ومن أمثلة التدبر للآيات والنظر في فهم العلماء:
نحن نقرأ قول الله -﷾-: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة].
والعبد يسأل الله -جل وعلا- الهداية في كلِّ ركعة من ركعات صلاته يقرأ فيها الفاتحة، ويتساءل بعض الناس فيقول: لماذا نُكثِر من سؤال الله -جل وعلا- الهدايةَ؟
هل المقصود بذلك أننا نسأل الله الثبات ودوام الهداية على هذا الأمر.
لا شكَّ أن هذا الجواب حسنٌ إلَّا أنه جواب ناقص. ومن أجوبة ذلك ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀- قال: وَأَمَّا سُؤَالُ الْمُؤْمِنِ مِنَ اللَّهِ الْهِدَايَةَ، فَإِنَّ الْهِدَايَةَ نَوْعَانِ: هِدَايَةٌ مُجْمَلَةٌ وَهِيَ الْهِدَايَةُ لِلْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَهِدَايَةٌ مُفَصَّلَةٌ، وَهِيَ هِدَايَةٌ إِلَى
[ ١ / ٦٥ ]
مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ أَجْزَاءِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَإِعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُؤْمِنٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، … إلخ (^١)
ولِتَعْلَم تفصيل هذا الجواب انظر إلى كلام العلَّامة شمس الدين محمد ابن أبي بكر المشهور بابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-، فإنه وقف عند هذه المسألة وهي سؤالنا لربنا -جل وعلا- الهدايةَ في هذه الآية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] فقال -﵀-:
واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد سبعة أمور هو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها:
١ - الأمر الأول: معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى، مرضيًّا له فيؤثره، وكونِه مغضوبًا له مسخوطًا عليه، فيجتنبه فإن نَقَصَ من هذا العلم والمعرفة شيءٌ نَقَصَ من الهداية التامة بحسبه. - (وهذا هو الأمر الأول، وهو مرتبط بالعلم؛ فالهداية مرتبطة بالعلم بأن تعلم ما أوجب الله عليك وأحبه، فتأتيه، وما نهى الله عنه وأبغضه، فتذره؛ فبقدر علمك يكون اكتمال هدايتك، وبقدر ما ينقص عندك من العلم تنقص عندك الهداية) -.
٢ - الأمر الثاني: أن يكون مريدًا لجميع ما يحب الله منه أن يفعله، عازمًا عليه، ومريدًا لترك جميع ما نهى الله، عازمًا على تركه بعد خطوره بالبال مفصَّلًا، وعازمًا على تركه من حيث الجملة مجمَلًا، فإن نَقَصَ من إرادته لذلك شيءٌ نَقَصَ من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة. - (إذًا هذا هو الأمر الثاني، وهو ارتباط الإرادة بالهداية. إرادة لماذا؟ إنها الإرادة والعزيمة على عمل كل ما يحبه الله ويرضاه، والعزيمة على ترك كل ما يبغضه الله -جل وعلا- ويأباه) -.
٣ - الأمر الثالث: أن يكون قائمًا به فعلًا وتركًا، فإن نَقَصَ من فعله شيءٌ نَقَصَ من هداه بحسبه. - (يعني أن يكون قائمًا على العمل، قائمًا على الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، قد أتاها وعمل بها) -.
قال: فهذه ثلاثة أمور هي أصول الهداية، (فإذا تمَّت عند إنسان فإنه إذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فإنه يدعو الله أن يُكمِّل له هذه الأمور الثلاثة).
_________________
(١) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٠ ت الأرناؤوط)
[ ١ / ٦٦ ]
قال: ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها:
٤ - أحدها: أمور هُدِيَ إليها جملة، ولم يَهْتَدِ إلى تفاصيلها؛ فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها. - (ومعنى ذلك: أنَّ إنسانًا هُدِيَ إلى عمل صالح مثل بِرِّ الوالدين، لكنه يحتاج أن يعرف كيف يبر والديه؟ وكيف يصل أرحامه؟ وكيف يفعل ويفعل من المعروف؟ فيحتاج إلى هذه التفاصيل؛ فيسأل الله -جل وعلا- أن يُرشِده إلى ما يُعِينه على أداء هذه الأمور التي هُدِيَ إليها) -.
٥ - الثاني: أمور هُدِيَ إليها من وجه دون وجه؛ فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها؛ لتكمل له هدايتها.
٦ - الثالث: الأمور التي هُدِيَ إليها تفصيلًا من جميع وجوهها؛ فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها؛ فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه. - (فهذه أمور ستة تتعلق بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تحتاجها وأنت تقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كأنك تقول: يا ربي، أسألك أن تتم عليَّ العلم بما أمرتنا به، فآتيه، وبما نهيتنا عنه، فأجتنبه، وأسألك أن تعينني على عزيمة صادقة آتي بها ما تحبه، وأبتعد بها عمَّا تُبغضه، وأسألك يا ربِّ أن أكون قائمًا لك بالعمل الصالح، وفعل الخيرات وترك المنكرات وحبِّ المساكين، وأسألك يا رب أن تكمل لي الهداية، فما هديتني إليه من عمل صالح بيِّنْهُ لي، وأسألك يا رب أن تهديني إلى ما هديتني إليه هدايةً تامَّةً كاملة) وأمرٌ سابع يحتاج إليه؛ قال -﵀-:
٧ - الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها … فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نَفَسٍ في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه ا. هـ (^١).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٨، ٣٧).
[ ١ / ٦٧ ]
-فحينئذ المسلم وهو يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو يسأل ربَّه أن يهديه، وأن يتوب عليه مما أخطأ فيه وقصَّر-. فهذه أمور سبعة نبَّه عليها ابن القيم -﵀- في هذا الباب؛ ليعلم المسلم وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أنه محتاج -واللهِ- إلى تكرار هذا الأمر تكرارًا عظيمًا، وألَّا يتخاذل عن تعلم كتاب الله -جل وعلا-.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله -ﷺ- بعقله، وتدبَّرَهَ بقلبه، وجد فيه من الفهم، والحلاوة، والبركة، والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره ا. هـ (^١).