله بأن يقال له: انظر إلى هذا الكون الفسيح، وإلى انتظامه: شمسٌ وقمر، وليل ونهار، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، تسير على نظام واحد، هل يعقل أن تكون بلا إله؟!.
ولذلك قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- عند هذه الآية: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع، فقال: وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإنَّ من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها، وألوانها، وطباعها، ومنافعها، ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، عَلِمَ قدرة خالقها وحكمته، وعلمه، وإتقانه، وعظيم سلطانه" (^٢).
يجادل كثير من هؤلاء الملاحدة ويكثرون الجدال، ويا للأسف فإن الإلحاد غزا بلاد المسلمين، فبعض أولادنا وأهلينا بسبب بُعدِهم عن الله وبُعدِهم عن طاعته، وعن الصلاة والاستقامة، والانشغال الكثير بالفضاء الإلكتروني، والاختلاط بأناس ذوي أفكار شتى من أنحاء العالم وَصَلَ بهم الأمر إلى الإلحاد، فوُجِد في بعض بيوتنا الملحد، نعم وُجِد في بيوت بعض المسلمين ملحدٌ ينكر وجود الله -﷾-.
_________________
(١) انظر: المجلس الثالث (إقرار المشركين بتوحيد الربوبية) وانظر ما سيأتي قريبا.
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٧).
[ ١ / ٩٢ ]