والأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله.
والأمر الثالث: الإيمان بألوهية الله.
والأمر الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته.
فقولك: "آمنت بالله" يقتضي هذه الأمور الأربعة، وقد دلَّ عليها كتاب الله -﷾-.
الأمر الأول: الإيمان بوجود الله
وقد ذكرنا لكم فيما مضى أوَّلَ أمر في القرآن، وأوَّلَ نداء في القرآن وهو في قول الله -﷾-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة] ثم قال -﷾-: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة].
وهذه الآيات إذا تأملناها فإنها في تحقيق هذا الأصل العظيم، وهو الإيمان بالله.
بدأ بماذا؟ بدأ بتحقيق الإيمان بوجود الله -﷾- فإن هذه الآيات فيها إقامة البراهين
_________________
(١) البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤).
(٢) البخاري (٥٢٣)، ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٣) انظر في ذلك شعب الإيمان، شرح الحديث (٨٨).
[ ١ / ٩٠ ]
بخلقهم، وخلق السماوات والأرض والمطر والنبات.
وقد تكرر في القرآن ذكرُ المخلوقات والتنبيه على الاعتبار في الأرض، وفي السماوات، والحيوان، والنبات، والرياح، والأمطار، والشمس، والقمر، والليل، والنهار. كل ذلك للإفادة والإشارة إلى العقل بأن يعلم أنه إذا تفكر قاده ذلك إلى أنَّ الله موجود؛ لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة. فالله -﷾- يدعونا إلى التفكر، وإلى التأمل، وإلى التدبر في هذا الكون الفسيح: مَنْ خَلَقَه؟ ومَن أوجده؟ ومَن مَلَكه؟ ومَن سيَّره ودبَّره؟
فلا يبقى لملحدٍ حجة، لا يبقى لأهل الإلحاد حجة في ذلك.
وهنا جاءت الآيات ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لم يقل: يا أيها الذين ءامنوا. وإنما هو نداء عام: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يقول أهل التفسير في هذا النداء: لما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ دخل في ذلك أصناف الناس كلهم: فهو نداء لمن لا يؤمن بالله أن يؤمن بالله، ونداء للجاحد أن يعترف بوجود الله -﷾-، وهو نداء للمشرك أن يُوحِّد الله، وهو نداء للمؤمن أن يطيع الله؛ ولهذا جاءت الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ بنداء عام.
ولما كان النداء عامًّا جاءت فيه الأدلة والبراهين على توحيد الله رب العالمين -﷾-.