ذكر البيهقي -﵀-: أنَّ رجلًا قال عند ابن مسعود -﵁-: أنا مؤمن. فقال له ابن مسعود -﵁- (منكرًا): قل إني في الجنة. ثم قال: " وَلَكِنَّا نَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ" (^٢) (يعني: إن كنت تجزم لنفسك بالإيمان فكأنك جزمت لنفسك بالجنة وأنت لا تعلم بماذا يختم لك)
وثبت عن إبراهيم النخعي وطاووس بن كيسان ومحمد بن سيرين أنهم قالوا: إِذَا قِيلَ لَكَ: «أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟» فَقُلْ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وملائكته وكتبه ورسله» (^٣)
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠ - ٤٣).
(٢) شعب الإيمان (٧٠) ورواه أبو عبيد في الإيمان (١١) وابن أبي شيبة في الإيمان (٢٢) وسنده صحيح.
(٣) الإيمان لأبي عبيد (ص: ١٥، ٢١) وتهذيب الآثار (مسند ابن عباس) للطبري تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٢/ ٦٧٥)، والشريعة للآجري (٢/ ٦٦٩). وأثر إبراهيم في الحلية أيضا (٤/ ٢٢٤) وأثر طاووس في المصنف لعبد الرزاق أيضا (١١/ ١٢٨/ ٢٠١٠٨) والسنة لأبي بكر بن الخلال (١٣٤٨)
[ ١ / ٨١ ]
وعن الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أنه قال: «لَوْ قَالَ لِي رَجُلٌ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ مَا كَلَّمْتُهُ أَبَدًا» (^١) وجاء عنه تفسير ذلك أنه قال: قَوْلُكَ أَنَا مُؤْمِنٌ تَكَلُّفٌ لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَقُولَهُ وَلَا بَأْسَ إِنْ قُلْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِقْرَارِ وَأَكْرَهُهُ عَلَى وَجْهِ التَّزْكِيَةِ " (^٢)
وقال رجلٌ لِعَلْقَمَةَ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^٣)
وعن الإمام أحمد -﵀-، وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَالَ لَهُ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قَالَ: «سُؤَالُهُ إِيَّاكَ بِدْعَةٌ، يَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^٤). وروى الإمام أحمد ذلك عن سفيان بن عيينة. (^٥)
وقال لَهُ رَجُلٌ: قِيلَ لِي: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ هَلْ النَّاسُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ؟! فَغَضِبَ الإمامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: هَذَا كَلَامُ الإِرْجَاءِ، … ثُمَّ قَالَ الإمام أَحْمَدُ: أَلَيْسَ الإِيمَانُ قَوْلًا وَعَمَلًا؟ قَالَ الرَّجُلُ: بَلَى، قَالَ: فَجِئْنَا بِالْقَوْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَجِئْنَا بِالْعَمَلِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ تَعِيبُ أَنْ يَقُولَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْتَثْنِي؟ (^٦).
وقال أيضا: الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَجِئْنَا بِالْقَوْلِ وَلَمْ نَجِئْ بِالْعَمَلِ، فَنَحْنُ مُسْتَثْنُونَ بِالْعَمَلِ. (^٧)
وقال أيضا: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَمَلَ هَذَا عَلَى التَّقَبُّلِ، يَقُولُ: نَحْنُ نَعْمَلُ وَلَا نَدْرِي يُتَقَبَّلُ مِنَّا أَمْ لَا. (^٨)
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٨/ ١٠١)
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٧٧)
(٣) الإيمان للقاسم بن سلام (١٥)
(٤) السنة لأبي بكر بن الخلال (٣/ ٥٩٧) رقم (١٠٥٦)
(٥) السنة لأبي بكر بن الخلال (٣/ ٦٠٢) رقم (١٠٧٠) والشريعة للآجري (٢/ ٦٦٠) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ١٠٥٤) رقم (١٧٩٦)
(٦) السنة لأبي بكر بن الخلال (٣/ ٥٩٧) رقم (١٠٥٦)
(٧) المرجع السابق.
