-وهي من أعظم الأسباب التي تكون عونًا في زيادة الإيمان-، التعرفُ والتفكرُ في أسماء الله -جل وعلا- الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، وأن يحرص المسلم على فهم معانيها والتعبد لله -جل وعلا- بها؛ تحقيقًا لما جاء في الصحيحين: عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة» (^٢).
وإحصاؤها على ثلاث مراتب:
* أن تحفظها
* وأن تفهم معانيها
* وأن تتعبد الله -جل وعلا- بها.
_________________
(١) كان في يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
(٢) البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٥٢ ]
وقد جاء عن أبي رزين -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عَبْدِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ» (^١) قال: قلت: يا رسول الله، أو يضحك الربُّ -جل وعلا-؟» قال: نَعَم «قال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا» (^٢).
فاستبشر لما عرف أن الله -﷾- يُوصَف بأنه يضحك. والسلف يثبتون لله تعالى صفة الضحك حقيقةً على ما يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف، ولا تعطيل مع تنزيهه -﷾- عن مشابهة المخلوقين فإنه -﷾-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].
وهكذا ينبغي للمؤمن أن يتأمل أسماء الله الحسنى الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله -ﷺ- ويقف عندها.
فلو قرأ أحدنا الفاتحة، ووقف عند أسماء الله الواردة في هذه السورة المباركة، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] فإنه يجدها آية عظيمة، تشتمل على اسمين كريمين: اسمه الكريم "الله"، واسمه "الرب"، فيقف الإنسان متأمِّلًا عند هذين الاسمين الكريمين اللَّذين جمعَ الله -جل وعلا- فيهما بين الألوهية والربوبية؛ فالله هو الإله المعبود بحق، لا يستحق أن يُعبَد أحد سواه؛ وهو رب العالمين ورب الخلائق أجمعين، رَبَّاهم بنعمه، وأكرمهم -جل وعلا- بما يسدي إليهم من عظيم مننه.
ثم يقرأ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] فيتأمل في هذين الاسمين الكريمين.
وهكذا يقرأ الإنسان كتاب الله، فتمر عليه الآيات، فيتفكر فيما اشتملت عليه
_________________
(١) قوله: "وقرب غِيَرِه"، ضبط بكسر معجمة، ففتح ياء: بمعنى تغير الحال، كما في "النهاية"، ونحوه في "الصحاح" وضميره: قيل هو: لجنس العبد، والمراد تغير حاله من القوة إلى الضعف، ومن الحياة إلى الموت، وهذه الأحوال مما تجلب الرحمة لا محالة في الشاهد، فكيف لا يكون أسبابًا عادية لجلبها من أرحم الراحمين. قال السندي: والضمير لله، والمعنى أنه تعالى يضحك من أن العبد يصير آيسًا من الخير بأدنى شر وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحال من شر إلى خير، ومن مرض إلى عافية، ومن بلاء ومحنة إلى سرور وفرحة ا. هـ انظر: «حاشية السندي على سنن ابن ماجه» (١/ ٧٧).
(٢) أحمد (١٦١٨٧)، ابن ماجه (١٨١). وهو حديث حسن لغيره كما في السلسلة الصحيحة (٢٨١٠). وصفة الضحك ثابتة لله -﷿- في السنة الصحيحة كما في صحيح البخاري (٢٨٢٦) ومسلم (١٨٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ»
[ ١ / ٥٣ ]
من الأسماء الحسنى والصفات العلا.
ومما ذكر عن الأصمعي أنه قال: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية - يعني قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة]-، قال: فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلامُ مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعِد. فأعدت: (… والله غفور رحيم). فقال: ليس هذا كلام الله. فتنبهت وقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمِن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع (^١).
فعرف هذا الأعرابي بتأمله وفهمه للسياق من الآية أنها لا تختم بذلك. وهذا من التأمل في أسماء الله وصفاته.
ومما كتبه العلماء في هذا الباب، وهو كتاب سهل ويسير: "كتاب فقه الأسماء الحسنى" لشيخنا الدكتور عبد الرزاق العباد -حفظه الله تعالى-، وهو كتاب سهل وجميل، يحسن بالمسلم أن يُكثِر القراءة فيه والتأمل في تفسيره لأسماء الله وصفاته؛ فإن هذا من شأنه أن يزيد الإيمان عند المسلم.
يقول النبي: -ﷺ- «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (^٢)
فالإيمان يضعف إذا لم يتعاهده المؤمن، وجلاءُ ذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والحرص على الأسباب التي تعين المسلم على زيادة إيمانه.
نحن أخذتنا الشواغل، شغلتنا الدنيا وما فيها، وَالْتَهَى الإنسان بالمال والبنين، وَالْتَهَى
_________________
(١) انظر القصة في التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ١٨٥)، وتفسير السمعاني (٢/ ٣٧، ٣٦)، والدُّر المصون في علوم الكتاب المكنون (٣/ ٨٧)، خزانة الأدب وغاية الأرب (١/ ١٧٦).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٣٦) رقم (٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٨٥) وروي مرفوعا: «إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ». قيل: فما جلاؤها؟ قال: «تِلاوَةُ كِتَابِ الله -﷿-، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ» رواه المروزي في قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر كما في مختصره للمقريزي (ص: ١٧٢) والبيهقي في الشعب (١٨٥٩) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٠٩٦).
[ ١ / ٥٤ ]
بحاجاته. فهذا العصر عصر الشواغل، شُغِلَ الإنسان بهاتفه وبما فيه من المواقع التي يتصفحها، ويسهل على الإنسان أن يدخل هنا، ويخرج من هنا، وكلُّ هذا من شأنه أن يزيد الإنسان غفلة، -نسأل الله السلامة والعافية-،. فأين المشمرون؟! وأين أصحاب الهمة العالية الذين يحفظون أسماء الله الحسنى ويدعون الله -جل وعلا- بها؟!