هذه الآية المباركة: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ هل نزلت في قوم كانوا مسلمين أو نزلت في المنافقين؟
الجواب: أنَّ هذه الآية -كما ذكر الحافظ ابن كثير- قد اختلف العلماء في نزولها: هل نزلت في قوم كانوا مسلمين دخلوا في الإسلام أم إنهم كانوا منافقين؟
فذكر ابن كثير ما يثبت بالدلائل أنَّ هؤلاء كانوا مسلمين ولم يكونوا منافقين.
وهذا ما رجحه شيخه: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -﵀- وتلميذه شمس الدين ابن القيم -رحمه الله تعالى- (^٣).
يقول ابن القيم -﵀-: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان. (أي: أنهم لم يؤمنوا إيمانًا كاملًا، وإنما عندهم مطلق الإيمان، فهم مسلمون). ثم ذكر الوجوه الدالة على أن الآية لنفي الإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان فقال:
منها: أنه أمرهم أو أذِنَ لهم أن يقولوا: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ والمنافق لا يقال له ذلك.
ومنها أنه قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ ولم يقل قال المنافقون (^٤).
_________________
(١) قال في كتاب الإيمان من صحيحه قبل الحديث (٢٧) (١/ ٧٩/ مع الفتح): بَابٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ ثم ذكر آية الحجرات.
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٨٩).
(٣) انظر الإيمان (ص ١٩١) لابن تيمية. والرسالة التبوكية لابن القيم ط عالم الفوائد (١/ ٧).
(٤) ولذلك ذهب جمع من أهل التفسير إلى أن هذه الآية وردت في قوم من الأعراب، ولا تعمُّهم جميعًا؛ فإن الله -جل وعلا- ذكر الأعراب في سورة التوبة، وذكر أن منهم قومًا يؤمنون بالله ويؤمنون باليوم الآخر، وأنهم يتقربون إلى الله -﷾-: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [التوبة] فليس الأعراب جميعًا على صفة واحدة؛ ولذلك نزلت هذه الآية في قوم من الأعراب وأحياء منهم سماهم العلماء. قال قتادة -﵀-: " ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ لم تعُمَّ هذه الآية الأعراب، ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولكنها في طوائف من الأعراب" انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣١٦، ٣١٥). وقال مقاتل بن سليمان في تفسيره: "نزلت في أعراب جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرَّتْ بهم سرية من سرايا النبي -ﷺ- قالوا: آمنَّا؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وكان يومئذ من قال: "لا إله إلا الله" يأمن على نفسه وماله … " إلى آخر كلامه -﵀-. انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٤/ ٩٨).
[ ١ / ٧٦ ]
ومنها: أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله -ﷺ- من وراء الحجرات، ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظةً منهم وجفاءً لا نفاقًا وكفرًا.
ومنها: أنه قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان (^١).
ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنُّوا على رسول الله -ﷺ- ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون … إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى- (^٢).
_________________
(١) وهناك فرق عند العلماء بين كلمة "لم" وبين كلمة "لما" فإذا قال إنسان جاء زيد وعمرو لمَّا، يعني لمَّا يأتِ بعدُ وقد يأتي، فيحتمل أنه يأتي، ولكن إذا قال: لم يأتِ زيد فالمراد بذلك: لم يأتِ فيما مضى ولا يرجى أن يأتي فيما بعد؛ ولهذا لما قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لم ينفِ أنه قد يدخل الإيمان في قلوبهم في المستقبل، ويصبحوا مؤمنين أقوياء في إيمانهم؛ ولذلك في تمام الآية يقول سبحانه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يلتكم يعني لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له، فدلَّ هذا على أن هذه الآية وردت في أهل الإسلام.
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٧).
[ ١ / ٧٧ ]