(٨) المرجع السابق (١٠٥٦)
[ ١ / ٨٢ ]
وقيل لِلثَّوْرِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»، فقال لَهُ الرجل: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ [الشعراء]. (^١)
وقال الثوري أيضا: " مِنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: أَنَا مُؤْمِنٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُرْجِيءٌ - يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ - " (^٢). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا كَرَاهَتُهُمْ عِنْدَنَا أَنْ يَبُتُّوا الشَّهَادَةَ بِالْإِيمَانِ مَخَافَةَ … التَّزْكِيَةِ وَالِاسْتِكْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَهْلَ الْمِلَّةِ جَمِيعًا مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ وَذَبَائِحَهُمْ وَشَهَادَاتِهِمْ وُمُنَاكَحَتَهُمْ وَجَمِيعَ سُنَّتِهِمْ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلِهَذَا كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ وَتَرْكَهُ جَمِيعًا وَاسِعَيْنِ ا. هـ (^٣)
وذكر البيهقي -﵀- في شعب الإيمان: عن عطاء بن أبي رباح -﵀- أنه قيل له: "الرجل يقول لا أدري أمؤمن أنا أم لا؟ فقال سبحان الله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فهو الغيب، فمن آمن بالغيب فهو مؤمن بالله" (^٤).
يقصد فيما مضى، ويقصد أنه يكون جازمًا في مثل هذه الأمور فلا يشك في ذلك
وفي الطبقات لابن سعد عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أَنَّه قَالَ لِرَجُلٍ فِيهِ عُجْمَةٌ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ أَوْ مُسْلِمٌ أَنْتَ؟. قَالَ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فقيل لِمِسْعِرٍ: يَا أَبَا سَلَمَةَ أَقُولُ إِنِّي مُؤْمِنٌ حَقًّا؟ قَالَ: نَعَمْ تَكُونُ مُؤْمِنًا بَاطِلًا أَيَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ هَذِهِ سَمَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ا. هـ (^٥)
وفي مصنف ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ، فَلا يَشُكَّنَّ. وفيه أيضا عن عبد الله بن يزيد، قال: إذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٧/ ٢٩)
(٢) المرجع السابق (٧/ ٣٢)
(٣) الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٢١)
(٤) شعب الإيمان (٧٤) وهو في تفسير ابن أبي حاتم، (١/ ٣٦) رقم (٧٠) مختصرا.
(٥) الطبقات الكبرى ط دار صادر (٦/ ١٧٣) والشريعة للآجري (٢/ ٦٦٥) رقم (٢٨٥).
[ ١ / ٨٣ ]
فَلا يَشُكُّ فِي إيمَانِهِ. (^١)
فإن كان المقصد: "أنا مؤمن فيما لا يُختلَف فيه"، وقصد بذلك أصل الإيمان، فهنا لا يستثني. وحاصل كلام العلماء -﵏- في هذه المسألة أنهم قالوا: أما الإسلام فيجزم به، ويقول: أنا مسلم. وأما الإيمان فإنه ينظر في مقصده.
قال العلامة ابن باز -﵀-: " أما في العبادات فلا مانع أن يقول: إن شاء الله، صليت إن شاء الله، صمت إن شاء الله؛ لأنه لا يدري هل كملها وقبلت منه أم لا؟ وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم ونحو ذلك؛ نظرًا لأنه لا يدري هل كمل أم لم يكمل؟ فيقول: إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أني صمت صومًا طيبًا سليمًا، ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله يعني: إيمانًا صحيحًا وإيمانًا أموت عليه. أما الشيء الذي لا يختلف قال: بعتَ هذا، فيقول: بعتُ إن شاء الله، ما يحتاج (إن شاء الله)، بعت هذا إن شاء الله، أو تغديت أو تعشيت إن شاء الله، ما يحتاج (إن شاء الله) في هذا؛ لأن هذه أمور ما تحتاج إلى المشيئة في الخبر، وإنما هي أمور عادية قد فعلها وانتهى منها، بخلاف أمور العبادات التي لا يدري هل وفَّاها حقها أم بخسها حقها؟ فإذا قال: إن شاء الله فهو للتبرك باسمه-سبحانه-وللتحرز من دعواه شيئًا قد يكون ما أكمله ولا أداه حقه" (^٢).
وجعل العلامة ابن عثيمين -﵀- المسألة على أقسام:
فقال: -وهذا هو القسم الأول:
١ - إن كان الاستثناء صادرًا عن شكٍّ في وجود أصل الإيمان فهذا محرم، بل كفر؛ لأنَّ الإيمان جزم، والشك ينافيه (يعني يقال: له هل آمنت؟ فيقول: إن شاء الله. فإن كان قصدُه بقوله: "آمنت إن شاء الله" الشكَّ فإنَّ ذلك لا يجوز).
