ثم قال: وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخصُّ من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل -﵍- حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقَّى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.
ثم ذكر الحافظ ابن كثير -﵀- حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- المخرج في الصحيحين أنه قال: أعطى رسول الله -ﷺ- رجالًا، ولم يُعطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا وفلانًا ولم تُعطِ فلانًا شيئًا وهو مؤمن! فقال النبي -ﷺ-: «أَوْ مُسْلِمٌ؟» حتى أعاده سعد -﵁- ثلاثًا، والنبي -ﷺ- يقول: «أَوْ مُسْلِمٌ؟» ثم قال النبي -ﷺ-: «إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أَحَبُّ إِليّ مِنْهُمْ فَلَا أُعْطِيهِ شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ» (^٢). وعلَّق على هذا الحديث، فقال:
_________________
(١) كان في يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
(٢) البخاري (٢٧)، مسلم (١٥٠).
[ ١ / ٧٥ ]
فقد فرق النبي -ﷺ- بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام … ثم قال: ودلَّ ذلك على أنَّ ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء، ووَكَلَه إلى ما هو فيه من الإسلام، فدلَّ هذا على أنَّ هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادَّعَوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأُدِّبُوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس -﵄- وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأنَّ البخاري (^١) -﵀- ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهِرون الإيمان وليسوا كذلك (^٢).