ونحن والله نحتاج إلى الإقبال على كتاب الله -جل وعلا- إقبالًا سلفيًّا أثريًّا كما كان أصحاب النبي -ﷺ- يفعلون؛ فإنهم كانوا يُقبِلون على كتاب الله، ويكتفون بكتاب الله وبسنة رسول الله -ﷺ- دون غيرهما.
وإنَّ بعض الناس اليوم قد تدمع عيناه لسماع نشيد، ولا تدمع عيناه لسماع القرآن، وتطرب نفسه لسماع القصائد، ولا تطرب نفسه وتخشع لذكر الله -جل وعلا-.
والمتأمل في حال الصحابة -﵃- يرى في طريقة تلقيهم للعلم: تمام الحرص على العمل بالعلم والانتفاع التام به.
قال جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ (^٢) فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا». (^٣).
فتأمل قوله «فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا».
يتبين لك ما كانوا عليه من العناية بالعمل والعلم معا وأن ذلك قد آتى ثماره بالإيمان الذي وقر في قلوبهم وهذ هو المنهج الصحيح الذي ينبغي أن نسير عليه جميعا في طلبنا للعلم. وفيه من الفائدة البدء بتعلم العقائد قبل الفقه والقرآن.
وقال ابن مسعود -﵁-: «كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٠).
(٢) حزاورة: جمع حَزَوَّر، وهو الغلام إذا اشتد وقوي وحزم.
(٣) صحيح، أخرجه ابن ماجه (٦١) بسند صحيح.
[ ١ / ٦٨ ]
معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ». (^١)
وقال تلميذه أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلميِّ: حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَشْرَ آيَاتٍ، فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. (^٢)
وقال عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -﵄-: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَأَحَدُنَا يُؤْتَى الإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا، وَحَرَامَهَا، وَآمِرَهَا، وَزَاجِرَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهَا. كَمَا تَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ (^٣)، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِى مَا آمِرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهُ فَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (^٤)
_________________
(١) صحيح، أخرجه الطبري (١/ ٨٠) من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود -﵁-. قال العلامة أحمد شاكر: هذا إسناد صحيح. وهو موقوف على ابن مسعود -﵁-، ولكنه مرفوع معنى، لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله -ﷺ- فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير ا. هـ وللأثر طريق آخر يأتي ذكره في الحاشية التالية.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد (٥/ ٤١٠) وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٠ - ٤٦١ وابن سعد ٦/ ١٧٢ والطبري ١/ ٣٦ والطحاوي في "شرح المشكل" (١٤٥١، ١٤٥٢) من طرق عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن به. وأورده الدارقطني في "العلل" ٣/ ٦٠ من طريق يحيى بن كثير أبي النضر- وهو ضعيف-، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن قال: حدثني الذين كانوا يقرئونا عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب -﵃- … وقال الدارقطني عقبه: فسمى هؤلاء الثلاثة ولم يسمهم سواه، والأول أشبه ا. هـ وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٤٥٠)، والحاكم (١/ ٥٥٧) - وعنه البيهقي (٣/ ١١٩ - ١٢٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود -﵁- قال: كنا نتعلَّمُ من رسول الله -ﷺ- عشر آيات … فذكره. وعبد الله بن صالح وشريك النخعي سيِّئا الحفظ. لكن قد أخرجه الطبري من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن شقيق ابن سلمة، عن ابن مسعود به وسنده صحيح، كما تقدم.
(٣) قال أبو جعفر ابن النحاس في القطع والائتناف (ص: ١٢): هذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر: لقد عشنا برهه … يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة ا. هـ
(٤) حسن، أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤٥٣) فقال: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، ورواه أبو جعفر النحاس في القطع والائتناف (ص: ١٢) قال: وحدثني محمد بن جعفر الأنباري حدثنا هلال بن العلاء قال: حدثنا أبي وعبد الله بن جعفر؛ ورواه ابن منده في الإيمان (٢٠٧) قال: أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْرُوفٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ بْنِ خَالِدٍ، ثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، ورواه الحاكم (١٠١) فقال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ، ثنا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ، ثنا أَبِي؛ ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٥٢٩٠) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (٣١/ ١٦٠) - قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمَعْرُوفِ الْفَقِيهُ الْمِهْرَجَانِيُّ بِهَا، ثنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، أنبأ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَطَّانُ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ الْحَلَبِيُّ، كلهم (علي بن معبد، والعلاء الرقي، وعبد الله بن جعفر وزكريا بن عدي وعبيد بن جناد) قالوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ -﵄-، يَقُولُ فذكره. وقال ابن منده: «هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى رَسْمِ مُسْلِمٍ وَالْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علّة، ولم يخرجاه». والصواب أنه إسناد حسن وليس على شرطهما، فليس لزيد عن القاسم رواية في الصحيحين والقاسم من رجال مسلم وهو مختلف في حاله، وقال الحافظ صدوق يغرب. وإسناد الحاكم فيه هلال بن العلاء الرقي -وهو صدوق-، عن أبيه - وهو ضعيف-، وليسا من رجال الشيخين.
[ ١ / ٦٩ ]
وقال أبو طالب المكي -﵀-: وقد كان من أصحاب رسول اللّه -ﷺ- من لا يحفظ إلا الجزء والجزأين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام عَلَمًا فيهم، وقبض رسول اللّه -ﷺ- عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كلَّه منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وقال بعضهم: ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد، وختم ابن عباس -﵄- على أُبَيِّ بن كعب -﵁- وقرأ عبدُ الرحمن بن عوف على ابنِ عباس -﵄- وقرأ عثمانُ بن عفان -﵁- على زيد بن ثابت -﵁- وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة -﵁-، وكلهم كان متبعًا لأوامره مجتنبًا لزواجره عالمًا به فقيهًا فيه ا. هـ (^١)
هكذا كان السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، تلقَّوا القرآن والسنة، وتلقَّوا ما في ذلك من العلم والعمل.
وذلكم-عبادَ اللهِ-هو التدبر الذي أمرنا الله -جل وعلا- به.