٢ - والقسم الثاني: قال -﵀-: وإن كان صادرًا عن خوف تزكية النفس والشهادة لها
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ط. السلفية (١١/ ٢٩) وإسناد أثر عبد الله بن يزيد صحيح، وهو الخطمي، صحابي صغير، وانظر تحقيق ذلك في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦/ ١٤٨)
(٢) فتاوى نور على الدرب، حكم قول إن شاء الله في الجواب عن أعمال العبادات، الموقع الرسمي للشيخ -﵀-.
[ ١ / ٨٤ ]
بتحقيق الإيمان قولًا، وعملًا، واعتقادًا، فهذا (يعني الاستثناء) واجبٌ خوفًا من هذا المحذور (يعني يقول: أنا مؤمن لكن لا أجزم بأني كامل الإيمان، وبأني متحقق في هذه التزكية فإن الله يقول: فلا تزكوا أنفسكم ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم])
٣ - والقسم الثالث: قال -﵀-: وإن كان المقصود من الاستثناء التبرك بذكر المشيئة أو بيان التعليل وأن ما قام بقلبه من الإيمان بمشيئة الله فهذا جائز (^١).
إذًا يختلف هنا قول: "إن شاء الله" إن قصد به التزكية أم لا. فجزم الإنسان لنفسه بالإيمان مطلقًا لا ينبغي. وإنما الجزم هنا يكون بقوله: "أنا مسلم"، وعلى هذا تتنزل عبارات السلف على هذه المقاصد وليس بينها اختلاف والحمد لله.
وقد ضرب العلماء أمثلة على ذلك، فقالوا: لو قال الإنسان: "أنا صائم غدًا إن شاء الله" نقول: ماذا قصدت بالاستثناء هنا أو ماذا قصدت بالمشيئة؟
هل قصدت بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد؟
فإن قصد الشك والتردد فإن هذه النية نية فاسدة أي: إذا قصد بقوله: "أنا صائم إن شاء الله" أنه قد يصوم وقد لا يصوم فهذا شك. لكن إذا قال: "لا، أنا لم أقصد الشك، وإنما قصدت العزم على ذلك، وأن يُهيِّئ الله لي هذا الأمر"، فهنا نقول: ليس هذا ترددًا في النية، وإنما قصد أنَّ صومه معلَّق بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره؛ ولهذا يختلف التعليق من مسألة إلى أخرى.
ومن هذا الباب:
حديث زيارة القبور: أنَّ النبي -ﷺ- دعا فقال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (^٢). فهذا التعليق هو في أمر متيقن والمقصود به أننا إلى الله سائرون حقيقة.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٣/ ٨٥).
(٢) مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٨٥ ]
وكذا في قوله -ﷺ- للمريض: «لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ» (^١).
لم يقصد بها التردد، وإنما قصد بها التفاؤل.
وهي جملة خبرية لا دعائية (^٢) لأن الدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به؛ ومن قال: اللهم طهره لا يستثني؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (^٣) (^٤)
_________________
(١) البخاري (٣٦١٦) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٢) قال الشيخ صالح آل الشيخ في «شرح الطحاوية» (ص ٣٤٧): قوله -ﷺ- «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» هذا من باب الخبر لا من باب الدعاء، فهو قال للأعرابي هذه الحمى طهور لك؛ طهور لك في دينك وطهور لك أيضا في بدنك فتصبح بعدها سالما، فأخبره النبي -ﷺ- بذلك. لأنَّ قوله «طَهُورٌ» مرفوع، والرافع له مبتدأ محذوف أو الابتداء المحذوف بقوله «هي طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» وليس المراد الدعاء لأنه لو كان دعاءً لصارت منصوبة اللهم اجعلها طهورًا. لو قال: طهورًا إن شاء الله؛ يعني: اجعلها اللهم طهورًا، فيكون دعاء. فالظاهر من السياق من اللغة ومن القصة أنَّ المراد الخبر.
(٣) البخاري (٦٣٣٩) ومسلم (٢٦٧٩) واللفظ له.
(٤) انظر: الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري (٣/ ١٣٧) وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٤/ ٤٨٤)
[ ١ / ٨٦ ]