ومما يجب معرفته ها هنا أنَّ الشهادتين أصلُ قولِ اللسانِ، ولا بُدَّ منهما لصحة الإيمان كما جاء في الحديث السابق. وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يؤمن بالشهادتين فهو كافر، فلا بُدَّ من النطق بالشهادتين مع القدرة، وإلا فإنه لا يكون من المسلمين. وهذا يدل على أنَّ قول اللسان من الإيمان.
قال الإمام ابن أبي العز -﵀- في شرح حديث شعب الإيمان: «هذه الشعب، منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطريق» (^٣).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: «من ترك الشهادتين خرج من الإسلام» (^٤).
فلا بُدَّ من النطق بالشهادتين، وهذا مما يدخل في قول العلماء -﵏- تعالى: الإيمانُ اعتقاد بالقلب، وقول باللسان … إلخ
والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ومنها: قوله -﵊-: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ-أَوْ يَقِينًا مْنِ قَلْبِهِ-دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارَ» (^٥).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ،
_________________
(١) البخاري (٤٠١٩)، مسلم (٩٥)
(٢) انظر: "شرح مسلم" للنوويّ (٢/ ١٠٦).
(٣) شرح الطحاوية، (٢/ ٤٧٦).
(٤) جامع العلوم والحكم، (١/ ١٠١).
(٥) رواه أحمد في المسند (٣٦/ ٣٨١/ ٢٢٠٦٠) من حديث جابر -﵁-. وصححه ابن حبان (٢٠٠).
[ ١ / ٤٥ ]
مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (^١)
وفي حديث آخر: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٢).
وفي حديث آخر: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٣).
وفي صحيح مسلم أنَّ النبي -ﷺ- قال لأبي هريرة -﵁-: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» (^٤).
وهذا يدلنا على ماذا؟
يدل على أنه لا بُدَّ من أن يجتمع قول اللسان مع اعتقاد القلب؛ ولهذا من قال: «لا إله إلا الله» فلا بُدَّ أن يُحِّققَ فيها قولُ اللسان قولَ القلب واعتقادَ القلب؛ فإنَّ النبي -ﷺ- قال في هذه الأحاديث: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا». «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا» و«غَيْرَ شَاكٍّ» أو «مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ». وهذه من شروط لا إله إلا الله،
وسيأتي الحديث عنها في مجلس بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
يقول الحافظ ابن رجب -﵀-: فأما من دخل النار من أهل الكلمة، فلِقِلَّة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت في قولها طهَّرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر لما سوى الله، فمن قلة صدقه في قولها. من صَدَق في قوله: لا إله إلا الله، لم يحبّ سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا عَلَى الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه. ومع هذا فلا تظنوا أن المراد أن المحب مطالب بالعصمة، وإنَّما هو مطالب كلما زَلَّ أن يتلافى تلك الوصمة ا. هـ (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٩)
(٢) أخرجه أحمد (١٩٦٨٩). من حديث أبي موسى -﵁-.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧). من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٤) صحيح مسلم (٣١).
(٥) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها (ص: ٤٥).
[ ١ / ٤٦ ]